مقدمة

بات من الواضح للمؤرخين بأن نضال الأردنيين نحو الاستقلال بحكم مركزي  قد بدأ منذ فترة طويلة خاصة بعد أن أثبت أنه الأفضل في ترجمة تطلعات وطموحات الشعب بمختلف الحقب الإسلامية، وقد امتدت سلسلة  الثورات الصغرى  في تاريخ الاردنيين النضالي لأمد طويل، واندلعت الثورات بتسارع كبير وظلت مستمرة ومتقطعة جيلاً بعد جيل، وتارة لاستعادة الاستقلال الذي ظل حلماً قريباً تحول دونه قوى خارجية. وبعد كل ثورة كان تخضع قوى الحكم الخارجي للإرادة الأردنية أو يتم كبح جماح الثورات الأردنية عبر إبادات جماعية و بسط للسيطرة و النفوذ بقوة الجيوش الجرارة التي تم توجيهها على العشائر الأردنية لمرات لا يمكن حصرها .

لكن رغم كل هذه الظروف و التحولات التاريخية القاسية ظلت النزعة الاستقلالية موجودة وبعثت العشائر الأردنية ما مفاده أن الأردن لن تحكم من خارجها واستمرت العشائر الأردنية بمقاومة السلطة الخارجية من الثورات الصغرى و الوسطى حتى كللّت طموحها الجمعي بالاستقلال عبر الثورة العربية الكبرى .

قدمنا في البحث الماضي سردا تاريخيا موجزا و اضاءة معرفية على واحدة من الثورات الأردنية الصغرى ( ثورة الأردنيين عام 1557- 1570)، في هذا البحث نستكمل مسيرة توثيقنا و استعراضنا للثورات الصغرى بالحديث عن ( ثورة الأردنيين عام 1670 ) .

 

تمهيد

لاحظ الاحتلال العثماني ومن أول عام أن طريق الحج مورد ثمين للأردنيين وقد مكنهم من انتزاع حكم محلي بالحقب الأيوبية والمملوكية ولذلك كانت أول قرارتهم نقل طريق الحج الذي كان مستقراً لآلاف السنين بمن يوفرون الخدمات عليه من تزويد ونقل شرقاً بحيث يتم التنازع على محطاته الأقل عدداً بين نفس عدد مشغلي المحطات، بالإضافة لانتزاع الجغرافية الدفاعية والكتل السكانية المعطية للأفضلية للأردنيين مقارنة مع الطريق المفتوح في الصحراء ومخافره المدججة بالسلاح والعسكر. لم يكن هذا ليمر مرور الكرام وخرجت عليه الثورة تلو الأخرى ابتداءًا من أول عام حاول فيها الاحتلال العثماني توسيع نفوذه على الأردنيين فرفضوا سلطته وتجهيله وضرائبه والعمل عنده بالسخرى إلى آخره مما حمله الاحتلال العثماني من ظلام على مدى أربع قرون.

حاول العثمانيون منذ النصف الثاني من القرن السابع عشر التآمر على القوى العسكرية المحلية المتمردة ضدهم من أبناء عشائر الأردن والأعيان والوجهاء بدلاً من أن تعطيهم حكماً لا مركزياً من أبنائهم أو بالحد الأدنى تمثيلاً سياسياً في اسطنبول، وأن تستمر في الإشراف على تنظيم الحج لإضفاء الصبغة الدينية – عبر تجارة الدين – على حكمها، فقد كان الحج وسيلة اقتصادية ودينية لجمع المال والضرائب والتجارة، لذا كان لا بد للعثمانيين أن يخططوا لإخضاع قبائل المنطقة الممتدة على طريق الحج و التجارة، ولا سيما أولئك القائمين على طول طرق المواصلات الرئيسية إلى مصر، والديار المقدسة في الحجاز، إذ أن مهاجمتهم لقوافل المسافرين والتجار نظير مواقفهم السياسية التحررية والاستقلالية عن مظلة الخلافة المزعومة، كان يهز الحكم العثماني ويضعفه ويثير الأهالي والسكان ضده، لا سيما أن هذه الاعتداءات المتكررة كانت ردود فعل طبيعية على السياسة العثمانية المتبعة، وهي في غالبها تنطوي على مطالب عادلة ومشروعة، وتمثل وسيلة للاحتجاج والاعتراض على السلطة كما يحدث في الوقت الحالي من اغلاق طرق للاحتجاج على قرارات أو تصرفات أو لإيصال رسائل معينة للسلطة عندما لا يستطيع نقلها من ينوب عن المحتجين في المؤسسات المناطة بذلك، لا سيما وأن السلطة العثمانية لم تكن تؤمن بسياسة الاحتواء والحوار، بل فقط بسياسة دفع الضرائب وبيع التيمارات والمناصب كما تقدم أو التنكيل بالاستقلاليين كحل آخر.

طريق الحج، وسيلة احتجاج على ظلم السلطة وأول تطبيق عملي على ضرائب العبور الحالية

ونتيجة لما تقدم فقد اتبع العثمانيون أساليب متنوعة في التعامل مع هذه الاحتجاجات والحركات التحررية المتمردة، فكانت تحاول مهادنة العشائر واسترضاءها واستمالتها، فتعين المناصب وتهبها لشيوخ العشائر، لتسهل عملية السيطرة على العشائر والسكان عن طريق جعل شيخ العشيرة ذا نفوذ ومحاولة استغلال نفوذه، وليكون صلة وصل بينها وبين تلك القبائل واختارت أن يكون اسم هذا المنصب “شيخ عربان الشام”، كما أنها سجلت تلك العشائر وحددت أماكنها، وفرضت على بعضها الضرائب إلا أنها بالمقابل عملت على أن تدفع قدراً من المال للقبائل المتنفذة المتحالفة معها والقائمة على طريق الحج بما يعرف بالصرّة، والهدف المعلن من ذلك هو تأمين سلامة الحجاج أثناء مرور قوافل الحج من أراضي تلك القبائل في ما يعرف بضريبة المرور والعبور الممارس في المنافذ الحدودية والجمارك والمطارات حالياً، إلى جانب مساعدة القوافل في معرفة الطريق، وفي ذات الوقت كانت تنتفع هذه القبائل مادياً بتقديمها الجمال لنقل الحجاج ، فكان الموضوع عبارة عن حركة اقتصادية هائلة يرافقها التجار للتجارة والكسب، الى جانب قيامهم بفريضة الحج أحياناً، وقد يتخيل القارئ للوهلة الأولى أن العثمانيين إنما كانوا يقومون بدفع ذلك في إطار حمايتهم لرحلة الحج المقدس أو حمايتهم للإسلام، إلا أن ذلك في حقيقة الأمر كان تغليفا رائجا للتجارة بالدين وأهم مصادر دخل الدولة العثمانية، فهي تجني الضرائب من العشائر ومن الحجاج بشكل مستمر بدون إنشاء طرق ملائمة أو حتى حماية القوافل التجارية وقوافل الحجاج بشكل فعلي، وبجزء من هذه الضرائب تقوم بدفع رسوم العبور للقبائل المسيطرة على طرق التنقل الرئيسية، بينما يخصص الجزء الأكبر للدولة، عدا عن الفساد الكبير في آلية جمع تلك الضرائب عبر مختلف المناصب في الدولة العثمانية، والضحية والخاسر الأكبر هم السكان في المناطق المهمشة.

ورغم كل ما تقدّم ذكره لم تنفك القبائل عن مهاجمة القوافل وأمراء الحج العثمانيين، ويرجع ذلك في الدرجة الأولى إلى أن أمراء الحج العثمانيين كانوا  يمتنعون في كثير من الأحيان عن دفع الصرر للقبائل نظير السماح بعبورهم ومساعدتهم في الطريق وتأجيرهم الجمال ويحتفظون بها لأنفسهم، فكانت العشائر تحاول الانتقام بالسيطرة على القوافل ومصادرتها لاسترداد حقوقهم المسلوبة، إضافة لاستمرار عملية تهميشها وعدم التعامل معها إلا كمزرعة لجني الضرائب من خلال الهجمات العثمانية عليها، فاستخدمت هذا الخيار كأفضل رد على سياسة الإقصاء العثمانية، وهذا كله تتحمل مسؤوليته الدولة العثمانية نتيجة لانعدام العدالة وعدم وجودها الفيزيائي كدولة بالمفهوم الحقيقي للكلمة، انما عبر منظومة حكم بالوكالة والتمييز، فتأخذ الضرائب من جهة وتدفعها لجهات أخرى لشراء ولائها ورضاها، بينما لا يحصل دافعو الضرائب إلاّ على المعاناة والشقاء، فتصبح الغلبة للأقوى، وهذه أشبه بالغابة من كونه دولة، وعدا عن مهاجمة القبائل بمبررات عدة ولمرات متعددة فإن الأداة المفضلة للعثمانيين كانت التحريض بين القبائل بعضها ببعضها و زرع الفتن بمبرّر أو بدونه، وحينما يشعروا أن قبيلة ما قد زادت قوتها عن قدرتهم على المواجهة، يلجأ العثمانيون للمهادنة والمصالحة معها واشغالها في حرب ضد قبيلة متمردة أخرى.

ظهور ارشيد بن سلامة الفواز وفترة التحالفات

ومع بداية القرن السابع عشر، ظهر ارشيد بن سلامة بن نعيم بن سلامة الفواز، وبدأت فترة حكمه عام 1600 وكانت هذه الفترة فترة تحالفات وصراعات للسيطرة على المنطقة بين عشائر المنطقة وكان العثمانيين في الأعلى ينظرون لهذه الصراعات ويحاولون تغذيتها وتأجيجها بين العشائر، فقد كان فخر الدين المعني ذو أطماع في منطقة عجلون التي كانت تحت إمارة الغزاوية، وكان الفواز في حوران الأردنية وإمارتها لهم، وينازعهم عليها الصقور، واستقرت الأمور للفواز في النهاية حيث سيطروا على إمارة حوران ومنافع طريق الحج وصولاً لبادية الأنباط الجنوبية قرب تبوك، وقد استطاع الفواز الاحتفاظ بسيطرتهم على طريق الحج بالتعاون مع تحالف من العشائر الأردنية بحيث تم وضع حد للفتن التي انتفع منها العثمانيون، إلا أن ذلك لم يرق للسلطان  فأصدر فرمانه في أواخر 1648 إلى والي الشام بعزل “شيخ الشام ابن رشيد” (وتلفظ على وزن فعيل) ومنعه من التدخل في الحج والحيلولة دون استمراره في السلطة.[1]

حمد بن رشيد وثورة 1670

وبعد وفاة الشيخ رشيد واستلام ابنه حمد، توترت العلاقات أكثر بين تحالف العشائر الأردنية والعثمانيين، حيث قام حمد بن رشيد أمير حوران في عام 1670 بتحضير جيش وإعلان مناطق نفوذه محرّمة على العثمانيين، لكن قافلة من القوافل العثمانية لم تظن أن تهديده كان حقيقيا وجاهزا للتنفيذ خاصة مع قرب قوات الاحتلال العثمانية في دمشق، فدخلت القافلة حوران في المكان المعروف بالصافي، فهاجمها الأردنيون بقيادة الشيخ حمد بن رشيد معلنينها ثورة مسلحة على الوجود العثماني بالأردن.

ظفر الأردنيون بالنصر في ذاك الاشتباك وصادروا الكثير من السلاح والذخيرة. في هذه الأثناء كان حاكم عجلون هو موسى بن محمد المعروف في ذاك الوقت بابن تركمان. ولتخفيف خسائرهم من التماس المباشر مع فرسان العشائر الأردنية لجأ الاحتلال لحيله المعهودة حيث نقل الصراع ليصبح بين ابن تركمان حاكم عجلون وقتها وبين الشيخ حمد بن رشيد بعد أن كان بينهما سابقاً مؤاخاة ومودة وعهود، فحرّض العثمانيون موسى على محاربة حمد بن رشيد، وبعد رفض فرسان عشائر عجلون المضي معه في حرب ضد أبناء عمومتهم من الأردنيين جمع العثمانيين له قوات من دمشق ونابلس والقدس والعديد من القوات المرتزقة من جنوب شرق اوروبا، وخرج الجيش العثماني وتقابل الطرفان في مكان قريب من نهر الزرقاء.

9.indd
نهر الزرقاء – 1900 م

فوقعت بينهما حرب عظيمة ودخل الأمير موسى في المعمعة يحث عساكره على القتال وقد قتل جماعة من مقاتلي حمد بن رشيد فطعنه أحدهم برمح أرداه به فوقع قتيلا عن جواده وكان الأمير حمد بن رشيد قريباً من موقع مقتله فلما رآه قد سقط بادر إليه يظن أنه لم يمت فلما رآه قد مات علم أن العسكر العثمانيين والمرتزقة المحاربين في صفوفهم لن تقوم لهم قائمة فولوا هاربين، فأمر قواته بالكف عنهم واشتغل الصديق بأمر صديقه السابق الذي خسره بسبب الفتنة العثمانية، وعظم مصابه به وأخذ يندبه ويبكيه، وقيل عنه أنه كان يقول: “إن حزني على موسى لا يذهب مني أبداً” ولقد قتل من جماعته أخوان وهرب بنوه وبقية أخوته وكان قتله في سنة 1670.

حققت الثورة النجاح لفترة وجيزة اذا بقيت الأردن محكومة محلياً من قبل الفواز لمدة تسعة أعوام لا يستطيع العثمانيين دخولها. وضع العثمانيون الجائزة تلو الأخرى لمن يرسل لهم رأسه، ولم يظفروا به حتى ساقته المقادير إلى أجله برحلة كان يقوم بها إلى نواحي بغداد فنزل عند رجل غدر به فتوفي في سنة 1679 ليعود العثمانيين الى سابق عهدهم بتهميش ونهب الأردن حتى ثورة أخرى. [2]

المراجع: 

[1] بيات ، الدولة ، ص99

[2] : rafeq, the province p55,56

مخطوطة تحت النشر لتاريخ عشائر السردية، تأليف و إعداد المؤرخ كليب الفواز ، ص (112-160 )، 2016.

الثورات الصغرى – ثورة الأردنيين عام 1670

مقدمة

بات من الواضح للمؤرخين بأن نضال الأردنيين نحو الاستقلال بحكم مركزي  قد بدأ منذ فترة طويلة خاصة بعد أن أثبت أنه الأفضل في ترجمة تطلعات وطموحات الشعب بمختلف الحقب الإسلامية، وقد امتدت سلسلة  الثورات الصغرى  في تاريخ الاردنيين النضالي لأمد طويل، واندلعت الثورات بتسارع  وظلت مستمرة ومتقطعة جيلاً بعد جيل، وتارة لاستعادة الاستقلال الذي ظل حلماً قريباً تحول دونه قوى خارجية. وبعد كل ثورة كان تخضع قوى الحكم الخارجي للإرادة الأردنية أو يتم كبح جماح الثورات الأردنية عبر إبادات جماعية و بسط للسيطرة و النفوذ بقوة الجيوش الجرارة التي تم توجيهها على العشائر الأردنية لمرات لا يمكن حصرها .

لكن رغم كل هذه الظروف و التحولات التاريخية القاسية ظلت النزعة الاستقلالية موجودة وبعثت العشائر الأردنية ما مفاده أن الأردن لن تحكم من خارجها واستمرت العشائر الأردنية بمقاومة السلطة الخارجية من الثورات الصغرى و الوسطى حتى كللّت طموحها الجمعي بالاستقلال عبر الثورة العربية الكبرى . 

قدمنا في البحث الماضي سردا تاريخيا موجزا و اضاءة معرفية على واحدة من الثورات الأردنية الصغرى (معركة الجابية )، في هذ البحث نستكمل مسيرة توثيقنا و استعراضنا للثورات الصغرى بالحديث عن معركة المزيريب الثانية عام 1760.

تمهيد

حتى نستطيع فهم هذه الثورة و أسبابها فإنه من المهم استعادة السياق التاريخي لها من خلال ايجاز ثورة الأردنيين السابقة لها عام 1705، حيث اجتمع الأردنيون مرة أخرى على زعامة الفواز لانتزاع حكم محلي يلبي طموحاتهم ويكون منهم، قريباً من احتياجاتهم، بعيداً عن اذلال الضرائب الجائرة تحت تهديد السلاح بلا أي مردود وبدون أي تمثيل سياسي. كان كليب بن حمد الفواز زعيماً حكيماً، ارتأى عدم الدخول بمعارك غير مدروسة وكان يرى بوضوح سياسة الاحتلال العثماني بإثارة الفتن بين زعامات العشائر المتحالفة وغير المتحالفة معه فأحبطها ووسّع من تحالفاته التي غطت الأردن التاريخي كاملاً من بادية الأنباط جنوباً وحتى حوران ومن نهر الشريعة (الأردن) إلى الجوف. وبعد أن اشتد بأسه وفاق جيشه العشرين ألف مقاتل من فرسان العشائر الأردنية سيَر جيشه المكون من 20 ألف فارس باتجاه منطقة الجابية شمال المزيريب في شمال حوران وذلك لترسية حدود الإمارة المأمول انشائها للأردنيين، وكان بين الجيش 4 آلاف جندي من حملة الدروع على ظهر خيولهم. قابله بمعركة الجابية الوالي العثماني في دمشق مع جيش جله من المرتزقة من جنوب شرق اوروبا عداده عشرة آلاف جندي من حملة الدروع، فتم الحاق الهزيمة بهم وقتل والي دمشق العثماني على يد أحد فرسان العشائر الأردنية. 

وفي ظل توحد الأردنيين خلف استقلالية أرضهم، فشلت كل محاولات العثمانيين بإثارة الفتن بين العشائر وعقداء الخيل في جيش الفواز. فلجأ العثمانيون لحيلتهم المعهودة التالية وهي وضع جائزة لمن يحضر رأس كليب الفواز، وظلت الجائزة تزيد حتى وصلت الى ألف ألف آقجة ولكن حتى مع قيمة الجائزة المرتفعة جدا لم يخنه أحد من أبناء وطنه. لكن الاحتلال العثماني انحدر أكثر من ذلك فأرسل إلى ابن كليب الفواز مرسالاً مفاده أنه يريد مفاوضته على شروطه في حكمه المستجد، فذهب ابنه الى دمشق بالسر فقاموا باستغلال الدين ليبرووا ضرورة التفاهم مع أبيه كليب وذلك بأن تنسيقاً بشأن الحجاج يجب أن يحصل لمصلحة الحجاج. وهكذا وبعد غسل دماغ الإبن بالمتاجرة بالعواطف الدينية ذهب فأقنع أبيه بأن الوالي في دمشق رجل يغار على الدين والحجاج وأنه شخصياً حلف له بأمان الشيخ كليب خلال دخوله دمشق، لم يقتنع الشيخ كليب بذلك ولكنه أمام الحاح ولده قَبِل بأن يلتقي والي دمشق قرب الجابية سنة 1709، أي بعد أربعة أعوام من إمارته الناشئة. وكما كان كليب يعتقد فما أن دخل خيمة الوالي حتى وجد مئات الجنود يختبئون خلفها فقطعوا رأسه ورأس ابنه وأرسلوهم الى استنبول للتقرب للسلطان والحصول على المكافأة على رأسه. ومن هنا خرجت المقولة المؤرخة لمقدار الجائزة والقائلة “جايب راس كليب”.

