إدراج شجرة زيتون “المهراس” على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو
إدراج شجرة زيتون “المهراس” على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو
أعلن وزير الثقافة مصطفى الرواشدة، اليوم الأربعاء 10 كانون الأول […]

أعلن وزير الثقافة مصطفى الرواشدة، اليوم الأربعاء 10 كانون الأول 2025، تحقيق إنجاز وطني يتمثل في إدراج شجرة زيتون “المهراس” على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى منظمة اليونسكو، بعد استكمال مسار الترشيح الوطني لهذا العنصر المرتبط بالهوية الثقافية والاجتماعية للأردن.
وأوضح الرواشدة أن ترشيح الشجرة جاء لما تحمله من قيمة تاريخية واقتصادية واجتماعية وثقافية، إذ تُعد أصلًا للسلالات الأخرى وتعكس بجذورها العميقة تاريخ المنطقة، كما تُستخدم في الصناعات التقليدية والطبية، وتحيط بها طقوس وممارسات شعبية في مواسم القطاف. وأكد أن “شجرة المهراس” تمثل جزءًا أصيلًا من التراث غير المادي للأردن، لارتباطها بالمهرجانات والأغاني الشعبية وبحياة الإنسان الأردني اليومية، مقدمًا الشكر للمؤسسات والخبراء الذين أسهموا في إنجاح الترشيح.
زيتون وادي رم في سردية الأصل والامتداد
وبالتوازي مع هذا الإنجاز، تُبرز المادة البحثية التي تفضلتم بمشاركتها ضمن محتوى إرث الأردن سرديةً أوسع حول جذور الزيتون في الأردن، إذ تشير إلى أن وادي رم كان في مراحل مبكرة من التاريخ الطبيعي مغطىً بأشجار الزيتون البري. كما تفيد بأن العصر النحاسي شهد محاولات مبكرة للزراعة المنظمة والتهجين، وتربط هذه القراءة البحثية بين زيتون “المهراس” العجلوني وبين امتدادات جينية وصلت لاحقًا إلى مناطق متوسطية مختلفة. وتأتي هذه الإشارات ضمن منظور بحثي يهدف إلى ترسيخ مكانة الأردن كفضاء تاريخي مهم في مسيرة الزيتون وتنوعه الوراثي.
الزيتون في الأردن: الجذر التاريخي والهوية الإنتاجية
يأتي هذا الاعتراف الدولي في سياق مكانة الزيتون الخاصة داخل الثقافة الإنتاجية الأردنية ومائدتها. فبحسب بحث “الزيتون ومنتجاته في الاقتصاد والغذاء الأردني” المنشور على موقع إرث الأردن، يُنظر إلى الأردن باعتباره من المواطن الأصلية لكثير من الأشجار المثمرة، مع دلائل نباتية وبقايا برية ما تزال قائمة حتى اليوم. ويبرز الزيتون بين هذه الأشجار كعنصرٍ رمزي وإنتاجي متجذر في التاريخ المحلي، ارتبط عبر العصور بالاستخدامات الغذائية والاقتصادية، وترك أثره في المواقع الأثرية التي تضم معاصر قديمة، وفي السرج النبطية التي استُخدم زيت الزيتون في إنارتها.
ويشير البحث ذاته إلى أن الزيتون ظلّ الأكثر أهمية في قطاع الأشجار المثمرة؛ إذ بلغت المساحة المزروعة بالزيتون عام 2006 نحو 1.26 مليون دونم، بما يعادل قرابة 72% من مساحة الأشجار المثمرة المزروعة، و36% من كامل المساحة المزروعة في الأردن، مع تقدير عدد أشجار الزيتون بنحو 20 مليون شجرة، وإنتاج سنوي يقارب 243 ألف طن من ثمار الزيتون و37 ألف طن من الزيت.
حرثا\أبيلا (آبل الزيت) وزيت الشمال الأردني
وتحضر بلدة حرثا في محافظة إربد ضمن السردية التاريخية للزيتون كإحدى العلامات الأبرز على جودة الزيت الأردني وامتداده الحضاري. فقد عُرفت في الكتابات والمرويات القديمة باسم “آبل الزيت” وارتبطت بصورة رمزية بعبارة “قنديل روما”، في إشارة إلى شهرة زيتها وتميزه، كما كانت نقطة تجمع لزيتون المناطق المجاورة قبل نقله إلى مراكز أخرى. وتستند هذه المكانة إلى ذاكرة زراعية واقتصادية طويلة، عززتها شواهد أثرية تشير إلى حضور معاصر الزيتون في محيط المنطقة، بما يعكس الدور الذي لعبه زيت الشمال الأردني في الاقتصاد المحلي وفي خطوط التجارة التاريخية.
موسم القطاف: طقس اجتماعي حي
لا تتوقف قيمة “المهراس” عند الشجرة بوصفها كيانًا طبيعيًا معمّرًا، بل تتجسد في شبكة الممارسات والمعارف المرتبطة بها. فطقوس قطف الزيتون في الأردن تُعد ممارسة اجتماعية عائلية واسعة، يُشارك فيها الجميع، وتبدأ عادة مع مطلع تشرين الثاني بعد “الشتوة الأولى”، بما يعكس تداخل الإرث الزراعي مع الإيقاع الموسمي والذاكرة الشعبية.
دلالات إدراج “المهراس”
يمثل إدراج شجرة “المهراس” على قائمة اليونسكو خطوة نوعية في تعزيز حضور الإرث الزراعي الأردني ضمن المشهد العالمي للتراث الثقافي غير المادي، ويفتح المجال أمام جهود أوسع للتوثيق والحماية والتعريف بالموروث المرتبط بالزيتون؛ من مهارات الزراعة والاصطفاء، إلى أنماط العصر التقليدي، وصولًا إلى الاستخدامات الغذائية والاقتصادية المتعددة لمنتجات الزيتون ومخرجاته.
وفي إرث الأردن، ننظر إلى هذا الإنجاز بوصفه امتدادًا طبيعيًا لمسارنا البحثي في توثيق إرث الغذاء والإنتاج في الأردن، وإبراز العلاقة العميقة بين الإنسان والمكان، بما يحفظ الذاكرة الوطنية ويعزز قيم الاستدامة والاعتزاز بالجذور.