الحقد العثماني لم يرتوِ من دماء نسل كليب الفواز

 كان اجماع الأردنيين على زعامة بني لام (أجداد المفارجة، أجداد السردية، أجداد الفواز) كحكام محليين من داخل الأردن مصدر قلق للعثمانيين الذين رأوا بالأردن أرضاً مكلفة لحكمها بالتواجد الفعلي ولكنها غنية بما يكفي أن يسيروا لها جباة الضرائب المحميين من العسكر لفترات قليلة التكلفة. وكما كل زعامة عشائرية أخرى حاولت انتزاع حياة كريمة من احتلال استعماري، جلب هذا لهم الاغتيال والقتل والتطهير العرقي.

فلم يكتفِ المحتل العثماني باغتيال كليب الفواز غدراً وخسةً في خيمة الوالي العثماني عام 1709، وبقي يحاول الانتقام من كل ما هو مرتبط به، فبعد انتقال الزعامة لإبنه الظاهر بن كليب الفواز ترك العثمانيين الأمر يبرد قليلاً ثم حاولوا شراء ولاءات العشائر المتحالفة مع الفواز وعندما فشلوا سيروا جيشاً كبيراً باتجاه المزيريب ليلاً لتتم عملية تطهير عرقي لعشائر السردية عامة والفواز خاصة (في ذلك الوقت كانوا يدعون بالكليب نسبة إلى كليب الأول والد ظاهر الذي قتل في هذه المعركة) والقضاء على زعامة الفواز عام 1718، ولم ينجُ من تلك المجزرة أحد من ذرية كليب الفواز، إلا حفيدين طفل سمي كليب (كليب بن ظاهر بن كليب) [1] وطفلة سميت برقا، وتم تهريبهما لنواحي المدينة المنورة بعيداً عن من يمكن أن يعرفه ويدل مرتزقة الاحتلال العثماني من صائدي الغنائم عليه.

الهروب بكليب الثاني (كليب الصغير إلى المدينة المنورة)

كما أسلفنا وبعد انتهاء المعركة لم ينجُ من نسل كليب الفواز سوى طفل صغير هو “كليب الثاني” وطفلة تفوقه سناً اسمها برقا، قام أقاربهم والمحيطون بهم بالهروب بهم نحو المدينة المنورة والاستجارة بأحد القبائل الشهيرة هناك والتي ما تزال قائمة في الحجاز حتى يومنا هذا، وكانت “برقا” تبلغ من العمر نحو 14-15 ربيعاً، وكان الهدف أن ينتظر الجميع إلى أن يكبر كليب الصغير وبرقا ويقوموا بتزويجهما للحفاظ على نسل العائلة.

 قامت القبيلة الحجازية المذكورة بإجارة كليب الصغير والمرافقين له الذين دخلوا عليهم، لكن الخذلان أتى لاحقاً، فقد استطاعت إحدى النساء المحيطات بشيخ تلك القبيلة الحجازية، أن تخلق فتنة وتفتح للشر بابًا، عندما وسوست له بالزواج من الفتاة الطفلة “برقا”، ضاربين بذلك كل مخططات العائلة التي تحاول الحفاظ على نسل زعيمها، فتقول المرأة للشيخ بأنها قد شاهدت مهرة لا تصلح لسواه، فيجيبها متسائلاً إن كانت هذه المهرة تأكل بيدها أم تأكل بفمها (للاستدلال ان كانت فتاة أو فرساً)، فتجيبه بأنها فتاة تأكل بيدها وأنها شديدة الجمال، فينادي الشيخ كبير قوم الشهيد كليب الفواز في ذاك الوقت ويعرف تاريخيا بـ “ابن شيبانة”، فيجيبه ابن شيبانة بحكمة ويخبره بأنهم قوم مكسوري الخاطر وأنهم ينتظرون عيد الأضحى للتضحية عن شهدائهم ومن فقدوهم في الإبادة العرقية التي تعرضوا لها، وعليه يطلب المهلة إلى ما بعد العيد  و “بعدها يصير خير”، وذهب ابن شيبانه لقوم كليب وأخبرهم أن من لا يملك منهم رحولاً (ناقة) فليشتري واحدة له، ومن لا يملك ماءاً فليصنع صملاً، لأنهم سيعودون لموطنهم في الأردن ففعلوا وأعدوا العدة، فلما جاء  العيد ذبحوا  وضحوا لأهل كليب وأهل برقا، فقال ابن شيبانة للسردية، ارحلوا فرحلوا لمسافة 3 أيام، وذهب ابن شيبانة على شيخ القبيلة، وبقي يسهر معه طوال الليلة التي تسبق موعد الزفاف بيوم، وبقيا في سهرهم هذا حتى الصباح، وكلما اقترب الشيخ من أن يغفى شاغله ابن شيبانة بالأحاديث، وعندما جاء الصباح ولم يستطع شيخ القبيلة الاحتمال على السهر أكثر وغلبه النوم، ركب ابن شيبانه فرسه “الطرما” وكان قد طلب من قومه أن يضعوا لها الماء والعلف على الطريق في نقاط محددة ومتفق عليها، واستطاع بذلك اللحاق بهم، وعندما استيقظ الشيخ العريس لم يجد سردية ولا عروسا ولا ابن شيبانة، فجمع قومه وجهز جيشه وحاول اللحاق بهم، ولكن دون جدوى، ونجح الجمع بالعودة للأردن وبعد سنوات تزوج كليب من برقا، وتجاوزا المحنة والظروف الصعبة التي مروا بها.

%d8%ac%d8%a7%d9%86%d8%a8-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d8%af%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ba%d8%b1%d9%89

 معركة المزيريب الثانية عام 1760

تعرضت جميع قيادات الأردنيين الثائرة ضد الاحتلال العثماني للقمع والإبادة كما اتضح لنا من سياقات الثورات الصغرى ومن ضمنهم نسل كليب الفواز من السردية الذين تعرضوا لعملية تطهير عرقي وإبادة جماعية عام 1718، عندما قام العثمانيون بمهاجمتهم ليلاً والقضاء على عائلة الفواز في معركة المزيريب الأولى ، ولم يبقَ من هذه العائلة إلاّ حفيد كليب، حيث تفرقت أعداد السردية بشكل أو بآخر، لكنهم بقوا أقوياء في حدود العشيرة ومرهوبي الجانب، بعد أن كانوا زعماء لتحالفات العشائر وتسيطر تحالفاتهم على طريق الحج بأكمله، وأخذت حينها العديد من القبائل تتنافس على زعامة المنطقة، وعلى مصادر القوة ومكسب المعيشة الوحيد المتوفر ألا وهو طريق الحج، في ظل عدم وجود دولة ونظام بالمعنى الحقيقي للكلمة.

لم ينسَ الأردنيون الثأر وذكرى الإبادة الجماعية التي تعرض لها أسلافهم و زعامة حلفهم الوطني، فأعادوا ترتيب الصفوف و تدريب المقاتلين و تنشئة الفتيان على الفنون القتالية و مبادئ الفروسية، واضعين نصب أعينهم اليوم الذي سيضعهم في مواجهة مع القوة العسكرية للاحتلال العثماني، وانشغل عقداء الخيل بتجهيز الفرسان وتسليحهم بعيدا عن أعين السلطة العثمانية، فأعدت الخطط واشتعل الإصرار في نفوس الفرسان على أن يكون الموقع المخضّب بدماء أجدادهم وآبائهم هو ذات موقع الثأر، والواضح حسب الوثائق أن التخطيط استمر لسنوات بهدوء و روية وكتمان، اذ لم تتوقع السلطة العثمانية أن حلف العشائر الأردنية والسردية خاصة قادرون على القيام مجددًا والتقاط أنفاسهم، فوضعت ملف هذا الحلف الأردني الذي كلفهم سنوات من المواجهة و الاسترضاء و سياسات الخدع و التحايل و من ثم نصب الكمائن و الغدر العشيرةح وضعته بصفحاته بعيدا في غياهب النسيان.
وبعيداً أيضا عن مراكز سلطة الاحتلال العثماني كانت الصحراء الشمالية الأردنية تشهد إعادة ترتيب للأوراق وعقد للأحلاف العشائرية الأردنية وفنجان الثأر من المحتل يدور على عقداء الخيل يشربونه واحداً تلو الآخر في بيوت شيوخ العشائر الأردنية التي أعادت الانضمام للحلف ذاته، وعلى حين غرّة وصلت أنباء حشود فرسان العشائر الأردنية بقيادة السردية للباب العالي ما شكّل حدثا صادما للإدارة العثمانية التي وجهت جحافلها العسكرية للمواجهة، واستباقا للموقف كان السردية قد قادوا مقاتلي الحلف واختاروا ذات موقع المجزرة ليكون موقع المواجهة، وحين اللقاء كانوا قد استطاعوا أن يقتصوا من العثمانيين في معركة المزيريب الثانية التي حدثت عام 1760، ولقنوا العثمانيين درسا قاسيا في فنون المواجهة المباشرة بلا غدر أو خيانة، وكانت الصدمة قاسية مع خسائر فادحة أرّقت مضاجع الوالي العثماني في دمشق، اذ استيقظ على نبأ مقتل أكثر 1500 جندي عثماني خلال معركة دامت لفترة قصيرة جدا كانت الروح الوطنية الاردنية صاحبة الغلبة فيها والانتصار.[2]

وعلى الرغم من أن هذه الثورة لم تستطع انتزاع حكم مركزي للأردنيين مجدداً، إلا أنها بقيت نقطة انتصار مضيئة في تاريخ مسيرة الاستقلال لدى الأردنيين، وتركت أثرها في نفوس العشائر الأردنية – حيث اشتعلت بعد سنوات قليلة ثورات البلقاء والكرك – والتي أكدت من خلالها على الطموح الجمعي المشترك لدى الأردنيين بالوصول للاستقلال النهائي والتام الذي تكلّل لاحقا بسيل جارف من الثورات الصغرى عبر الأرض الأردنية، كانت ذروة درب التحرير فيها انطلاق الثورة العربية الكبرى وتطهير الأرض الأردنية من براثن الاحتلال العثماني.

المراجع:

[1] ابن كنان ، يوميات ، ص 302 ، أبو الشعر ، تاريخ ، ص 94

[2] فريدريك بيك، تاريخ شرقي الأردن، ص 353

مخطوطة تحت النشر لتاريخ عشائر السردية، تأليف و إعداد المؤرخ كليب الفواز ، ص (112-160 )، 2016.

الثورات الصغرى – ثورة 1760

%d9%83%d9%84%d9%8a%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%af%d8%a9
االزعيم الوطني الاردني كليب الشريدة

مقدمة :

ينحدر نسب البطل الأردني كليب بن يوسف بن شريدة بن رباع من عشيرة حماد ، التي كانت تسكن في وادي بن حماد في الكرك جنوب الأردن ثم انتقلت شمالاً شأنها شأن العديد من العشائر الأردنية التي انتقلت بحثاً عن الأمن وهرباً من البطش والظلم في ظل انعدام الدولة إبان فترة الاحتلال العثماني الذي كان يحكم المنطقة بالوكالة، واستقرت بهم الأمور في بلدة “تبنه” التي كانت تقطنها عدة عشائر أخرى، وهي بلدة في لواء “الكوره” في محافظة اربد شمال الأردن وقد أثبتت دراسات قام بها باحثون من جامعة تورنتو الكندية أن أقدم علامات الاستيطان البشري في البلدة تعود للعصر الحجري، وتتميز منطقة لواء الكورة بطبيعة جغرافية مميزة ، حيث زنرتها الجبال و سيجتها الأودية والغابات المتشابكة ، مما جعل من محاولة السيطرة عليه من القوى الخارجية، ضرباً من ضروب المستحيل.

وقد قام كليب الشريدة خلال فترة الاحتلال العثماني بإنشاء حكم محلي ذاتي مكتمل الأركان في منطقة لواء الكورة الذي يشمل حالياً 22 قرية ، إضافة لقرى أخرى كانت تتبع له في ذاك الوقت أهمها دير يوسف وبيت يافا و زوبيا وعنبة، وقد نجح كليب الشريدة في الحفاظ على وحدة وتماسك مناطق وعشائر اللواء وكان له الدور الكبير في حماية السكان ومصالحهم والاهتمام بتوفير الخدمات لهم في ظل فشل العثمانيين في تلبية احتياجات السكان والقيام بمهماته وواجباته تجاههم والتي كان يفترض أن يقوم بها لو تعاملنا مع تواجده في الأردن كدولة.

لم ينصف التاريخ والمؤرخون الزعيم الوطني الأردني كليب الشريدة كما يستحق، ونقدم في هذا البحث تحليلاً لكافة جوانب شخصية كليب الشريدة والأحداث التي ارتبطت باسمه ، ولعل ثورة الكوره أكثرها إثارة للجدل ، نتيجة الغموض الذي لفها وعدم الدقة في طرح تفاصيلها خلال العقود الماضية.

الولادة والنشأة :

ولد كليب بن يوسف بن شريدة بن رباع في عام 1865 ونشأ وتعلم في مدرسة الزعامة التي لا تمنح بل تؤخذ، والتي ورث واكتسب صفاتها من والده الشيخ يوسف الذي كان مثالاً للدبلوماسية والحنكة، والتي مزجها كليب بما ورثه عن جده “شريدة بن رباع” من قوة وشجاعة وميل إلى الحزم والحسم ورفض الظلم ومحاربته، فقد قام جده برفض الضرائب العثمانية التي أرهقت السكان في ذاك الوقت، وردّ على رفع الضرائب بالدخول برفقة فرسان من لواء الكورة لدار سرايا في إربد والقضاء على الوالي العثماني بداخلها، كما انتصر وقواته على القوات العثمانية ودحروها في عدة مناسبات ، مرة عندما حاولت الدخول لمناطق نفوذه عن طريق “عنبة” ، وأخرى عندما أرسل الوالي العثماني أحمد الجزار قواته بقيادة “الوني” فهزمهم شريدة وفرسان الكورة وقتل ” الوني ” قرب منطقة كفريوبا وهربت قواته، فأثارت هذه الأحداث حقد العثمانيين ضده لما استشعروا خطره على تواجدهم وسلطتهم، فاستدرجه الوالي بالحيلة وبالغدر طالباً منه السلام عليه عندما سمع بمروره من منطقة المزيريب في درعا لحضور حفل زفاف، فقاموا بحبسه وصدر حكم إعدامه بالسيف، وتم تنفيذ الحكم بحقه عام 1831 بعد أن فشلت كل محاولات التفاوض مع العثمانيين من أجل الإفراج عنه وتحريره، ويذكر المؤرخون أن الناس قالوا له حين صدر الحكم ولم تنجح المفاوضات للإفراج عنه : “يا شريدة ما انقبل فيك رجا”  قال: “وأني ما كنتش أقبل رجا*” .                               ( * أني : أنا بلهجة أهل حوران الأردنية).

وقد جمع كليب أمجاد البطولة والرجولة من كل أبوابها ، فإلى جانب ما ورثه عن والده وأجداده ، فقد تربى كليب منذ طفولته في مدارس الزعامة التي لم يرثها من رجال عائلته فحسب ، بل كان لأخوال أبيه وأخواله الأثر في ذلك فجدته لأبيه هي موزة عبيدات التي كانت تحمل صفات الأميرة و الشيخة وتتميز بالكثير من الذكاء والحكمة كما وصفها المؤرخون والرواة، وكذلك أمه الشيخة فهيدة الزعبي التي كان عمها حسام الصالح الزعبي شيخ مشايخ حوران في عهده.

سبب التسمية :

تختلف الروايات حول سبب تسمية الشيخ كليب، لكن يبقى السبب الأبرز كما يعتقد أن تسمية كليب جاءت تيمناً بشخصية أردنية تاريخية هي الفارس البطل كليب بن سلامة بن رشيد الفواز، الذي انتصر على الوالي العثماني في معركة الجابية عام 1705 ، ثم قتله العثمانيون غدراً في خيمة الوالي عام 1709، وقد درجت العادة أن يسمي الأردنيون أبناءهم بأسماء كبار الشيوخ و الأبطال و الزعماء الأردنيين أملا وتفاؤلا باستمرار و انتقال الروح الوطنية الأردنية عبرهم .

شخصية كليب الشريدة :

تربى الشيخ كليب في سنين حياته الأولى في كنف والده الشيخ يوسف وكان يرافقه ويتعلم منه فدرج على مدارج العز والكرامة، وتربى على الخصال الأردنية الأصيلة كالشهامة والفروسية والكرم ورفض الظلم وحماية الجار والدخيل وإكرام الضيف، كما ساهمت وفاة والده يوسف عام 1877 في تحمله المسؤولية وتفتح مدارك الشباب والوعي لديه بالرغم من صغر سنه ، كما استفاد من التنوع الذي كان يلمسه ما بين حياته في تبنه وزيارات والدته لأخواله في خربة غزالة في حوران الأردنية والذين كانت لهم الزعامة في منطقتهم في ذلك الوقت، ولا بد للطبيعة أن  تترك أثرها في جبلة الناس وأخلاقهم وتكوينهم النفسي والجسدي ، فقد أثرت به وعورة التضاريس وصعوبتها وقسوتها، وعوّدته على تحمل المكاره والصعاب وقوة الشكيمة، ومضاء العزيمة وحب الحرية والاستقلال الفطري، والجهر بالقول والرأي، مهما ترتب على ذلك من مسؤوليات وأعباء، وإلى جانب كل هذا كان قوي البنية الجسدية وفارسا ماهرا ، يجيد ركوب الخيل في الأرض السهلة والوعرة وفي كل الظروف.

ومن الصفات الإنسانية المشهورة في شخصية الشيخ كليب والمعروفة عنه أنه كان لا يأكل مع الضيوف ولا المعازيب في مضافته، بل يبقى حتى يأتي وقت الأطفال والصغار ويجلس معهم ليطعمهم ويقطع لهم اللحم ، وكان يأكل مع ذوي الإعاقة ويطعمهم بيديه  وبعضهم معروف بالاسم حتى اليوم.

الحكم المحلي في العهد العثماني:

برزت ملامح الشخصية القيادية على الشيخ كليب منذ شبابه فقد كانت مضافته عامره بالضيوف والمستجيرين به ، ونتيجة لفشل الحكم العثماني والظلم الذي كان يمارس على المناطق الخاضعة للاحتلال، لجأت الزعامات المحلية في المنطقة لتقوية أركان الحكم وإنشاء مناطق حكم ذاتية، فبدأ كليب يشكل التحالفات مع القوى المحيطة، لتقوية الحكم وتوفير الأمن المفقود في ذاك الوقت في المناطق المجاورة، ونجح في حماية مصالح الكورة و أهاليها، الذين شكلوا العمود الفقري لاستمرار مشيخته وزعامته ومدها خارج حدود منطقته، وكان فخوراً بحب الناس له وولائهم وتقديرهم لما يقوم به لأجلهم، وقد اهتم كليب بأركان الحكم الذاتي من كافة الجوانب كما يلي:

%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%84%d9%8a-2
مضافة العلالي
%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%84%d9%8a
مضافة العلالي
  • الأمن والتحالفات :

كان من الضروري بالدرجة الأولى الاهتمام بالجانب الأمني في ظل غياب الدولة والافتقار لمبدأ سيادة القانون في العهد العثماني،  واعتماد العثمانيين على أسلوب إثارة الفتن لكسب ود بعض العشائر ومعاداة عشائر أخرى لتسهيل مهمتهم في الحكم بالوكالة، فاعتمد كليب على أسلوب بناء التحالفات ما بين عشائر الكورة من جهة، وعشائر وزعامات المناطق المجاورة من جهة أخرى، فأسس قوات من فرسان وشباب ومحاربي عشائر الكورة تجاوز تعدادها ألف بواردي (محارب مسلح) ، فشكل تحالف الإنسان مع الإنسان من جهة و ومن جهة أخرى تحالف الإنسان مع الطبيعة المحيطة به في المنطقة ذات التضاريس الوعرة التي تحيطها الأودية والجبال من كل جوانبها، عوامل تجعل منها لا تقهر وأفشلت كل محاولات اقتحامها من القوى الخارجية.

  • المضافة: 
  • قام كليب بإعادة  استخدام مضافة والده وأجداده (العلالي) التي حولها إلى مؤسسة حكم ذاتي
    %d8%ad%d8%ac%d8%b1-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%a1
    صورة قديمة لحجر الأساس في المضافة (العلالي) ويوضح تاريخ البناء

    ذات هيبة، فجعل لها خدماً وحرساً وعمالاً يقومون على خدمة الضيوف والمحتاجين ورواد المضافة، وقد تم تأمين ميزانية كافية من خلال مساهمة الفلاحين بالمال، مع تقديم الخدمات الأساسية لهم تشمل تأمين حمايتهم وصون ممتلكاتهم وتقديم العون عند الحاجة وحل مشاكلهم وتحصيل حقوقهم بشكل عادل، وكان ذلك شكلاً من الحكم الذاتي الحقيقي، نشأ في غياب سلطة الدولة العثمانية التي كانت تحكم بالوكالة، والتي كانت تفشل في السيطرة على كثير من المناطق الداخلية، ولم تكن قادرة على مواجهة الزعامات المحلية المتنامية آنذاك ولمواجهة ذلك الوضع  قررت الآستانة إنشاء مديرية ناحية الكورة، لتخلق نوعاً من الحكم اللامركزي الذي لم يرفضه الشيخ كليب، لكنه بحكمة وقوة تمكن من الاحتفاظ بأهم صلاحياته، ولم تجد المديرية الجديدة مناصاً من التعاون معه، والقبول بتدخلاته وإملاءاته المتواصلة، في سبيل تجنب الصدام معه ومع الأهالي الذين يدينون له بالولاء والمحبة، خصوصاً مع توحد عوامل التحالفات بين عشائر المنطقة وثقتهم بكليب الذي انتهج نهجاً ديمقراطياً مبكراً في الحكم، فكان نهج كليب في اتخاذ القرارات هو نهج الشورى و الحوار، حيث كانت المضافة مقراً للاجتماعات الدورية بين ممثلين عن بلدات وعشائر اللواء، فلم يكن الشيخ كليب بالحاكم المستبد المتزمت برأيه ، بل كانت القرارات تتخذ بالمشورة وهو ما جعل الحكم ثابتاً ومتماسكاً في وجه كل المحاولات الخارجية لزعزعته، وبذلك أصبحت المضافة توازي قوة وفعل السرايا بل تتفوق عليها بكل ما تقوم وتتميز به مؤسسة الحكم المدني والشرعي.

 

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%ac%d8%af
المسجد الذي تم بناءه في عهد كليب الشريدة كمركز ديني و اجتماعي وتعليمي
  • التعليم: 
  • عرف الشيخ كليب الشريدة باهتمامه بالتعليم و نظرا لأن النظام التعليمي المحلي المتبع كان يقوم على الكتاتيب و حلقات العلم التي كان يقودها الخطيب داخل المسجد، فقد أخذ الشيخ كليب من منطلق مسؤولياته زمام المبادرة وقام ببناء المسجد وجعله ملحقاً للمضافة بعد أن هدمت الزلازل المسجد الوحيد في البلدة في ذاك الوقت، وجعل من المسجد منارة للعلم والمعرفة ونشر مفاهيم التسامح والتعايش وليس بيتاً للعبادة فقط، فقد استقطب المعلمين والخطباء من المناطق المجاورة والذين كانوا قلة في ذاك الوقت، واستقدمتهم المضافة في إطار منظومة العون العشائري السائدة في ذلك الوقت والتي ابتكرها الأردنيين في كنف الاحتلال العثماني لمقاومة محاولات التجهيل ، وكانت تقوم على أن يتم إنشاء الكتاتيب بتمويل ذاتي من الأهالي في ظل رفض العثمانيين لبناء المدارس في المنطقة، فقام هؤلاء المدرسون بتعليم الطلبة العلوم الدينية والدنيوية، وقد أرسل ابنه عبدالله لاكمال تعليمه الثانوي في دمشق بمدرسة عنبر ، كما كانت المضافة تجمع أهل العلم والأدب والشعراء أمثال الشيخ سعيد الهامي والشاعر أبو عصبة من بلدة بيت ايدس والشاعر الدوقراني إبراهيم عبد الرزاق الشلول والشاعر مصطفى السكران وغيرهم.
%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%84%d9%8a-3
أطفال أثناء لعبهم على أطلال المضافة (العلالي) التي كانت تحرص على تعليم آبائهم وأجدادهم
  • الاقتصاد: 
  • اهتم كليب بالجانب الاقتصادي الذي يعتبر من أهم جوانب الحكم والحفاظ على ديمومته واستقلاليته فبقوته يقوى الحكم، فأنشئ وفي نفس إطار منظومة العون العشائري نوعاً من العلاقة بين الفلاحين والمضافة ، فكانت المضافة تدعم المزارعين والفلاحين في سنوات القحط والجفاف والمواسم السيئة، وهو ما زاد من ثقة المواطنين في المضافة بمقارنتها مع السرايا العثمانية التي لم تكن تقدم سوى السجن و التعذيب و استدعاءات التجنيد الاجباري، بل أنهم حتى لم يسلموا من الضرائب المتصاعدة التي كانت ترهقهم في كل المواسم.

القضاء والعدل: 

كانت إغاثة الملهوف وحقن الدم وصون الأعراض من أهم صفات كليب الشريدة وركائزه في الجانب القضائي حتى أصبحت عبارة “أخذ الحق على صفاة ابن رباع” مضرب للأمثال، ويقصد بصفاة ابن رباع مكان إصدار الأحكام والتقاضي بجوار العلالي، التي أصبحت محجاً للمظلومين ومناط الرجاء لذوي الحاجات والخائفين، فيفدون إليها من جميع المناطق الأردنية، وكذلك من فلسطين وسوريا ، كما كان كليب قاضياً عشائرياً ومصلحاً لذات البين ، ولا يكون لقضائه معقب ، وكان يأتيه المتقاضون من الكوره وخارجها ، فينعقد لهم مجلس القضاء بحضور عدد من الوجهاء ، وبعد الاستماع لحجج المتخاصمين بكل أناة وطول بال وصبر، ينتقل مع المجلس القضائي المكون من الوجهاء لمكان آخر ليتم التشاور والاتفاق على الحكم والقضوة، ثم يعودون للمضافة لإبلاغ المتخاصمين بالحكم، كما كانت له جولة شهرية على باقي قرى لواء الكوره، فيجلس مع الناس ويقضي على المشاكل في مهدها قبل أن يستفحل الخرق ويصعب على الراثي، أما المشاكل الحادة والخطيرة فكانت تأتيه إلى مقر الحكم في العلالي على وجه السرعة للاستعجال في حلها والقضاء على مسبباتها.

الشيخ كليب والثورة العربية الكبرى:

طوال فترة الاحتلال العثماني للمنطقة والذي استمر لأربعة قرون من الظلم على سكان المنطقة نكّلت القوات العثمانية بالكبير قبل الصغير ولم يسلم من أذى وبطش الجيوش العثمانية أحد، مما أثار حنق الأردنيين ضدهم فما من منطقة في شمال أو جنوب أو وسط الأردن إلا وخرجت في ثورات صغرى ضدهم انتهت جميعها بقمع المدن والقرى الثائرة وإبادة أهلها والانتقام منهم وتهجيرهم وملاحقتهم، وهو ذاته ما كان يحاول العثمانيين فعله في الكوره بعد افتتاحهم لمديرية الناحية التي عمل الشيخ كليب على الحد من نفوذها ، فحاول العثمانيون استمالته واسترضائه من خلال جعله عضواً في مجلس إدارة القضاء، المكون من ثلاثة أعضاء ، فكان كليب وأخيه عبد القادر الشريدة في بعض الفترات أعضاء في آن واحد، ومع انطلاقة الثورة العربية الكبرى وتواجد قواتها في منطقة أبو اللسن جنوب الأردن وتواصل رسلها والمبشرين بها مع الزعامات العشائرية المحلية، تصاعدت حدة التوتر بين الأردنيين والعثمانيين، فقام الحاكم العثماني مدير ناحية الكوره “تقي الدين أفندي” أسوة بغيره من الحكام والمندوبين الممثلين للوالي العثماني، بحلق شوارب ولحى بعض الرجال في الكوره من خلاف، وهو عرف درج على استخدامه العثمانيين إمعاناً في محاولة إذلال السكان وكسر أنفتهم، كما قام تقي الدين وما معه من عصابة القوات العثمانية بقتل السيد محمود جاد الله من بلدة بيت إيدس عند محاولته الهرب، فبلغ النبأ للشيخ كليب عن طريق ابنه عبد الله وابن أخيه رشيد الجروان، وكان كليب في ذاك الوقت عضواً في مجلس إدارة القضاء، فثارت ثائرته وقال جملته المعروفة : “من يحلق لحى أهل الكورة فكأنه حلق لحيتي” وصمم على الانتقام من مدير الناحية العثمانية “تقي الدين” واشتكاه إلى قائم مقام إربد في ذاك الوقت “محمود راغب” فقال : “يمكن لحاهم طالعة على نجاسة وبعد حلقها تطلع على طهارة” فزاد هذا القائم مقام الطين بلة، وقام كليب بالتصعيد وبالمقابل كان الرد العثماني بالتآمر ضده والسعي للتخلص منه، فهم الذين لم يرغبوا يوماً بمن يحاول وضع حد لظلمهم ، فأسندوا لكليب وابنه جملة من التهم ، أهمها التآمر ضد الدولة العلية والتواصل مع جيش الأمير فيصل، وبذلك حكم على الثلاثة “كليب وابنه عبد الله وابن أخيه رشيد” بأنهم “يطق أشقياء” أي بمعنى خارجين عن القانون، وكانت هذه الاتهامات التي هي وسام فخر في جوهرها؛ كفيلة بايصال المذكورين لحبل المشنقة وهذا ما حصل، حيث تم ترحيلهم من اربد لدرعا ومن ثم للشام وسجنوا في سجن القلعة وتم تحويل أوراقهم إلى ديوان الحرب (المجلس العرفي) برئاسة جمال باشا الذي حكم عليهم بالإعدام في أيلول عام 1917، وقد كاد الإعدام أن يتم وأن تمتد يد الغدر والظلم العثماني للبطش بأبطالنا ورجالنا، لولا العناية الإلهية وتدخل أخوال كليب من عشيرة الزعبي ، الذين نجحوا في رشوة العثمانيين بـ 100 دينار ذهب مجيدي، مقابل إطلاق سراح الشيخ كليب ومن معه، وعند عودتهم لإربد استغرب مدير الناحية والقائم مقام، وتساءل القائم مقام العثماني ومدير الناحية كيف خرجوا مستغربين ومتعجبين، ولم يطل الزمان بهؤلاء الظلمة فما لبث حطب الثورة أن لملم نفسه وكانت السلوكيات التي انتهجها العثمانيون تزيد من اشتعال النار وانتشارها حتى أحرقت العثمانيين وكسرت شوكتهم.

فتزامناً مع انطلاقة الثورة العربية الكبرى  ، قامت القوات التي تضم أبناء الكوره ويبلغ عددها ألف “بواردي” مدربين ومسلحين كما أسلفنا بالاشتراك مع المتطوعين من الأهالي بتنفيذ العديد من العمليات ضد القوات العثمانية، فقطعوا إمداداتهم واستولوا على أسلحتهم واستثمروا العامل الجغرافي وسخروا الطبيعة وطوعوا التضاريس في خدمة الثورة العربية الكبرى، فعامود ابن رباع قرب بيت يافا ما زال شاهداً على ما ألحقه رجال الكوره المشاركين في الثورة العربية الكبرى بالقوات العثمانية هناك من هزائم، حيث نجحوا بتطهير المنطقة من فلول القوات العثمانية التي أنهكتها معارك التحرير في جنوب ووسط الأردن والتي كانت تتوج بانتصارات عظيمة لقوات العشائر الأردنية المشاركة في الثورة العربية الكبرى، وقد مهّد الدور الذي قامت به العشائر الأردنية في الشمال في استكمال مسيرة تحرير الأشقاء في سوريا بعد الانتهاء من تحرير الأرض الاردنية فتم تحرير درعا ووصول قوات الثورة العربية الكبرى لدمشق وتطهير سوريا، وإعلان الأمير فيصل ملكاً عليها.

موقف الشيخ كليب من الاحتلال الفرنسي والبريطاني  والهجرة اليهودية :

واستكمالاً لما اتهمه به العثمانيون، واصل كليب الشريدة وقوات الكوره دعمهم للثورة العربية الكبرى وأهدافها ، ورفضهم لكل أشكال الاحتلال ، فبعد انكشاف المؤامرة التي كانت تحيكها بريطانيا وفرنسا في الخفاء، تم تجهيز جيش من فرسان ومحاربي الكوره وإرسالهم بقيادة عبد الله كليب الشريدة لدعم ومؤازرة الأمير فيصل في معاركه ضد الفرنسيين، ورفض كليب الشريدة كل الإغراءات والعروض والمحاولات الفرنسية في استمالته لجانبهم في ظل التنافس الاستعماري بين بريطانيا وفرنسا للسيطرة على أكبر مساحة من المناطق ومن ضمنها المناطق الأردنية، كما قام كليب الشريدة بإرسال فرسان ومحاربي الكوره للمشاركة في مقاومة الجيش البريطاني في فلسطين رفضاً لأطماع الفرنسيين والبريطانيين في تقاسم الاحتلال والنفوذ على دول المنطقة ووعدهم بوطن قومي لليهود في فلسطين، فشاركت قوات العشائر بقيادة عبد الله كليب الشريدة في معركة تل الثعالب التي قضى فيها أول شهيد أردني على ثرى فلسطين في العصر الحديث وهو الشهيد كايد مفلح عبيدات، وكتب كليب عند وفاة العبيدات رسالة أشاد بها بهذا البطل الأردني وشجاعته وتضحيته ، وهذا  كله سنرى أثره على حياة كليب لاحقاً فقد ازداد حقد الانجليز ضده وحاولوا تصفيته والحد من تأثيره عبر أدواتهم من الشخصيات التي كان لهم كلمة وتأثير عليها في الحكومات المركزية المتعاقبة.

وصول الأمير عبد الله للأردن وتأسيس الحكومة الوطنية:

كانت في الكوره عام 1921حكومة محلية رفضت التعاون مع الاستعمار البريطاني، وعند قدوم الأمير عبد الله بن الحسين إلى شرق الأردن، أراد توحيد البلاد تحت حكومة مركزية، فقام وفد من رجالات الكوره وعلى رأسهم كليب الشريدة وابنه عبد الله بالتوجه لعمان ومشاركة جموع الأردنيين في استقبال الأمير عبد الله المؤسس عند وصوله لعمان عام 1921، وأعلن الولاء للأمير (آنذاك) عبد الله بن الحسين بعيد وصوله إلى عمان، وأعلن دعم الحكومة المركزية، لكنه رفض الانضمام لحكومة اربد، وقام بتأسيس حكومة دير يوسف التي ضمت مناطق الكوره وبني عبيد وكان مقرها في دير يوسف وطالب بأن تكون منطقة الكوره وبني عبيد على اتصال مباشر بالحكومة المركزية في عمان، احتجاجاً على تدخلات البريطانيين في عمل حكومة اربد وبقية الحكومات المحلية من خلال وجود عدد من المعتمدين الانكليز الذين يدافعون عن مصالح بريطانيا وسياساتها ويمهدون الطريق لأهدافها غير نظيفة ، وكان من جملة هؤلاء “الماجور سمرست” الذي كان معتمداً من حكومة بريطانيا في حكومة اربد المذكورة وأصبح لاحقاً عضواً في مجلس اللوردات البريطاني، إلا أن البعض استغل هذه النقطة لمحاولة الإيقاع بين كليب والحكومة الجديدة فرفض طلبه، خاصة أن الرفض الشعبي والرسمي في ذاك الوقت كان ضد كل ما له علاقة ببريطانيا والتدخلات الخارجية، وكان الهدف الذي يسعى جميع الشيوخ و الزعماء الأردنيين لتحقيقه هو التخلص منها ونيل الاستقلال بشكل تام لكن كل منهم كان يرى من زاويته وبطريقته.

ثورة الكوره :

تعددت التسميات حول الحركة التي حصلت في الكوره عام 1921 من مناوشات واشتباكات بين الحكومة المركزية ورجال الكوره فبعض المؤرخين يصفها بأنها ثورة وآخرون أسموها عصياناً، إلا أن الأقرب هو ما وصفه الأمير عبد الله في حينه بكونها ردة فعل تجاه “خطأ إداري”، حيث  قامت الحكومة المركزية بإنشاء حكومة عجلون وجعلت مقرها اربد، واستمر الانجليز بسعيهم لتصفية حساباتهم مع الشيخ كليب ومحاولة تحجيمه والحد من تأثيره على مصالحهم والانتقام منه من خلال التحريض ضده ومحاولة إظهاره وإقناع الحكومة المركزية والحكومات المحلية بالتعامل معه كمتمرد، وقد كادوا ينجحوا بذلك، واستغل معتمديهم في حكومة اربد حادثة عرضية عابرة وأصبغوا عليها صفة الثورة أو التمرد، فحدث أن أرسلت الحكومة  مفرزة من الدرك برفقة موظفين حكوميين مهمتهم تعداد الأغنام في لواء الكوره، وكاد الفريق ينهي مهمته، حيث أرسل موظف تعداد برفقة اثنان من الدرك لتعداد الأغنام في بلدة زوبيا فقام أحد العسكر بالتعامل مع الأهالي بما عهده وما زال يتأثر به من أفكار وأساليب رسخت خلال فترة الاحتلال  العثماني، حين كان الموظف والعسكري يبطش ويظلم الناس دون مساءلة ودون رقيب وحسيب، وهو الأمر الذي لم يعتده ولم يقبله أهل الكوره خصوصا والأردنيين عموماً في عهد الاحتلال العثماني فكيف سيطيقونه في عهد الثورة والحرية والحكومة الوطنية، فتذكر الروايات أن العسكري المذكور قد قام بالإساءة لإحدى النساء على نبع رغم أنهن أكرمن الضيوف وقمن بسقاية خيولهم، فصاحت المرأة وكان أحد أفراد عائلتها قريباً، فأخذ العسكري بالشتم والانتهار، فاستفز أحد رجال المنطقة سريع الغضب الذي أطلق رصاصة أصابت العسكري وقتلته ففر الجابي والعسكري الآخر لبلدة المزار، وتواصلوا مع الحكومة في اربد، التي قامت بدورها وبتدخلات بريطانية بنقل الصورة إلى عمان بشكل مبالغ به، وانتشرت الإشاعة بأن “الكوره قامت . . . الكوره ثارت” ، ولم تقم حكومة اربد بإرسال أي قوة أمنية أو لجنة للتحقيق بالحادث مبالغة بسوء الظن بأهل الكوره، فأحس كليب ورجالات المنطقة بما يحاك لهم، وحملهم إحجام الحكومة وترددها على اتخاذ الحيطة والحذر، لأنهم أدركوا أن سكوت الحكومة قد يكون معناه أنها تتجمع لتثب وأنها تعد العدة لضربهم باعتبار أنهم ثائرون ضدها، واستثمر أعوان الشر والعملاء الموقف وأشاعوا في صفوف الأهالي أن الحكومة تعد العدة لانتقام شديد ينكل بجميع قرى لواء الكوره ورجاله، وألحت حكومة اربد على الحكومة المركزية في عمان بإرسال القوات لاعتقال من وصفتهم بالعصاة، فاشتبكت كشافة القوة مع بعض المسلحين الذين كانوا يترصدونها في وقت الفجر، ثم اشتبكت القوة بأكملها مع المسلحين من الأهالي وهبت القرى المجاورة للتصدي للقوة العسكرية، وتمت محاصرة القوة وقتل عدد من أفرادها، وتم أسر وجرح الباقين، وتعامل معهم أهل الكوره بكل إنسانية وفقاً لشهادة “فؤاد سليم” قائد القوة، التي تعتبر شهادة براءة بحق المشاركين في الثورة من التهم التي حاول البعض إلحاقها بهم، وقد سارع الأمير عبد الله المؤسس بالاجتماع بكليب شريدة في بلدة سوف بتوسط من الشيخ علي الكايد العتوم الذي أراد توضيح الحقيقة، وكادت الأمور أن تحل حيث طلب الأمير من كليب أن يتم الإفراج عن الأسرى وخيولهم، فأجابه كليب الشريدة بأن ذلك حدث فعلاً، إلا أن الحكومة المركزية الخاضعة للانتداب البريطاني و قراراته فرضت مبالغ وغرامات مالية على رجال الكوره كديّة للقتلى، وهو مبلغ كبير بلغ 4500 جنيه، فعجز الجميع عن جمعه، وتفاجؤا بعد فترة بمهاجمة قوات الحكومة المركزية للكورة من جديد بتغطية من الطيران البريطاني الذي قصف “العلالي”، عشية اجتماع كان مقررا بين كليب الشريدة والحكومة المركزية في دير يوسف مما يبين أن هناك أيدٍ خارجية كان لها يد في التحريض وإشعال نار الفتنة لعل أبرزها رجالات الحكومة – الفارين من سوريا إبان الانتداب الفرنسي- والمفروضين بالقوة من سلطات الانتداب البريطاني على الحكم الناشئ.

%d8%b9%d9%84%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%83%d8%a7%d8%a8%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d8%b1%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%ab%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d9%83%d9%84%d9%8a%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b4
رئيس الوزراء علي الركابي في اربد اثناء العمليات العسكرية

ويذكر “عبد الله كليب الشريدة” أنه وبعد أن تجمع مئات المقاتلين من مختلف بلدات اللواء واعتزموا صد القوات المهاجمة التي كانت في منطقة الطيبة تستعد لاقتحام الكوره ، ويقول عبدالله الشريدة وفقاً لمقابلة أجراها معه أخوه عبد العزيز بن كليب أنه اجتمع بوالده وسأله إن كان هدفه الحكم أو المنصب أو النفوذ فأجاب بالنفي فاقترح عليه أن يعود المقاتلين لبلداتهم وأن لا يحدث اشتباك حفاظاً على الدم الأردني ووحدة التراب الوطني وتماسكه، واقترح أن يغادر هو ووالده لمضارب الشيخ حديثة الخريشا، وهو الاقتراح الذي لاقى استحسان الشيخ كليب فوافق عليه، فخرج عبد الله وشكر المؤازرين على دعمهم وطلب منهم العودة إلى منازلهم حقناً لدماء الأردنيين وحفاظاً على تماسكهم، وانطلقا برفقة 40 من الفرسان باتجاه مضارب الشيخ حديثة الخريشا ، الذي تواصل مع الأمير وتواسط لديه لحل مسألة الشيخ كليب، فوعده الأمير بأن لا يمس كليب سوء سوى انفاذ القانون، ولبث كليب وابنه عبد الله في السجن بالسلط حيث أشادا بعد خروجهم بكرم وحسن تعامل جميع عشائر السلط معهم أثناء فترة تواجدهم في السجن الذي تحول لمضافة نتيجة علاقة الصداقة والأخوة المميزة التي كانت تجمع بين الشيخ محمد حسين العواملة والشيخ كليب الشريدة، وبالفعل بعد فترة قصيرة تم إصدار العفو الأميري عن كليب الشريدة تزامناً مع اعتراف بريطانيا بالاستقلال الأولي للأردن في حينه.

%d9%83%d9%84%d9%8a%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%af%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d8%a8%d9%86%d9%87-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87

العلاقة مع الملك عبد الله المؤسس :

سادت علاقة صداقة حميمة بين الشيخ كليب الشريدة والأمير عبد الله المؤسس بعد ذلك ، فكان الأمير لا ينادي كليب إلاّ ” يا عود ” كناية عن مكانته وقدره، كما زار الأمير عبد الله بلدة تبنة وبات في ضيافة الشيخ كليب عدة ليالي، واصطحب كليب وزوجته إلى الحج بحراً في عام 1934، وتواسط كليب لأصدقائه الشيخ محمد حسين العواملة والبطل علي خلقي الشرايري لدى الأمير في حوادث منفصلة، وتولى ابنه عبد الله كليب الشريدة منصب وزير في الحكومة الوطنية، ثم أصبح لاحقاً وصياً على العرش قبل استلام الراحل العظيم الملك الحسين بن طلال مقاليد الحكم في خمسينيات القرن الماضي.

%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%83%d9%84%d9%8a%d8%a8-%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%af%d8%a9
عبد الله بن كليب الشريدة، وزير أسبق ووصي على العرش الملكي أبان تولي الملك حسين بن طلال

وفاة كليب الشريدة

في آخر أيامه مرض الشيخ كليب مرضاً شديداً بعد أن تعرض لإصابة تسببت له بنزيف داخلي أفقدته الوعي لعدة أيام، ثم ما لبث في 1/1/1941 أن فارق الحياة التي عاشها بطلاً وطنياً حراً مدافعاً عن قضايا وطنه وهمومه وحامياً وحريصاً على مصالح أبناء شعبه وكرامتهم، رافضاً لكل أشكال الاحتلال عثمانيا كان، فرنسيا، بريطانيا أو اسرائيليا، وترك خلفه 11 إبناً، وتولى منهم العديد من المناصب في الدولة وكان لهم كما كان لوالدهم وأبناء الأردن، الدور الكبير في بناء الأردن الحديث والحفاظ عليه.

%d9%82%d8%a8%d8%b1-%d9%83%d9%84%d9%8a%d8%a8-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af
ضريح الشيخ كليب الشريدة في مقبرة بلدة تبنة

 

المراجع :

  • عدد من المقابلات الميدانية المسجلة مع أبناء وأحفاد كليب الشريدة – فريق عمل إرث الأردن.
  • ﻣﺬﻛﺮﺍﺕ عامين في عاصمة شرق الأردن ، خير الدين الزركلي 1925
  • سيرة حياة الشيخ كليب الشريدة ، عبد العزيز كليب الشريدة 2000
  • تاريخ شرق الأردن وقبائلها ، فريدريك بيك.
  • تاريخ الإدارة العثمانية في شرق الأردن ، أحمد صدقي شقيرات.

الشيخ كليب الشريدة

مقدمة

بات من الواضح للمؤرخين بأن نضال الأردنيين نحو الاستقلال بحكم مركزي  قد بدأ منذ فترة طويلة خاصة بعد أن أثبت أنه الأفضل في ترجمة تطلعات وطموحات الشعب بمختلف الحقب الإسلامية، وقد امتدت سلسلة  الثورات الصغرى  في تاريخ الاردنيين النضالي لأمد طويل، واندلعت الثورات بتسارع  وظلت مستمرة ومتقطعة جيلاً بعد جيل، وتارة لاستعادة الاستقلال الذي ظل حلماً قريباً تحول دونه قوى خارجية. وبعد كل ثورة كان تخضع قوى الحكم الخارجي للإرادة الأردنية أو يتم كبح جماح الثورات الأردنية عبر إبادات جماعية و بسط للسيطرة و النفوذ بقوة الجيوش الجرارة التي تم توجيهها على العشائر الأردنية لمرات لا يمكن حصرها .

لكن رغم كل هذه الظروف و التحولات التاريخية القاسية ظلت النزعة الاستقلالية موجودة وبعثت العشائر الأردنية ما مفاده أن الأردن لن تحكم من خارجها واستمرت العشائر الأردنية بمقاومة السلطة الخارجية من الثورات الصغرى و الوسطى حتى كللّت طموحها الجمعي بالاستقلال عبر الثورة العربية الكبرى .

 

قدمنا في البحث الماضي سردا تاريخيا موجزا و اضاءة معرفية على واحدة من أولى الثورات الأردنية الصغرى ( ثورة الأردنيين عام 1519 )، في هذ البحث نستكمل مسيرة توثيقنا و استعراضنا للثورات الصغرى بالحديث عن ثورة الأردنيين عام 1557م .

 

ثورة الأردنيين عام 1557 :

شهدت الفترة ما بعد 1519 والصلح المزعوم مداً وجزراً في العلاقة ما بين الأردنيين والعثمانيين، وقد كان آخر ظهور مسجل ومدوّن للزعيم الأردني سلامة بن فواز في عام 1523 في منطقة سيل الزرقاء، ثم ظهر ابنه نعيم الذي خلفه في زعامة الفواز بينما ظلت العشائر الأردنية تتأرجح بين حلفي الغزاوية والفواز. شهدت الفترة الأولى من الحقبة العثمانية مناوشات متعددة ما بين العشائر الأردنية وقوات العثمانيين خلال الأعوام (1530) و (1545) و (1548) وذلك في محاولة من العثمانيين لسلب الأردنيين حكمهم الذاتي ونتيجة استمرار النهج العثماني بفرض الضرائب (25% على الدخل وبمعدل 10% على المبيعات بدون تمثيل سياسي أو مردود خدمي) والتضييق على الأردنيين والذي تسبب بانخفاض أعداد السكان ودفعهم للتحول من حياة الاستقرار إلى التنقل ـ إضافة إلى التراجع على الصعيد الاقتصادي والتجاري جراء نقل طريق الحج والفتن التي حاول العثمانيون بثها بين العشائر الأردنية ومكونات المجتمع، وذلك ضمن سياسة ( فرّق تسد )، حيث كان الحلف العشائري الأردني المتماسك في ذلك الوقت يشكل هاجسا للسلطة العثمانية العاجزة عن فرد نفوذها بشكل  كامل.

كانت الدولة العثمانية تتصالح مع مراكز الحكم الذاتي المحلي الأردنية حسب تنفيذ مصالحها، وكانت تتعارض معها عندما تشكل خطراً عليها، وقد كانت هذه المراكز، تلعب دور توفير الأمن لطريق الحج الشامي والمصري الماران من أراضيها التاريخية وذلك لضمان استمرارها على البقاء عبر ما تقدمه من خدمات تجارية و أمنية و لوجستية متنوعة في ظل سياسة اقتصادية عثمانية مجحفة و مدمّرة. وقد أراد العثمانيون استمرار دور الموفر للأمن لطريق الحج الشامي و المصري لكن بشروطهم وسياستهم، فلم يكن للعثمانيين حكم أو سلطة على المنطقة بل كان حكماً بالوكالة، حيث يتم تقسيم المنطقة لقطع عبارة عن ولايات وسناجق ومدن وتيمارات، فكل مدينة و قرية لها حاكم يشتري منصبه بمبلغ مرتفع ويفوض بتجميع الضرائب لاستعادة ما دفعه ومرابح تعود له بالمنفعة مما اشتراه، ومحاولات تأجيج الفتن والصراعات ما بين العشائر الأردنية، وإهلاك الناس بالضرائب التي تجاوزت طاقة السكان وأصبحت مضاعفة، فقد كان النظام العثماني يتاجر ويبيع ويشتري بالسكان من خلال بيع المناطق لسماسرة جباة يتولون مهمة جمع الضريبة مقابل مبلغ يدفعونه للعثمانيين ، فعلى سبيل المثال يشتري أحدهم ( وكالة جمع الضرائب ) في منطقة معينة بـ 100 ألف يوردهم للسلطان العثماني ليصرفها على جواريه في قصوره باستنبول، ولقاء ذلك هو يقوم بجمع 150 ألف لمنفعته الشخصية ولرشوة والي دمشق وغيره ممن يفصلون بين السلطان وجامع الضرائب على الأرض. يذكر أن الضرائب كانت تتجاوز 25% . (المزيد حول هذه الضرائب في بحث الحقبة الاسلامية المتأخرة).

%d8%a7%d8%b1%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d8%af%d9%86-%d8%b6%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%ab%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d9%8a%d9%86

حاول العثمانيين إحداث الفوضى عام 1551 بالتظاهر بالرضوخ لمطالب الأردنيين وتعيين الشيخ قانصوة بن مساعد الغزاوي أميراً للأردن من الكرك، أما باطن الأمر فكان لضرب العشائر الأردنية ببعضها بين زعامة الفواز والغزاوية. لكن العشائر الأردنية تحت قيادة الغزاوي كانت واعية لخطط العثمانيين فانتشرت الأسلحة التقليدية من الخناجر والسيوف والرماح والأسلحة النارية، لدرجة لم يعد بإمكان العثمانيين تحصيل الرسوم والضرائب من السكان الذين كانوا في حالة غليان، وتسببت الصراعات والفتن بين القوى المحلية في الحاق الأذى والخراب بالقرى والمزارع .

وفي عام 1557 بلغت حالة الغضب الأردني أوجها جراء إصدار العثمانيين أوامرهم بالقبض على نعيم بن سلامة الفواز الذي صد هجماتهم المتتالية المحاولة فرض سيطرة خارجية على الأردنيين، وأثناء واحدة من محاولات اعتقاله المتكررة قام بقتل بعض أفراد الجيش العثماني الذين أرسلوا لإلقاء القبض عليه نتيجة رفضه الانصياع لأمر السلطنة العثمانية، واحتجاجاً على العمليات العسكرية العثمانية لللقبض عليه ومحاولة اغتياله عمد نعيم بن سلامة بن فواز لإغلاق طريق الحج ووضع العوائق الصخرية في أحد الممرات الضيقة قرب منطقة الأخيضرة، وذلك لاستدراج القوات العثمانية، التي وقعت في الفخ والحق بها نعيم وفرسانه من العشائر الأردنية الهزيمة وسيطر على أسلحتهم. وكما عادتهم باللجوء للأساليب الخسيسة، تم إلقاء القبض على قريبه الشيخ نصر الله الفواز بدلاً منه وذلك لابتزازه للحصول على هدنة، وبعد فشل محاولة الابتزاز كما حصل عام 1519قام العثمانيون بإصدار فرمان العفو عنه لتجنب إثارة غضب العشائر الأردنية الملتفة حوله.

وبعد عامين وفي عام 1559 تعمد نعيم الفوّاز حشد قواته في نواحي حوران الأردنية، وأعدّ عدته وأقام الخيام وأحضر اللوازم الأخرى، والذخيرة التي تكفي لمدة شهر، وأعلن استعداده لنقل الحجاج وحمايتهم وتأمينهم مما اضطر الوالي العثماني لمحاولة التفاوض معه وشراء وده ومحاولة اغراءه بالمال الذي يعرف بـ “الصرة”  ومحاولة طمأنة نعيم في رسالة جاء فيها “كن في حال سبيلك فإن زعامتك لن تنتزع منك وسنعطيك صرتك”، وهو الأمر الذي رفضه نعيم فاستمر نعيم وقواته والمزيد من العشائر الأردنية في إقامة معسكراتهم على طريق الحج وذلك لإيصال رسالتهم للوالي بأنهم لم يقوموا ضد الحج وإنما ضد السلطة العثمانية وأنهم مستمرين في تأمين طريق الحج ورفض مرور أي قوات عثمانية عبره، رافضين العروض السخية التي قدمها الوالي والاغراءات المالية، مؤكدين على أن ما يدافعون عنه هو المبدأ وحقهم في سيادة أرضهم ورفضهم للحكم الخارجي.

فاستعان الوالي العثماني في دمشق بوالي حلب وطلب نجدته وارسال المزيد من الإمدادات والخيالة، بحيث طلب منه ارسال 50 سباهياً زيادة على المائة سباهي الذين يرسلون كل عام وطلب منه العمل على تهيئتهم (والسباهي هو الجندي الخيال، وأحد أفراد القبوقولي الخيالة، وصاحب الرتبة الدنيا في القوات التيمارية في الولايات الخاضعة للحكم العثماني) إلا أن الحملة فشلت في تحقيق أهدافها وتصدت لها العشائر الأردنية.

 فلجئ الوالي العثماني لتعيين الشيخ قانصوة بن مساعد الغزاوي أميراً للحج من عشيرة من خارج تحالف العشائر الأردنية، وكانت هذه محاولة عثمانية لضرب العشائر فيما بينها وإشاعة الفتنة، وذلك من خلال نقل الصدام ما بين الأردنيين والوالي العثماني، ليصبح بين العشائر فيما بينها، الا أن الشيخ نعيم الفواز والشيخ قانصوة بن مساعد الغزاوي أدركا تلك المكيدة التي حاول الوالي العثماني تدبيرها ولم ينجرا للصدام مع أبناء وطنهم.

فعمد السلطان سليمان (القانوني في توثيق العثمانيين والمعروف محلياً بسليمان الرهائن تبعاً لقصة ثورة 1519 المنشورة سابقاً) في ذات العام 1559 إلى بناء مزيد المخافر العثمانية في عجلون والقطرانة ومعان وضاحية الحج وتبوك، وزودها بقوات من الجنود للتحكم بالمنطقة والتنكيل بأهلها لتخويف العشائر من أي محاولة لاستعادة السيطرة على طريق الحج.

وكذلك أصدرت القرارات بمنع صناعة الأقواس الكبيرة والسهام المسطحة والخناجر المعروفة بـ “اقفه عقفه” والتي كانت تستخدمها العشائر الأردنية، وتم جمع كل ما يتوافر منها في الأسواق وحفظها في الحاميات العثمانية كمحاولة لتجفيف كل مصادر الدعم و الدفاع التي يحصل عليها فرسان العشائر الأردنية، وذلك يدل على حجم الرعب والقلق الذي كان يسببه تحالف العشائر الأردنية للعثمانيين.

وبالرغم من كل القمع والحلول العسكرية إلاّ أن السياسة العثمانية كانت تلجئ في بعض الأحيان للحيل الدبلوماسية بعد أن تفقد الثقة في الحلول العسكرية والقمعية التي كان يقاومها الأردنيون بشراسة وكثيراً ما كانت تزيد من صلابتهم على مواقفهم وتمسكهم بحقوقهم مفعمين بالبطولة والإباء ضاربين المثل في التضحية بكل ما هو غال ونفيس، تجسيداً لقيم التحرر والانتماء للأرض، والمترسخة فيهم جيلاً بعد جيل.

 قام الغزاوي بتوسيع تحالفه العشائري فضم الحويطات وبني عطية وبني لام (الفواز) وبدأ نفوذه يتعمق ويزداد قوة نتيجة استعادة العشائر الأردنية لتحالفهم التقليدي. وفي عام 1567 قام العثمانيين بعزل الشيخ الحكيم الغزاوي الذي اختاروه أساسا نكاية بالشيخ نعيم بن سلامة الفواز قبل أن يعود  الغزاوية والفواز للالتقاء على التحالف ضد العدو المحتل، ومن ثم قاموا بتلفيق التهم الباطلة له بسرقة المؤن الغذائية المخصصة للرعايا العثمانيين بالمخافر. فقاموا بحبسه في قلعة دمشق، وأصدروا فرماناً بتعيين سلامة بن نعيم الفواز أميراً بتاريخ 7/8/1567 الذي استمر على النهج الاستقلالي فعاد إلى باقي العشائر الأردنية الذين طالبوا باطلاق سراح الشيخ الغزاوي وعند تعذر الاستجابة قام فرسان العشائر الأردنية بسد الطرق ضمن أراضيهم حتى تم اطلاق سراحه وهذا ما كان عام 1570 قبل أن يؤول التحالف العشائري لقيادة الغزاوي بالتراضي وليقوم بتسيير أكبر حملة حج حتى وقتها.

لم تكن آلة جني الضرائب في الحكم العثماني تكف عن فرض المزيد من الضرائب على الأردنيين بدون أي مقابل على صعيد الخدمات، ففي عام 1570 فرض العثمانيون على العشائر الأردنية أن تدفع لهم 800 جمل و30 رأس خيل لقاء انتفاعها من عشب البلاد ومياهها، وهو ما استدعى من سلامة بن نعيم الفوّاز أن يأخذ على عاتقه مهمة التحرك لمحاولة وضع حد لهذا التغول من السلطة العثمانية التي لم تكن أطماعها تتوقف فأخذت تفرض الضريبة تلو الأخرى، وذلك من خلال مطالبته بحكم ذاتي للمنطقة بعد التشاور مع العشائر والتباحث معها، فأرسل سلامة بن نعيم الفواز رسالة إلى السلطان العثماني يبلغه فيها أن صلخد وعرب الجبل وعرب القصيم عهدت له بطريقة السنجق، طالباً منحه إمارة العشائر الأردنية، وقد تضمن هذا الطلب إجابة مسبقة على كافة الحجج التي قد يتخذها السلطان لمواصلة الحكم العثماني الجائر على المنطقة، فقد تعهد سلامة بن نعيم بإيلاء الاهتمام بحفظ الحجاج وتعويضهم بضعف ما يفقد من مالهم وحيواناتهم الأخرى أو ما يفقد من أموالهم،  كما تعهد بأن يقوم إلى جانب العشائر الأردنية، بتطهير بركة القطرانة بأحسن مما يقوم به الحاكم العثماني الذي منح (15000) ذهب ميري مقابل هذا الغرض، على أن يوفر هذا المبلغ، وأن يقوم بتطهير البركة بدون مقابل،  كما أنه سيقوم بإحياء وإعمار 31 قرية وخربة في حوران الأردنية على أن تلحق بلوائه، وأن يمنح التيمار ( والتيمار هو الإسم العام للإقطاعات المختلفة من : خاص ، زعامت، تيمار، وهو الإقطاع الذي يتراوح ريعه بين 3000 – 20000 آقجة ويمنح لشخص أو أكثر وفق شروط معينة محددة، أما الزعامت أو الزعامة فهو الإقطاع الذي يتراوح ريعه بين 20000 – 99999 آقجة ويسمى صاحبها المتصرف بها زعيم أي صاحب زعامت بالتركية)، وقد تمت الموافقة على ذلك لمدة عام واحد إلا أن العثمانيين انتبهوا أن ذلك أفقدهم السيطرة على المنطقة فقد توقف ابتزازهم للناس وفرضهم للضرائب، وقمع العشائر بحجة حماية طريق الحج وبدون تقديم أي خدمات فالبرك ظلت بحاجة لتطهير والقرى خربة بدون صيانة، فما لبثوا أن عادوا لعادتهم في إثارة الفتن وتحريض العشائر ضد بعضها وقاموا بإسناد إمارة الحج لوالي دمشق، إلاّ أن ذلك  كله تسبب في بروز التحالفات العشائرية وزيادة دورها كلاعب أساسي في الحركة السياسية في قيادة المنطقة وهو ما كان وبالاً على العثمانيين  في فترات لاحقة.

المراجع :

Hütteroth, Wolf-Dieter and Kamal Abdulfattah (1977), Historical Geography of Palestine, Transjordan and Southern Syria in the late Sixteenth Century, Erlanger geographische Arbeiten 5. Erlangen: Palm und Enke. PP. 169-71

Bakhit, M. Adnan and Nufan R. Hmoud (1989), ed. and trans., The Detailed Defter of Liwā Ajlūn (The District of 􀁻Ajlūn). Tapu Defteri No: 185, Ankara. A Study, Edition and Translation of the Text. Amman: The University Of Jordan Press (Arabic and Ottoman). PP.44-48.

Marcus Millwright, Karak in the Middle Islamic Period (1100-1650), Boston, 2008. P.108

الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة للغزي 1 / 455
Marcus Millwright, Karak in the Middle Islamic Period (1100-1650), Boston, 2008. P.49

Marcus Millwright, Karak in the Middle Islamic Period (1100-1650), Boston, 2008. P.48

الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة للغزي 1 / 455

Heyd, Uriel (1960), Ottoman Documents on Palestine, 1552–1615: A Study of the Firman according to the Mühimme Defteri. Oxford: Oxford University Press. vol. xiv, no. 973, p. 675; no. 1152, p. 794; no. 1692, p. 1149)

Abu Husayn, Abdul-Rahim (1985), Provincial Leaderships in Syria, 1575–1650. Beirut:

American University of Beirut Press.

Heyd, Uriel (1960), Ottoman Documents on Palestine, 1552–1615: A Study of the Firman according to the Mühimme Defteri. Oxford: Oxford University Press. Pp. 54-5, no.8, pp.77-8,no. 30, p.53, no.2 p.76, no. 28.

Heyd, Uriel (1960), Ottoman Documents on Palestine, 1552–1615: A Study of the Firman according to the Mühimme Defteri. Oxford: Oxford University Press. Pp. 54-5, no.8, pp.77-8,no. 30, p.53, no.2 p.76, no. 28.

مخطوطة تحت النشر لتاريخ عشائر السردية، تأليف و إعداد المؤرخ كليب الفواز ، ص (52- 74 )، 2016.

مقابلة لفريق ارث الأردن مع المؤرخ كليب الفواز في منزله 6/2016.

 

الثورات الصغرى – ثورات الأردنيين 1557 – 1570

مقدمة

بات من الواضح للمؤرخين بأن نضال الأردنيين نحو الاستقلال بحكم مركزي  قد بدأ منذ فترة طويلة خاصة بعد أن أثبت أنه الأفضل في ترجمة تطلعات وطموحات الشعب بمختلف الحقب الإسلامية، وقد امتدت سلسلة  الثورات الصغرى  في تاريخ الاردنيين النضالي لأمد طويل، واندلعت الثورات بتسارع  وظلت مستمرة ومتقطعة جيلاً بعد جيل، وتارة لاستعادة الاستقلال الذي ظل حلماً قريباً تحول دونه قوى خارجية. وبعد كل ثورة كان تخضع قوى الحكم الخارجي للإرادة الأردنية أو يتم كبح جماح الثورات الأردنية عبر إبادات جماعية و بسط للسيطرة و النفوذ بقوة الجيوش الجرارة التي تم توجيهها على العشائر الأردنية لمرات لا يمكن حصرها .

لكن رغم كل هذه الظروف والتحولات التاريخية القاسية ظلت النزعة الاستقلالية موجودة وبعثت العشائر الأردنية ما مفاده أن الأردن لن تحكم من خارجها واستمرت العشائر الأردنية بمقاومة السلطة الخارجية من الثورات الصغرى والوسطى حتى كللّت طموحها الجمعي بالاستقلال عبر الثورة العربية الكبرى.

في هذا البحث نقدم سردا تاريخيا موجزا و اضاءة معرفية على واحدة من الثورات الأردنية الصغرى بالحقبة الإسلامية المتأخرة وأولى الثورات الأردنية على العثمانيين ( ثورة الأردنيين عام 1519 ).

تمهيد

  كنا قد نشرنا عن انتزاع الأردنيين للحكم الذاتي في الحقبة الإسلامية المتوسطة (الأيوبية والمملوكية)  وقد ظلت الثورات مستمرة ومتقطعة، منها مثلاً عندما ثارت العشائر الأردنية فقتلت نائباً معيناً من خارجها عام 1453م. أو ما وثق في عام 1462 عندما تم بعث جيش جرار من مصر المملوكية لقمع ثورة أردنية اتخذت من آيلة وقلعتها معقلاً لها وبقيادة زعيم العشائر الأردنية وقتها مبارك العقبي (بني عقبة أجداد العديد من العشائر الأردنية اليوم). وحتى بعد قمع ثورة ال1462 ظلت النزعة الاستقلالية موجودة وبعثت العشائر الأردنية ما مفاده أن الأردن لن تحكم من خارجها وعند استهتار السلطان المستمر خرجت بعض العشائر بقيادة بني لام (أجداد عشائر المفارجة ومن ثم السردية ومن ثم الفواز اليوم) فصادروا قافلة حكومية متجهة لمصر مكونة من ثلاثة عشر ألف من الابل بعام 1494م وذلك كوسيلة أخيرة للاحتجاج وتحقيق المطالب المشروعة بالاستقلال والحكم المحلي.

قلعة الزعيم الجغيمان
قلعة الزعيم الجغيمان

إمارة بني لام في الأردن

أسست إمارة بني لام على يد الزعيم الأردني للعشائر الأردنية في حينها الأمير حسان بن المفرج وامتدت من جنوب غرب الأردن وصولاً لشمال منطقة حوران الأردنية واستمر نفوذها لمائة عام وضمت تحالفاً بين عدد كبير من العشائر الأردنية، قامت هذه الإمارة بما فيها من تحالفات للعشائر الأردنية وفرسانها بالإضافة لدورها بانتزاع الحكم المحلي (كما نشرنا ببحث سابق تحت مسمى “المفارجة”) بمحاربة غزو الفرنجة للمنطقة، فعلى سبيل المثال فإن أسامة بن المنقذ ومعه 18 شيخاً من قبيلة بني لام قضوا في يوم واحد دفاعاً وصداً لغزو الفرنج وذلك في عام 1070 تقريباً، وهو نهج ثابت لأبناء المنطقة في وقوفهم ضد كافة الأطماع ومحاولات الحكم الاستعماري المتستر والمتاجر باسم الأديان أمسيحية كانت أم إسلامية. إمارة بني لام استفادت من التحالفات التي كانت تقوم بها مع العشائر الأردنية الأخرى من جهة، ومع الفاطميين في القاهرة والمماليك في دمشق من  جهة اخرى، وبعد انهيار الإمارة ارتدت بني لام نحو جبال الشراه النبطية وأقاموا فيها. ومن شراه الأنباط أعاد حفيد إمارة بني لام “حسان بن المفرج” التموضع وأسس لاحقاً إمارة أخرى اتخذت من حوران عاصمة لها وعرفت بإمارة آل مرَا واستمرت متقطعة من عام 1300 ولغاية 1550 تقريباً. وما زالت آثار آل مرا في الأردن ماثلة حتى يومنا الحالي حيث شواهد القبور التي تحمل أسماءهم في البادية النبطية بجنوب معان.

الأردنيون يتمسكون باستقلالهم وارثهم رغم محاولات الحكم الخارجي لهم

 كان الأردنيون يلتفون حول زعيم تحالف العشائر الأردنية في وقتها الشيخ سلامة بن فواز الذي تذكره الوثائق خلال الفترة من 1490 ولغاية 1523. وفقا للوثائق فقد كان لتحالف سلامة بن فواز ثلاثة عشر ألف قوس (كناية عن عدد المحاربين تحت إمرته )، من بني لام وبني تميم والعمرو وبني عطية وعباد والعدوان وبني حميدة وغيرهم من بقية العشائر الأردنية، وكانت سيطرتهم تمتد من حوران وحتى جنوب البادية النبطية شرق البحر الأحمر لتصل لمشارف تبوك. وفي السرد التاريخي لقوة هذه الإمارة و اتساعها يذكر بعض المؤرخين عبارة تقول : “لقد دوّخ بني لام دولة الشركس” والمقصود بهذه المصادر هي دولة المماليك الذين تفاوضوا مع سلامة الفواز واتفقوا أن يدفعوا لتحالف العشائر الأردنية بقيادته ما مجموعه ألف دينار ذهبي مقابل البقاء في مناطق سيطرته وعدم التعرض لقوات المماليك أثناء مرورها من المناطق المجاورة له، حيث بني في عهده قلعة الجغيمان سنة 1495، وهي نفسها قلعة المدورة القديمة، التي تبعد عن المدورة الحالية نحو 4-5 كم وهي مهملة الآن للأسف ولكن لهذه المعلومة مدلول تاريخي حيث لا يعقل لشخص أن يبني قلعة وتسمى باسمه ما لم يكن لديه سلطة سياسية وقوة ومال، وتشير الوثائق إلى أن هذه القلعة كانت أحد المراكز الرئيسية لإدارة طريق الحج والتجارة الذي رعته العشائر الأردنية لآلاف السنين، حيث تشير الوثائق العثمانية بالنص الصريح مبدوءة بـ “إلى جغيمان” ، وقد ذكرها ابن بطوطة في رحلته حيث تعرض للمنطقة والسكان الموجودين فيها.

وخلال تلك الفترة شهدت المنطقة نوعا من الاستقرار النسبي في العلاقات ما بين تحالف العشائر الأردنية والسلطة الحاكمة ممثلة بالمماليك،  وذلك من خلال الاتفاقات على حماية خطوط الحج التي تمر بمناطق سيطرة تحالف العشائر الأردنية وترأس نعمان بن سلامة بن فواز الحج الشامي عام 1502.

أدناه بعض الصور لقلعة الزعيم الجغيمان ويلاحظ أنها مهدمة وبحاجة للترميم

 

 

الثورة الأولى على العثمانيين 1519 – ثورة الجغيمان

نجحت الثورة الأردنية بقيادة زعيم العشائر الأردنية مبارك العقبي كما أسلفنا بالوصول لانعدام السلطة الخارجية بين عامي 1502-1505م، وبالتفاصيل فان الثورة وصلت لمحاصرة الحاكم المعين بدون توافق الأردنيين في قلعة الكرك وتكللت بالوصول لاتفاق بحيث يستسلم ويخرج آمناً الى مصر المملوكية. عيَن جان بردي الغزالي حاكماً للأردن من الكرك عام 1509م فلم يرضوا به وثارت عليه العشائر الأردنية فطرد منها وعاشت الأردن مرحلة ” لا حكم ” أخرى وتم تعيينه لحكم فلسطين من صفد.

 قاد قايتباي الخصاكي جيشا ضخما من دمشق بعام 1512 لإعادة السيطرة على الأردن بعد طرد جان بردي من أراضيها ولكنه فشل وعادت غزوتين لاحقات حتى غلب عدد العسكر كافة المطالب الاستقلالية للأردنيين بعام 1513. خان جان بردي الغزالي المماليك وتحالف مع السلطان سليم العثماني وانضم لخيانته خاير بك، والذين وعدا بالحكم مقابل تحييد القوات التي يأمرون عليها فسقطت سوريا بيد العثمانيين بسهولة في مرج دابق. مرج “دابق” كانت موقع المعركة التي سقطت فيها سوريا بيد الأتراك العثمانيين بعام 1517م وعلى اثرها انتقل صراع الأردنيين مع الحكم الخارجي من مصر المملوكية الى استنبول العثمانية، ومما يستوجب ذكره و الالتفات له بنظر ثاقب و لمرات متعددة أن اسم المعركة “مرج دابق” هو نفس الإسم الذي يستخدمه تنظيم الدولة الإرهابية في العراق والشام في أدواته الإعلامية المتشابهة.

تم تعيين جان بردي الغزالي والياً على الشام والأردن كمكافأة لخيانته للمماليك، جان بردي الغزالي ذاته الذي طرده الأردنيين سابقاً والذي خان المماليك، كان أول والي يعيَن لحكم منطقة شاسعة تضم الأردن بعام 1517م من دمشق، واستمر نضال الأردنيين ضد الحكم الخارجي فكل ما تغير هو انتقال القطب الآخر وعاصمة الخصم من مصر المملوكية إلى استنبول العثمانية؛ فلم يعترف الأردنيون بولايته خاصة أنهم قد طردوه قبلها، وقد اصطدم والي دمشق الغزالي بالعشائر الأردنية التي لم تعترف بولايته نتيجة ما كان له معها من تاريخ أسود وطردهم له قبل ذلك في عام 1509. لم ينسَ الغزالي ما فعله الأردنيون به في عهد المماليك فحاول التنكيل بهم والتضييق عليهم بشتى السبل، فلجأت العشائر الأردنية لاستخدام ورقة سياسية ذكية رداً على سياسة الغزالي القمعية، فعمدت العشائر لإيقاف الحماية التي كانت توفرها على طريق الحج وذلك كوسيلة للاحتجاج السلمي والضغط على سلطات الحكم الخارجي لإرغامها على التفاوض معها والاستجابة لمطالب أهل المنطقة التي كانت تعاني من التهميش المتعمد جراء رفض أهلها الخنوع والخضوع للسلطة الخارجية، ونظراً لما له من باع طويل في الخيانة فقد انقلب جان بردي الغزالي من جديد ولكن هذه المرة ضد العثمانيين أنفسهم، حيث ارتدت بضاعة الخيانة على العثمانيين وأعلن جان بردي الغزالي الاستقلال عن العثمانيين عام 1518م فنزلت عليه كافة الجيوش العثمانية للإطاحة والتنكيل والبطش به، حيث تم تعيين إياس باشا خليفة له وواليا على الشام مكانه بعد أن قتل جان بردي (تعددت الروايات عن تاريخ وطريقة قتله هل كانت من قبل الشعوب المقاومة له وللأتراك العثمانيين أم باغتيال سياسي، أو كلاهما). أول قرار أخذه اياس باشا هو قمع ثورة كانت في نابلس فاتخذها ككبش فداء ليظهر بأسه فشرد الكثير من أهلها وهدّ بيوتهم، قبل أن تتحد معها مناطق فلسطينية أخرى وتدحره خائباً. ثم وصل اللجون فذبح أربعة من أبناء آل طرباي حكام اللواء وأرسل رؤوسهم إلى السلطان سليم في بادرة لإظهار الولاء للحاكم العثماني. وفي خطوة هوجاء تهدف بالمنظور قصير المدى إلى تجفيف المصادر الاقتصادية المتأتية للأردنيين من أسواقهم على طريق الحجاج المسلمين والمسيحيين والمعروف بالطريق الملوكي، قام إياس باشا وبتوجيه من السلطان العثماني سليم الأول (أو ما بات يعرف لاحقاً بسليم المتآمر) عام 1519م بنقل الطريق شرقاً ونصب المخافر عليه بعيداً عن التجمعات السكانية المعادية لوجوده والمستخدمة لأداة ” ايقاف الطريق ” كأحد أدوات الضغط نحو الاستقلال، ثم قام بفرض ضريبة على ما يعرف ببازارات الحجاج، فتسبب القراران بانهيار المنظومة الاقتصادية للتجار الأردنيين والتي نجت لآلاف السنين حتى بعهد الرومان والفرس والفراعنة ولكنها لم تنجُ من العبث السياسي بحقبة العثمانيين. أما سياسياً فقد عمد الأردنيون على انشاء تحالفات عشائرية بإمارات تنتزع الحكم المحلي لهم وتراعي احتياجتهم.

بدا واضحاً أن الأردنيين بزعامة الجغيمان لن يقبلوا باستبدال حكم خارجي من مصر بآخر من دمشق فدأب السلطان على بعث قوة تلو أخرى لاخضاع الأردن لحكمه من مركز خارجي لكنها باءت بالفشل الذريع حيث أنهم لم يجدوا أمثال جان بردي الغزالي ليخون ويسلمهم الأرض لقاء منصب ومال كما حصل في مرج دابق.

وبعد مناوشات جسيمة بين جيش العثمانيين والقوات المقاتلة الأردنية في الفدين (المفرق) لجأ العثمانيون لحيلهم القبيحة حيث تسلل ليلاً بضعة أفراد من قواتهم لخطف أبناء الجغيمان شيخ الفواز وزعيم تحالف العشائر الأردنية بوقتها، وإرسالهم للسلطان سليمان “القانوني” حيث عرف حينها بسليمان “الرهائن”، ليتم بعدها مفاوضة الأردنيين على تسليم الرهائن وتولية حكام من الأردنيين مقابل السلم وانهاء الثورة عام 1519، وبعد هذه المفاوضات تم تولية الغزاوي (بتسكين الغين) كما أوردنا في بحث سابق لكن العثماني استمر برفع الضرائب في تصاعد كبير حيث توزعت ما بين ضريبة دخل تبدأ من 25% وأخرى على مبيعات الحجاج ومثلها على الأنعام من الإبل والمواشي ، وكذلك على المحاصيل الزراعية، فأتت ثورة الغزاوية بشكل طبيعي عام .

 

  • المراجع :
  • ابن تغري بردي، الجزء 7، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة صفحة 232-377
  • ابن تغري بردي، الجزء 7، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة صفحة 749-50
  • Johns, Jeremy (1995), ‘The Longue Durée: state and settlement strategies in southern Transjordan across the Islamic centuries’, in eds. Eugene Rogan and Tariq Tell, Village, Steppe and State. The Social Origins of Modern Jordan. London and New York:
  • British Academic Press: 1–31. P23
  • زين العابدين ابن اياس الحنفي، بدائع الزهور في وقائع الدهور، القاهرة، الجزء 4، صفحة 94
  • Johns, Jeremy (1995), ‘The Longue Durée: state and settlement strategies in southern Transjordan across the Islamic centuries’, in eds. Eugene Rogan and Tariq Tell, Village, Steppe and State. The Social Origins of Modern Jordan. London and New York:
  • British Academic Press: 1–31. P94
  • Marcus Millwright, Karak in the Middle Islamic Period (1100-1650), Boston, 2008. P.48
  • زين العابدين ابن اياس الحنفي، بدائع الزهور في وقائع الدهور، القاهرة، الجزء 3، صفحة 433
  • Laoust, Henri (1952), trans. and ed., Les Gouverneurs de Damas sous les Mamlouks et les premiers Ottomans (658–1156)(excerpts from works of Ibn 􀂔ūlūn and Ibn Juma􀁻ā). Damascus: Institut Français de Damas. P.124
  • تاريخ جبل نابلس والبلقاء، احسان النمر، 1938، دمشق صفحة 15
  • Marcus Millwright, Karak in the Middle Islamic Period (1100-1650), Boston, 2008. P.48
  • زين العابدين ابن اياس الحنفي، بدائع الزهور في وقائع الدهور، القاهرة، الجزء 3، صفحة 382-83
  • Laoust, Henri (1952), trans. and ed., Les Gouverneurs de Damas sous les Mamlouks et les premiers Ottomans (658–1156)(excerpts from works of Ibn 􀂔ūlūn and Ibn Juma􀁻ā). Damascus: Institut Français de Damas. Pp.151-59, 171-74.
  • تاريخ جبل نابلس والبلقاء، احسان النمر، 1938، دمشق صفحة 25
  • تاريخ جبل نابلس والبلقاء، احسان النمر، 1938، دمشق صفحة 61
  • Marcus Millwright, Karak in the Middle Islamic Period (1100-1650), Boston, 2008. P.256
  • مخطوطة تحت النشر لتاريخ عشائر السردية، تأليف و إعداد المؤرخ د. كليب الفواز ، ص ( 8-16 ) – ( 33- 50)، 2016.
  • بحث مؤسسة ارث الأردن (الأردن بالحقبة الإسلامية المتأخرة – الجزء الأول: 1389م-1656م ) للاطلاع على البحث انقر هنا .
  • بحث تاريخي موجز منشور بعنوان (ثورات وانتفاضات الاردن عبر العصور ) ، المؤرخ الدكتور محمد المناصير ، 2011 .

الثورات الصغرى – ثورة الأردنيين 1519

  المسار الثاني عشر لمعارك التحرير 

 خط المسير الجغرافي لقوات الثورة : ( معان – غدير الحاج – الشيدية – قلعة عقبة حجاز ( المبروكة ) وادي الرتم ( بطن الغول ) – حصن طوابي – تلول الشحم – رملة – المدورة )

مقدمة

تعتبر المنطقة ما بين معان والمدورة من أهم مسارح حرب الثورة العربية الكبرى، ويبلغ طول مسار هذا المسرح العسكري حوالي 120 كلم ، وهو يمتاز بقساوة المناخ والطبيعة ولكنه الأكثر حيوية وكان حاسماً فى تقرير مسار الحرب العالية الاولى، ومن دراسة مسار معان المدورة ككل وعلى طول مسار معان المدورة نلاحظ فيه ما يلي :

  •   امتداد سكة الحديد
  • تنوع محطات الخدمة ووجود الآبار
  • وجود بعض القلاع الضخمة
  • انتشار النقاط الحصينة والمراقبات وهذه جميعها جعلت من من طبيعة عمليات هذا المسار ذات قيمة خاصة ، فهو المسار الذي شهد:
  •   دخول قوات الهجانة التي قدمت من مصر لأول مرة للمسرح العسكري الأردني .
  •  دخول القوات المدرعة واشتراكها في معارك المدورة لأول مرة أيضا .

مميزات أرض العمليات بين معان والمدورة

تتحكم العوامل التالية في عمليات الجيوش في تلك الفترة في هذه المنطقة :

  • طول خطوط الامداد والتزويد
  • البعد أو القرب من القواعد الأساسية للقوات العسكرية
  • تنظيم وتسليح القوات العسكرية خاصة وأن هذا العامل يظهر في الميدان فجأة عندما يدرك الطرفان قوة بعضهم قبل الاصطدام بفترة قصيرة.
  • المعلومات والاستخبارات وهذا ماكان يعوز الطرفين ، فعطفا على العامل السابق فإن قوات الثورة عندما تتحرك للهجوم أو تنفيذ عمليات عسكرية معينه تتفاجأ بقوة العدو، فتحجم عن العملية أو تحول مسارها اتجاه آخر وقد كان هذا واضحًا في أكثر من عملية عسكرية.

وقد ظهرت هذه العوامل بشكل واضح أثناء العمليات العسكرية خاصة بسبب الظروف الصعبة التي تسود هذه المنطقة وطبيعتها الجغرافية وطول المسافة وتباعدها وخلوها من السكان المحليين أو أية تجمعات سكنية قد تفيد أو تعين فى مجال الارشاد والإدارة.

مسار العمليات العسكرية بين معان والمدورة

نقدّم هنا دراسة لمسار العمليات العسكرية وفقاً لتسلسلها من جنوب معان وهي كالتالي :

غدير الحاج وقد شهدت معركتين هما :

  • معركة غدير الحاج الأولى

شهدت المنطقة بين معان والمدورة أول عملية عسكرية لقوات الثورة العربية الكبرى فوق الأرض الأردنية، فعندما تحركت القوات العسكرية بقيادة الشريف ناصر ومعه الشيخ عودة أبو تايه من الجفر، اتجهت من الجفر التي تبعد حوالي 40 كلم من خط سكة الحديد باتجاه الجنوب والغرب فهاجمت محطة غدير الحاج الى الجنوب من معان بـ 17 كلم، وقضت على القوة العثمانية المتواجدة فيها قبل أن تواصل سيرها باتجاه منطقة أبو اللسن ورأس النقب وتنفذ عملياتها هناك كما ورد في المسار الأول لمعارك الثورة عن عمليات تحرير العقبة.

وكانت هذه العملية وهي الأولى في 1 تموز 1917 ، بمثابة الإنذار للقوات العثمانية وحلفائها الأمان و النمساويين لتعيد تنظيمها وتركز قواتها وهذا حصل بالنسبة لمعان والتي كانت تتحصن فيها القوات العثمانية و عدد من كبار الضباط و المهندسين الألمان و النمساويين، لكن بعد عملية غدير الحاج ومن ثم أبو اللسن وتقدم فرسان العشائر الأردنية جنوبا باتجاه العقبة اعادت القيادة العسكرية العليا للقوات العثمانية و حلفائها الألمان و النمساويين – ممثلة بالجنرال الألماني أوتو ليمان فون ساندرس –  تنظيم وتعزيز القوات العثمانية في معان لتصبح منطقة دفاعية قوية وبدء استخدام أهالي معان كدروع بشرية عبر التهديد و الوعيد، ما أدى لجعل المهمة أصعب على قوات الثورة التي خشيت على سلامة أهالي معان بالمقام الأول .

125jpg
عدد من فرسان الثورة في الحملة العسكرية في منطقة غدير الحاج
  • معركة غدير الحاج الثانية

تأتي هذه المعركة بعد اتخاذ العمليات العسكرية طابعها النظامي، واعتماد العمليات العسكرية المدروسة في عمليات تحرير الأرض الأردنية، وكانت قد بدأت في 22 نيسان 1918 أي بعد عام تقريبا من العملية الأولى.

 وقد أورد القائد محمد علي العجلوني في مذكراته عن الثورة العربية الكبرى أن عملية غدير الحاج كانت تمهيدا للمعركة الرئيسية في معان، حيث صدر أمر الزحف إلى جنوب معان للواء الثاني مشاة من الفرقة الثانية، ويذكر العجلوني أنه كان قائدا لإحدى سرايا المشاة، وقد هاجم الفوج استحكامات محطة الغدير وقصفها بالمدافع فاستسلمت المحطة كاملة بعد مقاومة شديدة ووقع العديد من الأسرى العثمانيين و الألمان في أيدي قوات الثورة.

 ويروي العجلوني أن الترك أسروا ضابطا من قوات الثورة برتبة نقيب فقتلوه و من ثم مثلوا بجثمانه، وهنا أراد جميل المدفعي الثأر لروح الشهيد و للفعلة البشعة التي ارتكبها العثمانيون، فتقدم لاختيار أربعة من الأسرى الأتراك لإعدامهم على الفور لكن أخلاق قوات الثورة و رفضهم الذاتي لاستخدام ذات أساليب المحتل العثماني فتم الصفح عنهم ومعاملتهم بإنسانية، واشترك في مقدمة قوات الثورة فرسان عشيرة الحويطات من التوايهة بقيادة الشيخ عودة أبو تايه ويقدر عددهم بـأكثر 200 مقاتل كما شارك بذات العدد فرسان الجازي الحويطات بقيادة الشيخ حمد بن جازي .

وقد بدأت العمليات العسكرية بقصد الاستطلاع أولا وجرى العمل على الهدف في المنطقة كالتالي  :

  • تقدمت مفرزة الاستطلاع المؤلفة من امراء السرايا والمدفعية والرشاش.
  • أثناء وجود قوات الاستطلاع في وادي العقيقة تعرضت القوات للحصار من قبل سرية عثمانية من الخيالة المسلحة فأيقنوا أنهم سيقعون في الأسر ومن ثم سيكون مصيرهم القتل والتمثيل بهم، لكن وهم يعيشون هذه اللحظة الحرجة جاءت لنجدتهم خيالة الحويطات بقيادة الشيخين عودة أبوتايه وحمد بن جازي وتمكنوا من هزيمة السرية العثمانية المحاصرة لهم، وانقاذ قوة الاستطلاع وقد جرح الشيخ الفارس حمد بن جاري في هذ المعركة ونقل الى المستشفى .
  • في 21  نيسان 1918 م أرسل قائد السرية أحد الجنود لمهمة الاستطلاع لكن هذا الجندي لم يعد و اعتبر مفقودا ولم تعرف أخباره إلاّ بعد تحرير محطة غدير الحاج.
  • في 22 نيسان 1918م بدأ العمل على موقع القوات العثمانية حيث تقدمت قوات سرية المشاة من جهة الجنوب وهاجمت القوات التركية في المنطقة وأسندت السرية الثانية هذا الهجوم فاستسلمت القوات العثمانية في هذا الموقع ومن ثم تبعتها بالهجوم على المحطة حيثث بدأ الهجوم بقصف مدفعي تمهيدي ثم زحف المشاة والتحموا مع القوات العثمانية في المحطة بمعركة حامية وانتهت باستسلام قوات المحطة وأسر 300 بين ضابط وجندي تركي و ألماني والاستيلاء على مدفعين رشاشين و أسلحة أخرى وواصلوا عملياتهم بنزع ألف قضيب من قضبان سكة حديد القطار العسكري وتدمير خمسة جسور يستخدمها القطار ومن ثم اتجهت شمالا لتسهم في عمليات تحرير معان.
  • دخلت القوات العربية الى محطة الغدير وطهروها ووجدوا فيها الجندي الذي كان قد أرسل في مهمة استطلاعية – وعدّ مفقودا – مقطوع الرأس داخل المحطة .
  • عادت القوة بعد العملية إلى معسكر الوهيدة غرب معان لتبقى في مهمة الاحتياط لقوات تحرير معان وقد حملت 7 ضباط اتراك و 40 جنديا كأسرى

وبالتالي فإن عملية محطة غدير الحاج الثانية قد جاءت بالنتائج التالية :

  • التأكيد على قطع خطوط الإمداد إلى القوات العثمانية في معان من جهاتها الجنوبية فمحطة غدير الحاج هي الأقرب لمعان على بعد 17 كلم إلى الجنوب ويعني هذا أن قوات الثورة تستطيع أن تراقب وتستطلع المنطقة وتجمع المعلومات تمهيدا للهجوم على القوات العثمانية و الألمانية في معان .
  • تعطيل عصـب المواصلات نهائياً في منطقة الجنوب خاصة بعد اكمال قوات الثورة لمهمتها ما بين عمان والمدورة في تعطيل خطوط القطار العسكري العثماني ونزع القضبان وتفجير العديد من العبارات.
  • اثرت هذه المعركة معنويا بإيجابية في الروح القتالية لقوات الثورة ودفعتهم للعمل بسرعة استعدادا للانطلاق نحو الشمال وتحرير الأرض الأردنية كاملة.

 

  1. محطة الشيدية

محطة الشيدية  بناء منفرد من أجل الحراسة  والشيدية حملت هذا الاسم لكونها منطقة يغلب عليها اللون الابيض أو لون الشيد، وفيها الآن اكبر مناجم الفوسفات في الاردن .

لا تبعد محطة الشيدية عن منطقة غدير الحاج كثيرا وهي تتوسط المسافة إلى عقبة حجاز تقريبا ويجيء ذكرها في العمليات العسكرية في بطن الغول وعقبة حجاز وغدير الحاج.

  1. قلعة عقبة حجاز ( فصوعة ) أو المبروكة

ترتبط هذه المنطقة بحدث سياسى بارز وهو الكشف عن اتفاقية سايكس بيكو ، فقد كان من المقرر الهجوم على هذه المحطة وعلى القلعة، ولكن الكشف عن الاتفاقية وغدر الحلفاء أوجد ارباكا في تنفيذ قرار الهجوم، فطرح بعض القادة فكرة التوجه شمالا فوراً حتى لا يصل البريطانيون الى الشمال أولا ولكن كان الرأي النهائي السير في تنفيذ الهجوم والذي تم بصورة دراماتيكية.

  • عملية عقبة حجاز ( المبروكة )

عقبة حجاز محطة مهمتها هي الحراسة والمحطة و القلعة تشكلان مصدر مياه رئيسي في المنطقة ومن هنا فإنها تكتسب أهمية خاصة وموقعها الجغرافي في منطقة تسيطر على  طريق التقرب والانحدار نحو الجنوب فهي تقع على حافة أودية سحيقة أشهرها بطن الغول.

العملية العسكرية التي تمت ضد محطة عقبة حجاز في حد ذاتها غارة عسكرية سارت من معسكر أبي اللسن جنوب معان سالكة الأودية المحاذية لمنطقة رأس النقب لتقطع المنطقة باتجاه الشرق رأسا الى هذه المحطة

290jpg
دورية عسكرية من قوات الثورة حاملة راية الثورة أثناء مسيرة عسكرية في هذا المسار العسكري لتأمين الحصون فيه

 

  • الوضع السياسي والعسكري بعد الكشف عن اتفاقية سايكس بيكو

ساد القلق والاضطراب بين الضباط ومقاتلي وجنود الثورة بعد وصولهم أنباء اتفاقية سايكس بيكو والتي شارك فيها الروس، لكن بعد الثورة البلشفية نشر الروس وثائق السلطة القيصرية ومن بينها اتفاقية سايكس بيكو على العلن، ما جعل القيادة العسكرية العثمانية تستغل الفرص لتثبط عبر هذه الوثائق همّة مقاتلي الثورة.

حيث أحدثت حالة من الارتباك والشك والقلق حول الكيفية التي سيتصرفون بها مع قوات التحالف التي تقاتل معهم وتتآمر عليهم في ذات الوقت، ومن هنا بدأ الحديث والنقاش يتركز حول أسلوب العمل المقبل، فعرض قادة الجيش على سمو الأمير فيصل خططا للتقدم شمالا والدخول في معارك حاسمة مع القوات العثمانية وذلك لاغتنام الفرصة قبل فوات الأوان، وقبل زحف القوات الانجليزية واستيلائها على الأرض والسيطرة عليها وتنفيذ مخططاتهم، وقد أوردت المراجع التاريخية هذه العمليات وأكدها الذين شاركوا في العمليات العسكرية في تلك الفترة ومنها رواية صبحي العمري الذي كان موجودا في قاعدة أبو اللسن التي انطلقت منها حملة عقبة حجاز .

278jpg
من الشمال إلى اليمين : الأمير زيد بن الحسين ؛ الأمير فيصل بن الحسين ؛ و ووجهاء عشائر في أبو اللسن

وجاءت هذه التوجيهات للانطلاق شمالا وحسم الموقف مع العثمانيين على اثر الفتور الشديد والخمول الذي ساد وأوشك على أن تفرغ الثورة من اندفاعها ومن وميضها، فالهدف كان الاستقلال من الاحتلال العثماني واستعادة السيادة على الأرض، فكيف وهم في غمرة أعمالهم التي توجتها انتصاراتهم العديدة سيشاهدون أنفسهم ينطلقون من حكم أجنبي إلى حكم أجنبي جديد، وقد طلب الثوار من الشريف الحسين بن علي السعي لدى الحلفاء للحصول على تفسير لما يجري لكن الواقع كان مخالفا ومغايرا وجاءت التأكيدات البريطانية للشريف الحسين بن علي على شكل تطمينات، مؤكدين على أن السيادة والاستقلال لن يتم المساس بهما وأن ما يجري هو لتنظيم العمل فى المنطقة ما بين الحلفاء وما إلى غير ذلك من التطمينات غير المنطقية.

  •  تنفيذ عملية عقبة حجاز

 قدم ضباط الجيش مضبطة الى سمو الامير فيصل على خلفية اخبار اتفاقية سايكس بيكو، حيث أمر سمو الأمير فيصل بإسناد القيادة إلى جعفر العسكري، فتحركت الحملة في اوائل شهر نيسان من عام 1918 م والطقس كان غائما باردا فاشتدت العاصفة وهطلت الأمطار بغزارة واصبح استمرار السير صعبا، وعلى ضوء الموقف أمر جعفر العسكري القوات بالعوة الى ابواللسن، وقد تقدمت مجموعة انقاذ من أبواللسن وصادفت العائدين في الطريق وقدمت الاسعاف لهم .

كان تنفيذ هذه الحملة ضروريا للأسباب التالية :

  • وجود قوة عثمانية كبيرة في المنطقة تتمركز في محطة عقبة حجاز وفي القلعة القريبة منها .
  • أهمية هذه المحطة لأنها تسيطر على بداية الطريق المتشعبة باتجاه منطقة وادي رم والديسه والعقبة باتجاه الغرب والجنوب والجنوب الغربي و باتجاه منطقة السهول الشرقية الواسعة نحو الجفر والأزرق وباير.
  • تعتبر مصدرا هاما لتزويد الماء وتخزينها في المنطقة.
  • كما أن تحرير هذه المنطقة يعني تزويد قوات الثورة بمركز قيادي جاهز يؤمن المأوى ومصدر المياه .

لقد ركزت قيادة الثورة على أهمية حرير هذه المنطقة، لكن وبسبب التحولات السياسية  الجديدة والظروف الجوية فقد أعيد التخطيط من جديد للإنطلاق شمالا في سياق عسكري وسياسي نحو الاستقلال.

ويروي البطل محمد علي العجلوني في كتابه ( ذكرياتي عن الثورة العربية )، وقد شارك فعليا في هذه الحملة: ” وقد اتفقت مع الضباط على أن نمضي الليل فى قلع شجيرات الشيح والبلان ومحاولة اشعالها لتدفئة الجنود، خاصة أن حركة القلع ونقل الشجيرات واشعالها تحرك الدم ومضى الليل بطوله الى الصباح ونحن في معركة مع الطبيعة خوفا من الفناء من التجمد،  ولولا ذلك فلا يدري أحد منا كيف تكون عاقبته، ولما أسفر الصباح وفي ظل هذه الظروف جاء القرار بتنفيذ الحملة، ويروي العجلوني أن القرار جاء مفرحا للثوّار وكأنه أنقذهم من حالة سبات وركود الى اندفاع من جديد.

و يقول : ” وبعد بضعة أيام على تلك المباحثات صدر قرار قيادة الثورة بالتأهب للغارة على محطة للقطار العسكري جنوب معان اسمها ” فصوعة ” وتلقيناها بارتياح وكلنا عزم وعلى استعداد للتضحية وفي صبيحة أحد الايام زحفنا فى في كتيبة مشاة بقيادة جعفر العسكري ومعنا بعض المدافع الرشاشة، وكان ذلك اليوم قارسا باردا والجو غائم، وكنا كلما توغلنا في السير رأينا أننا في احترابين مع الطبيعة الغضبى ومع العدو الذي نحن مقبلين عليه، ولما أدركنا المساء ونحن فى مسيرنا رأينا السماء تزمجر و أخذت الأمطار تهطل بغزارة ورافق تهاطلها ذرات الثلج .

 

%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b9%d9%84%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%ac%d9%84%d9%88%d9%86%d9%8a-355x400
البطل محمد علي العجلوني

ويكمل العجلوني بقوله : ” توقف المطر و رجعنا إلى الوراء مذهولين من هول الكارثة وأيدينا متورمة من اقتلاع الشجيرات والبرد على أشده ومررنا بالجمال وهي باركة في الوحل وأكثرها متجمدا فأخذنا معاطفنا فارتديناها واستأنفنا السير إلى أبي اللسن، والتقينا الأمير فيصل ومعه الاطباء ووسائل الاسعاف فآلمتنا مضاعفات الكارثة، و يذكر العجلوني أن لورنس سكت وسكت غيره  ولم يذكروا هذه الحادثة ولو تلميحا في حين أن لورنس يملأ صفحات كتبه بأتفه الأمور التي صاغها بأسلوبه الروائي ليرضي نزعة بعض الغربيين بلذة القصة ومحاكاة الخيال.

ومما زاد الأمر سوءا انه في نفس التوقيت تراجع الجيش البريطاني عن عمان وأنهزم أمام الجيش التركي الرابع وزاد هذا من قلق الضباط و فرسان الثورة وأثّر في معنويات قوّات الثورة، لكن نتيجة لاتصالات الأمير فيصل فقد استجابت القوات البريطانية لمطالبه وأرسلت الإمدادات العسكرية والأدوية وتقرّر البدء بالتخطيط لتنفيذ هجوم شامل على الجيش التركي وحلفائه الألمان النمساويين في معان .

  1. وادي الرتم ( بطن الغول )

أدت هذه المحطة دورا كبيرا في العمليات العسكرية، ولكن لم تشهد أية معركة بعينها إلاّ أن حركة جيش الثورة ووجيوش العدو التركي كانت تتم من خلالها وحولها، وهي محطة مكشوفة يصعب الدفاع عنها اذا ما هوجمت، وفي نفس الوقت يصعب الهجوم عليها لأن المهاجم يكون مكشوفاً ومن مسافة بعيدة حين يتقدم إليها .

  1. حصن طوابي

اسناد المحطات على السكك الحديدية بمواقع دفاعية على شكل حصون هو أسلوب اتبعته القوات التركية في تعزيز الدفاع والحماية لخط مواصلاتها الرئيسي، وتوجد بين المدورة ومعان ثلاثة حصون هي حصن أبو الرتام وحصن عمره وعمير وحصن طوابي ولكن حصن طوابي يتميز عنها كموقع عسكري متكامل للغايات الدفاعية ويمسك منطقة واسعة وهو نموذج دفاعي ولا زالت آثاره باقية حتى الآن.

 مميزات موقع الحصن

لعل الدارس الجغرافية المكان والناظر اليه برؤية عسكرية لن يجد صعوبة في استنتاج أهداف السيطرة على هذا الحصن واسباب اختيار هذا الموقع.

  • حصن طوبى يتوسط منطقة سهلية واسعة دائرية قطرها حوالي 1.5 كلم على الأقل.
  • هذه المسافة الدائرية الفسيحة الخالية المكشوفة تمنع المفاجأة عن قوات الحصن، وتصعب عمليات التسلل إليه من كل جهاته.
  • بعد التلال والمرتفعات عن منطقة الحصن تحول دون استخدام الأسلحة المتوفرة في ذلك الوقت ضد الحصن فهو يقع خارج مدى أسلحة الرشاشات والبنادق التي لا يزيد مداها عن 800 متر فى ذلك الوقت، وبالتالي لن تستفيد أية قوة مهاجمة من التلال والمرتفعات المحيطة لتنفيذ عملياتها.
  • يؤمن الحصن نفسه مراقبة جيدة لارتفاعه وسيطرته على ما مسافته 6 كلم من خط سكة الحديد.
  • يستطيع الحصن أن يؤمن الاسناد أو يتبادل الاسناد مع حصن أبو الرتام ومحطة أبو الرتام شمالا وحصن عمره وعمير ومحطة رملة جنوباً .
  • بتميز بوقوعه على طريق الإمداد والتموين وهو خط القطار العسكري ذاته إضافة لوجود مواقع تموين اضافية شمال محطة أبو الرتام في جبل بطن الغول حيث توجد آثار مخبز ومواقع لتربية الحيوانات ومصاطب امداد الخبز.
  1. عملية محطة تلول الشحم

يذكر لورنس في كتابه اعمدة الحكمة السبعة أن تنفيذ عملية محطة تل الشحم تطلبت جهدا خاصا حيث استخدمت قوات نظامية مسلحة بأسلحة معقدة ويقصد هنا بالمعقدة قياسا مع الأسلحة الحديثة التي كانت سائدة في تلك الفترة، وهو يذكر بإسهاب عن القائد الانجليزي ” داوني ” ويتجاهل دور قوات الثورة وأبطالهم من أمثال محمد علي العجلوني وغيرهم وهم الذين صنعوا المعركة وصنعوا النصر فيها.

ويذكر سليمان الموسى في كتابه لورنس وجهة نظر عربية أن الحملة قد غادرت صباح 30 كانون الأول 1917 بهدف مهاجمة محطة المدورة وأن الحملة في كانون ثاني 1918 سعت إلى نسف خط القطار العسكري بين تل الشحم ووادي الرتم وواجهتهم صعوبات متعددة حيث أنهم من لن يتمكنوا من ذلك دون تعرضهم للكشف من من قبل القوات التركية، لذا اتجهوا نحو الجسر ذي القناطر السبعة وتقدمت السيارة ذات المدفع    ( 10 رطل ) وخربت الجسر ومن ثم اتجهت شمالا نحو محطة تل الشحم وهاجمتها وحققت عنصر المفاجأة للقوات التركية، خاصة وأن الأتراك لأول مرة يشاهدون العربات المصفحة والمدرعة.

والجدير بالذكر أن قوات الثورة قد شاركت في هذه العمليات حول تل الشحم وقاتلت وتعاملت مع الأسلحة الحديثة واكتسبت خبرات جديدة، وقد تميزت المعركة بأنها معركة متكاملة وتكاد الروايات تتطابق عن معركة تل الشحم باستثناء ما يورده لورنس الذي يحاول ابراز ذاتيته وشخصيته بطريقة تلغي دور وبطولة قوات الثورة وحتى أنها تقلل من دور أقرانه من الضباط الانجليز ، رغم أنّ المراجع نفسها تؤكد أن القائد لهذه المعركة هو الشريف ناصر بن علي وساعده الكولونيل الانجليزي ” داوني “.

واذا ما عدنا إلى تسلسل معركة تل الشحم فقد تمت وفق السيناريو التالي :

  • تقدمت القوات المصفحة الى الخندق القريب من المحطة في سكون الليل لتحقيق عنصر المفاجأة مع انبلاج الفجر.
  • تولت المصفحة رقم (1) ورقم (3) نسف جسري القطار العسكري (أ.ب) وفقا لمخطط العمليات والمصفحتين من طراز ( رولز رايس ).
  • بينما تتجه السيارتين المصفحتين من طراز تالبوث لنسف جسور القطار ( د،ف) وفقا لمخطط العمليات الذي تم وضعه وفقا لطبيعة المنطقة.
  • بعد ارتفاع الشمس تكون الرؤية واضحة، تهاجم قوة المركز الجنوبي للمحطة بينما تهاجم قوة أخرى من الشرق، فيما تهاجم قوات العشائر الأردنية من الشمال تحت نيران الرشاشات البعيدة المدى التي فوق المدرعات وتحت حماية مدافع “برودية ” المتمركزة فوق تلة المراقبة.
  • تهاجم قوات الثورة بعد ذلك وراء الدبابات للتقدم نحو المحطة.

وقد تم تنفيذ هذا السيناريو ، والمفاجأة كانت فى سرعة استسلام الأتراك، ولقد حصدت قوات الثورة كثيرا من الأسلحة والتجهيزات فقد روي أن ثمانية من كل عشرة فرسان من فرسان الثورة قد حصدوا اسلحة وذخائر كافية وعادوا الى مضاربهم وقد بلغ مجموعها 200 بندقية و 8000 صندوق مليئة بالخرطوش والقنابل اليدوية والمؤن والملابس.

وعملية تل الشحم والمحطة كانت من العمليات العسكرية الحاسمة لإحكام السيطرة على خط معان والمدورة، وبالتالي عزل الساحة الشمالية عن الساحة الجنوبية .

عملية محطة رملة

تكاد المراجع تجمع أنه لم تحصل أية اشتباكات في هذه المحطة فقد انسحبت الحامية العثمانية قبل وصول قوات الثورة إليها، لكن أهمية هذه العملية تكمن في :

  • اكمال السيطرة واحكامها على مناطق المدورة جنوبا ثم رملة وتل الشحم تماما ، وبهذا تسيطر قوات الثورة على ما مسافته 26 كلم سيطرة تامة وبهذا حققت مبدأ العزل والفصل ما بين القوات التركية في الجنوب والأخرى المتواجدة في الشمال .
  • تركت العملية أثرا معنويا ايجابيا فوصول قوات الثورة إليها وانسحاب الأتراك منها يعطي دلالة على نجاح فرسان الثورة في عملياتهم ومنحهم دفعا معنويا لمواصلة تحقيق الأهداف المنشودة.
  • ركزت قوات الثورة تساندها قوات الحلفاء من مصفحات وهجانة على منطقة المدورة لأنها الحد الفاصل بين مسرح الحجاز ومسرح الأردن.

معارك المدورة

لعل واحدا من أشهر أسباب تسمية هذه المنطقة بالمدورة هي أن هذه الاراضي قد ( دورت ) إلى أملاك السلطان العثماني بعد الاحتلال العثمانى بقليل فسميت الأملاك بالمدورة وغلب عليها اسم المدورة من حينها.

 العمليات العسكرية في المدورة

  • العمليات العسكرية الأولى في شهر كانون الثاني 1918م .

حدثت العمليات العسكرية الأولى ضد الحامية التركية في المدورة في الفترة التي كانت تجري فيها معارك الطفيلة الأولى والتي اعقبت استسلام حامية الطفيلة وانضمام قائدها العربي لصفوف الثورة، ولقد تحركت قوات الثورة يوم 22 كانون الثاني وبدأ الهجوم يوم 23 كانون الثاني بقصف تمهيدي للتحصينات والمواقع في المحطة، وفد اورد الشيخ البطل بن سودان الزوايدة وهو ممن عاصروا هذه العملية من فرسان العشائر الأردنية بأن الأمير فيصل قد نزل في في قاع الديسي ويضيف أن الهدف هو نسف القطار العسكري العثماني الذي كان من المقرر أن يمر في منطقة ” محطة الزلاقة ” وقد قاد العملية الشريف هاشم يوم 22 كانون الثاني 1918م.

 لكن التفصيلات الأكثر وردت في أوراق صبحي العمري كالتالي :

بدأت الهجمات على المحطة يوم 23  كانون الثاني 1918 وقد تألفت القوة المهاجمة التي اعتمدت اساسا على العشائر الأردنية كما يلي:

  • القوات النظامية وتتألف من :
  • عدد محدود من السيارات المصفحة البريطانية
  • سيارات تحمل مدافع جبلية
  • فصيل مدفعي مكون من ( مدفعين )
  • سرية مشاة نظامية
  • قوات العشائر الأردنية و تتألف من :
  • فرسان قبيلة الحويطات بإمرة الشريف هاشم
  • فرسان عشيرة العمران بإمرة الشريف هزاع
  • فرسان قبيلة بني عطية بإمرة الشريف محمد علي البديوي

 أما القوات التركية فقد تألفت من فوج مشاه ومدفعين وسرية رشاشات .

وقد أشرف على العمليات العسكرية الأمير فيصل بن الحسين واستند العملية وقصف مدفعي حيث أسفر الهجوم عن قتل خمسة جنود أتراك واستسلام 15 جنديا وتدمير دبابة، ولكن لم ينجح الهجوم بالاستيلاء على المحطة بشكل تام وانسحبت القوات الى الجفر.

 وقد أورد البطل محمد علي العجلوني أن عشائر بني عطية قد نفذوا هجوما على المحطة وخططوا لخطف بعض الضباط الأتراك للضغط على الحامية العثمانية لتلسيم المحطة.

 

285
قلعة المدورة ومسرح العمليات العسكرية فيها

 العمليات العسكرية في المدورة في شهر نيسان 1918م

من بين عدة مراجع فإن مذكرات الأمير زيد بن الحسين أوردت ذكر عملية عسكرية تمت في شهر نيسان 1918  وتسلسل العملية كما يلي :

  • الاستطلاع بواسطة الطائرات التي كشفت عن وجود قطار عسكري تركي فيها.
  • في 21 نيسان تحركت قوات الثورة إلى الشمال الشرقي على مسافة 6000 ياردة من المحطة .
  • جرى الاشتباك الأولي على مسافة 2500 ياردة قبل المحطة حيث فتحت المدفعية التركية نيرانها وأجبرت القوة المتقدمة على التراجع.
  • كانت المحطة قد تلقت تعزيزات من الجيش العثماني وصلتها من ” الديسي ” وارتفع حجم القوات فيها الى حوالى 500 جندي و ضابط
  • اتضح أن استمرار الهجوم على المحطة لن يحقق الأهداف المطلوبة لذا تحركت القوات العربية الى جنوب المحطة بـ 4 كلم ودمرت أجزاء من خط سكة القطار العسكري العثماني، ثم عادت الى منطقة ” تلول الشحم ” .

العمليات العسكرية في شهر آب 1918

فى سجل الحوادث ضمن أوراق الأمير زيد بن الحسين ورد أن المدورة سقطت بأيدي قوات الثورة في 8 آب 1918، ووقع 96 ضابطا وجنديا تركيا في الأسر وقتل 20 جندي تركي وجرح 30 . وقد نجحت القوات في تحرير المدورة وحققت هدف عزل الساحة الأردنية عن ساحة الحجاز ونجد أن هذه القوة واصلت الهجوم نحو الشمال وفشلت في تدمير نفق عمان ولكنها مهدت إلى حد ما للبدء فى العمليات الشاملة في الأردن

خاتمة

لا يختلف الحديث عن معركة المدورة عن الحديث عن بقية معارك الثورة العربية الكبرى لكن من الواضح هنا التنظيم في الفكر العسكري لقوات الثورة الذي يظهر جليا من خلال التخطيط العسكري لكل العمليات، وهذا يرتقي بالثورة إلى مصاف العمليات العسكرية المنظمة فكرا وعملا وتنظيما ويعطي الثورة صبغة العقلانية في التنفيذ والتخطيط بحيث يتأكد للباحث و القارئ أنها ليست ثورة مجازفة، كما يصفها بعض المؤرخين، ومن خلال مطالعة أحداث معارك المدورة بعملياتها العسكرية الثلاث نلاحظ أن المعلومات غير متكاملة حولها ولكنها تجمع وتؤكد على حدوث الوقائع والتنظيم في الأعمال العسكرية وتظهر الرؤيا البعيدة لقوات الثورة الذين رؤا في تنفيذ هذه العملية تحقيقا لمبدأ الفصل والعزل لساحتي القتال في الحجاز من جهة ، والأردن من جهة اخرى، ونلحظ التصميم في نفوس الثوّار والمقاتلين على انجاز المهمة رغم اتساع الجبهة وصعوبة الظروف القتالية في ضوء عدم توفر الأدوات التي تسهل العمليات العسكرية انذاك .

المراجع :

  1. الثورة العربية الكبرى : الموسوعة التاريخية المصورة ، البحث التاريخي والإشراف الدكتور بكر خازر المجالي ؛ فريق العمل خولة ياسين الزغلوان ، و فريق الفرس الشقراء ، مركز أرض الأردن للدراسات والنشر،2011 ، ص 142-144.
  2. التاريخ العسكري للثورة العربية الكبرى فوق الأرض الأردنية / بكر خازر المجالي، قاسم محمد الدروع 1995 .
  3. الثورة العربية الكبرى : الحرب في الأردن 1917-1918 : مذكرات الأمير زيد / سليمان موسى، دائرة الثقافة والفنون.
  4. المراسلات التاريخية 1914-1918 : الثورة العربية الكبرى. المجلد الأول / أعدها وحققها وكتب حواشيها وترجم بعضها سليمان الموسى ، 1973.
  5. لورانس والعرب وجهة نظر عربية ، سليمان الموسى الطبعة الثالثة 2010م.
  6. المعارك الأولى : الطريق إلى دمشق / صبحي العمري. Early Battles : The Road to Damascus ، رياض الريس للكتب والنشر.

 

المسار الثاني عشر لمعارك التحرير

دور النشميات الأردنيات في الثورة

نشميات الحجايا

14329265_968038110007984_605238304_o

لم تغب شمس النشمية الأردنية عن تاريخ البطولة وكانت دوما المرأة الأردنية ركناً لا هامش في تاريخ التضحيات في سبيل استقلال الأردن وأساساً في التنمية في وقت الرخاء ومنذ القدم  وفي عهد الملك الأردني النبطي الحارث الرابع قام بتوثيق العملة الأردنية النبطية بنقش صورته جنباً الى جنب مع زوجته .

وفي العصر الحديث ضربت جداتنا أروع صور البطولة في مواجهة أربع مائة عام من الاحتلال التركي والتجهيل والفقر والسرقة تحت ستار الخلافة والتجارة بالدين  وسارت النشميات جنباً الى جنب مع فرسان العشائر الأردنية  حتى تحقق الحلم الأردني بالاستقلال وعودة الأردن الى مساره الطبيعي في  الحضارة .

ونحاول في هذا البحث المقتضب سرد أبرز المواقف البطولية التاريخية لنشميات الحجايا في رحلة تحرير الأردن من الاحتلال العثماني

تذكر الوثيقة التابعة لقوات الاحتلال العثماني المرقمة بـ 74 ، الملف : DH-SYS (3-3) 61 أثناء هية الكرك دور فرسان عشائر الحجايا في الذود عن حمى الأردن في تلك الثورة المجيدة التي ربطت بين الثورات الأردنية الصغرى ومهدت للثورة العربية الكبرى حيث تنص الوثيقة بمضونها على : (اصطدم جيش الاحتلال التركي مع فرسان عشيرة الحجايا على مسافة ساعتين شرقي محطة سواقة حيث استشهد فيها  (15) فارس من الحجايا وقتل عدد من العسكر الأتراك).

وأعاد فرسان عشائر الحجايا الكرة يوم لبوا نداء الثورة العربية الكبرى وهذه المرة لم تترك النشمية من الحجايا الفرصة لترتقي شهيدة في سبيل تحرير الأردن من ابشع قرون تجارة الدين التي مارسها المحتل العثماني، وفي نهاية 1917 قام فرسان الحجايا بعملية نوعية ضد القوات العثمانية في محطة الفريفرة شمال الحسا بهدف قطع الإمداد عن قطعان الاحتلال المتكدسة في معسكر بعد القطرانة، وبعد نجاح فرسان عشائر الحجايا بضربتهم التكتيكية التي حاول المحتل الرد عليها في منطقة جرف الدراويش فأرسلت قطعان الاتراك عبر القطار قادمة من حامية معان للانتقام من أجدادنا فثبت أبطال الحجايا ونشمياتهم بوجه المحتل في معركة طاحنة ارتقين فيها شهيدات إلى جوار اشقائهم من شهداء فرسان الحجايا و عرف منهن :

مغيضة ام مفلح المراغية وابنتها، وزوجة علي الصواوية الحجايا، وكفاية الصواوية ، كما تم أسر عدد من حرائر جداتنا من الحجايا من بينهن مغيضة الرديسات التي بقيت لأيام في قلعة الحسا قبل أن يحررها فرسان العشائر الأردنية ويقضوا على حامية القلعة ثأرا لها.

14627834_10211330087748334_2018885857_n
أحد فرسان عشيرة الحجايا حاملا لجثة خطيبته بعد استشهادها على أيدي الغدر العثماني ، و تورد المرويات الشفوية أن أهلها لم يتمكنوا من دفنها لثلاثة أيام إلا بعد أن ترك الفارس جسد خطيبته منتحبا على فقدانها – لوحة للفنانة التشكيلية هند الجرمي

لم تكن لتمر هذه الفعلة الدنيئة من محتل اعتاد الغدر والقتل والحرق في تاريخه البغيض فتنادى فرسان العشائر الأردنية تحت راية الحجايا وأعادوا الكرة على المحتل التركي وساندتهم قوة نظامية من قوات الثورة العربية الكبرى فحملوا على الاتراك المغول حتى انبثقت ساعة النصر ورفعت راية الثورة العربية الكبرى على محطة جرف الدراويش لتكن لبنة جديدة في طريق الاستقلال الأردني الذي جبل بدم جداتنا وأجدادنا .

 

المراجع:

  1. المقتبس،ع615 (4 اذار 1911م) ، ص2
  2. سليمان حماد القوابعة، الثورة العربية الكبرى (معارك الطفيلة-صور من البطولة) ، أزمنة للنشر والتوزيع، ط1، 2008
  3. الثورة العربية الكبرى : الموسوعة التاريخية المصورة ، البحث التاريخي والإشراف الدكتور بكر خازر المجالي ، مركز أرض الأردن للدراسات والنشر،2011.
  4. الريس،منير الريس،الكتاب الذهبي للثورات الوطنية في المشرق العربي،ط1 1969

نساء الثورة – نشميات الحجايا

نهضة التعليم في الأردن 1918 – 1946

عانت الأردن تاريخياً من سياسة التجهيل والتهميش في مجال التعليم من قبل المحتل العثماني إلى جانب بقية المجالات الأخرى ، فقد كان الأردن قبل عام 1918 يخضع لسيطرة الدولة العثمانية التي تحكم بالوكالة وبشكل شكلي، وتتم إدارة الكثير من شؤون الأردن من خارج أراضيه حيث كان التعليم يقع في أدنى قائمة اهتمام السلطات العثمانية. (علي محافظة:ص 147).

التعليم في الأردن في الفترة ما بين 1516-1940

وقد كان الأردنيون تاريخيا يعلمون مدى الأهمية القصوى للتعليم كونه وسيلة لتحرر الشعوب وتنورها ، فعمدوا إلى إقامة الحلقات العلمية ونظام التعليم الأهلي المعروف بالكتّاب، وهي وسائل وحلول بديلة لجؤوا لها، وكانت تدُرّس المبادئ الأساسية للعلوم الطبيعية والرياضيات واللغة العربية إلى جانب العلوم الدينية، وقد يظن البعض أنه حتى هذا النوع من التعليم كان بدعم من النظام العثماني إلا أن هذا غير دقيق اطلاقا فكافة هذه الكتاتيب أنشأت بمنظومة العون العشائري أي بدعم وتمويل ذاتي وكامل من أهالي المنطقة من أبناء العشائر الأردنية. وكانت هذه المبادرات المجتمعية للأردنيين هي الوسيلة الوحيدة لمحاربة مستويات الأمية المرتفعة جدا التي صبغت المنطقة وغطتها بسواد الجهل طيلة أربعة قرون من الحكم العثماني ، بعد الآف السنين من الريادة العلمية ابتداءً بكيميائيي عين غزال ومروراً بمصَنعي “ايدوم” ومهندسي الأنباط وفيزيائي جرش (نيكوماخوس NIKO Makhos) على سبيل الأمثلة لا الحصر،  وصولا ً لمدارس الحضارات الإسلامية السابقة ( أيوبيين و مماليك ) كالمدرسة السيفية وكلية عجلون ، فقد اختفى هذا كله بعد دخولنا في النفق العثماني المظلم.

 من الواضح أن اهتمام المحتل العثماني كان منصرفا بالدرجة الأولى إلى بسط نفوذه وتأمين طاعة السكان وخضوعهم، بالإضافة إلى جمع الضرائب وإخماد الثورات والتجنيد الإجباري، فضلا ً عن أن اهتمامه هذا لم يكن ينعكس طردياً على حياة السكان في مجالات الحياة وأهمها الصحة والتعليم، فقد كان للمحتل رغبة في عدم الإنفاق على هذه الغاية النبيلة، وكانت الإدارة العثمانية تفضل أن يبقى الجهل سائدا ً ومستمرا ً حتى تتمكن من السيطرة المطلقة على المنطقة دون وجود من يهدد وجودها، وما يرتبط بذلك من قدرة عمالها وضباطها على التلاعب بالحسابات وتقدير السن كما يحلو لهم لغايات التنجيد الإجباري وتزوير سندات الأراضي والممتلكات ونقل ملكياتها لأتباعهم والموالين لهم ، وبعض من قاموا بتوطنيهم في الأراضي الأردنية لخلق مجتمعات موالية لهم ولذلك كان انتشار الأمية وعدم قدرة الكثيرين على التعلم ومن ثم قراءة الوثائق والتعليمات والأوامر عاملاً مساهماً في هذا كله.

ولزيادة الأمر سوءاً فإن أوامر النظام العثماني صدرت بعدم السماح لغير الناطقين باللغة التركية من أبناء المنطقة بالتقدم للمواقع الإدارية والعسكرية العليا أو التدرّج فيها، وذلك إمعانا بالظلم والتهميش ولإبعاد وإقصاء أهل المنطقة عن مواقع السلطة والإدارة المحلية والقدرة على تقرير المصير، وبينما كنا نعاني من كل هذا ونغرق في الوحل الذي صنعوه لنا، كانت اسطنبول تعج بالعلم والعلماء وتزدهر وتبني حضارتها الحالية بأموالنا وضرائبنا ودمائنا وثرواتنا ومواردنا، ويظهر مما تقدم بشكل جلي أن الأمر غير متعلق بنهج عام يتعلق بالتعليم وانما هو نهج خاص وواضح يتعمد بإهمال هذه البقعة الجغرافية وأصحابها وتغييبهم عن كل ما فيه مصلحتهم.

بداية التعليم المتأخرة

عمدت الحكومة العثمانية بخجل إلى إنشاء عدد من المدارس الابتدائية كمجاملات أو محاولات استرضاء واستجلاب بعض المنافع لها فإذا ما تتبعنا السالنامة العثمانية، كمصدر من مصادر توثيق أوضاع المدارس والتعليم في قضاء عجلون (الذي يشمل عجلون واربد)،  فنجد أن هناك الإشارات الأولى التي تشير لبداية وجود المدارس تعود لعام 1872 كما يوضح الجدول رقم 1 المرفق أدناه، والذي يوضح وجود مكتب واحد في القضاء يتلقى التعليم فيه عشرة طلاب، إلا أن هذا المكتب كان من نوع الكتاتيب الخاصة، وليس مدرسة رسمية بالمعنى المفهوم للكلمة، ففي هذا العام جاء الشيخ عيسى الأحمد العبد الملكاوي (من وجهاء قرية ملكا) إلى اربد، وافتتح مكتبا لتعليم الأولاد في غرفة واحدة في (دار أحمد السكران)، ثم انتقل الى غرفة  ملاصقة للجامع الغربي، فكانت هذه هي أول ما تم الإشارة له على أنه مدرسة وهذا ما يتكرر بأغلب ما يسمى بأنه مدارس في ذاك الوقت.

إن  أقدم إشارة متوافرة حول افتتاح مكتب ابتدائي كمدرسة حقيقية في مركز القضاء تعود لعام 1882 أي أن أول توثيق متوافر لافتتاح مدرسة ابتدائية، يعود لما بعد أكثر من 3 قرون ونصف من بداية الاحتلال العثماني للمنطقة، وتعود استفاقة العثمانيين في استنبول لوقف التهميش الممنهج للأردن إلى انقلاب عثمانيي مصر واستخدامهم للأردن للعبور باتجاه دمشق بدون أي مقاومة عسكرية للدولة الغير موجودة ” فيزيائيا ” مما اضطرهم لإجراء بعض عمليات التنمية والتطوير لتبرير وجود القوات العثمانية وحلفائها في المنطقة.

وقد شهد العام 1882  أول جهد يمكن وصفه بمنهجية دولة في مجال التعليم وجرى ذلك ضمن ادارة المعارف في لواء حوران حيث افتتح عدد من المكاتب الابتدائية في مراكز الأقضية ومن بينها عجلون، وكان هذا المكتب مؤلفا ً من أربعة محلات، ويتسع لحوالي (150) تلميذا ً من بينها محل للتدريس وحجرة مخصّصة للمعلم .

وفي عام 1885، يشار لمكتب ابتدائي واحد فقط في القضاء ( قصبة اربد )، يتلقى التعليم فيه (30) طالبا، وفي عام 1892 يشار لمكتبين أحدهما في قصبة اربد فيه معلم واحد فقط، ويتلقى التعليم فيه (49) تلميذاً، ومكتب آخر جديد في قرية جرش، فيه معلم واحد وعدد طلابه (51) طالبا، وبعد ذلك بعام 1893 يشار لوجود مكتب ابتدائي في بلدة الحصن، وابتداء من عام 1893، يشار لمكتب رابع في قرية كفرنجة، مركز ناحية كفرنجة، ولا تتفق هذه المعلومات مع الإحصائية التي توردها السالنامة لعام 1898، فسالنامة عام (1312 مالية / 1885م) تورد أن عدد المكاتب الابتدائية في القضاء يبلغ (15) مكتبا ً رسميا، وهذا الاضطراب مردُّه بالدرجة الأولى الى اضطراب معلومات السالنامة التي تلجأ في بعض الأحيان إلى دمج المكاتب الأهلية (الكتاتيب) عند اشارتها لعدد المدارس الرسمية، وهذا يعني بطبيعة الحال تضخيما للرقم الحقيقي وتلاعبا ً بدقة البيانات الخاصة (عليان الجالودي ، قضاء عجلون ، ص 362 – 363 ).

أما المدارس الرشدية، التي تعادل المدارس الابتدائية الكاملة في أيامنا فلا اشارة لوجودها في القضاء قبل 1895.

وساهم الأهالي مساهمة فعالة في إنشاء المدارس في قرى القضاء مما يعكس بالتالي الإقبال المتزايد على العلم والمعرفة، كما يلاحظ أيضا ً أن اهتمام العثمانيين بالتعليم في منطقة عمان وجوارها بدأ متأخرا ً، إضافة إلى كون العملية بطيئة أصلاً، وقد كان تعليم أبناء شيوخ العشائر يتم في مدارس أعدت خصيصا ً لهذه الغاية، مهمتها تطويع هؤلاء الطلبة وإعدادهم مستقبلا ً للولاء للسلطان والدولة فقط لا للتعلم والمعرفة بحد ذاتها، فقد كانت هناك ثلاثة مكاتب تعليمية هي مكتب وادي السير ومكتب عمان، ومكتب مادبا، وجميعها أنشأت عام 1900، وكان الإنفاق على هذه المكاتب يتم عن طريق الإعانة، أي عن طريق تغطية الأهالي لتكاليف التعليم. (نوفان الحمود ، ص 207 – 2010) .

تجهيل ممنهج وجهود مسروقة

وفي عام 1910 ، كانت هناك محاولات لافتتاح عشرين مدرسة ابتدائية، وتقرّر أن يتحمل الأهالي نفقات البناء وأجرة المعلمين رغم أن الضرائب الجائرة التي تبتدأ ب25% على الدخل لم تتوقف منذ أربعة قرون لكن بلا أي مردود، وعلى الرغم من جمع الأموال المطلوبة من الأهالي واحضار المعلمين للتدريس في هذه المدارس، ودفع رواتبهم مقدماً، إلا أن الحكومة العثمانية قررت منع تلك المدارس والمكاتب المزمع افتتاحها من قبل الأهالي، وكان سبب المنع هو أن المعلمين الذين اختيروا للتدريس فيها لا يتقنون اللغة التركية.

     ومن الأمثلة على قيام العثمانيين بتفتيت جهود الأهالي وإقبالهم على إنشاء المدارس، قيام أهالي قرية الرمثا عام 1913 بجمع مبلغ (156) ليرة عثمانية لتأسيس مدرسة في قريتهم، إلاّ أن السلطات العثمانية تحججت بعدم وجود معلم يتقن لغة الاحتلال التركية ليتولى التدريس فيها ليحول ذلك دون تحقيق تلك الأمنية، لكن الأهالي لم يستسلموا لهذا التحدي عبر استعادة الأموال التي جمعوها بل قاموا بإيداع المبلغ في صندوق مال اللواء كأمانة حتى تتمكن إدارة اللواء من توفير معلم للقيام بتلك المهمة، إلا أن متصرف اللواء قام بإنفاق المبلغ دون وجه حق وكما جرت العادة بدون استشارتهم وبسلوك ” المزرعة ” المخيّم على المنطقة طيلة فترة تواجد العثمانيين ، وقد أنفق العثمانيين المبلغ هذا في صيانة بلاط مقر سرايا الحكومة الخاص بالمتصرف العثماني وحاشيته. (عليان الجالودي ، ص 362 – 365)

المدارس الرشدية

 وهي مدارس تعادل المدارس الابتدائية الكاملة في أيامنا، ولا يشار لوجودها في القضاء أبدا ً قبل عام 1895، حيث وجدت مدرسة رشدية في قصبة اربد بالرغم من أن ملفات المدرسة تشير إلى أن تاريخ انشائها كان عام 1900، ومن المؤكد أن هذه المدرسة كانت تطويرا ً للمدرسة الابتدائية التي كانت موجودة منذ عام 1882 . (عليان الجالودي ، قضاء عجلون ، ص 364).

 تجدر الإشارة إلى أن هناك العديد من الدراسات التي ذكرت عدد من المدارس المسجلة في السالنامة ، في العديد من المناطق منها كثربا 1897م ، الشوبك 1899 م ، وادي السير 1903م ، عمان 1903م ، مادبا 1903م ، النعيمة 1910م ، عين جنا 1910م ، عنبة ، سموع ، وايدون ، المزار ، ملكا ، الطيبة ، حرثا ، كفرسوم ، كفر أسد ، بشرى ، حوارة، الصريح ، مكيس ، خنزيرة ، كفر عوان ، عشائر بني حسن ، دير أبي سعيد ، وجميعها للذكور وانشأت عام 1910 م . (هند أبو الشعر ، تاريخ شرقي الأردن ، ص 560 -562) . كما تجدر الاشارة إلى أن هناك بعض الدراسات التي ذكرت أن السالنامة أحيانا ً تورد أسماء المدارس الأهلية (الكتاتيب)  كمدارس رسمية.

مدارس الاناث

وفي عام 1884م ، ذكرت السالنامة أن هناك مكتب رشدي في قضاء عجلون فيه 10 طلاب ذكور، و الإشارة الوحيدة إلى مدارس البنات في قضاء عجلون وردت سنة 1884، وهو مكتب للاناث تتلقى فيه 110 طالبات تعليمهن. وتحدد سالنامة 1896، أن في القضاء مكتبان لتعليم البنات واحد في الحصن والثاني في جرش (هند أبو الشعر، اربد وجوارها، ص 548-549) . وبذلك نجد أن مدارس البنات الرسمية تأخرت في نشأتها مما أثر سلبا ً على الوضع التعليمي في المنطقة.

كما افتتح في السلط مكتب رشدي للإناث عام 1891، وعدد طالباته 38 طالبة (سالنامة ولاية سوريا لسنة 1309 هـ / 1310هـ/1891). إضافة إلى مكتب رشدي في الحصن للإناث عام 1896م ، (سالنامة ولاية سوريا لسنة 1312 مالي / 1896م ، 267). ومكتب آخر في جرش عام 1896م (هند أبو الشعر ، تاريخ شرقي الاردن ص 560 ) .

وبهذا ومع تجاوز عدم دقة التقارير العثمانية التي كانت تشمل الكتاتيب كمدارس ومع أن هذه المدارس ليست الا من تبرع وجهد الأردنيين فقط فإن العدد الكلي حتى عام 1918 كان 39 مدرسة كما يبين الجدول رقم 1  المرفق أدناه ، وبالإشارة إلى تعداد الأنفس عام 1921 الذي يظهر وجود 230000 نسمة (مئتان وثلاثون ألف نسمة) نصفهم من المدن والفلح والنصف الآخر من المرتحلين موسمياً أو بشكل دائم (ماري ويلسون، بريطانيا ونشوء الأردن، 1987، مكتبة كامبريدج للشرق الأوسط). ولو افترضنا أن هذا العدد كان 200 ألف فقط عام 1918 وأن ربعهم فقط (وهذه نسبة غير طبيعية الا بالدول التي تعاني الشيخوخة) من الأطفال في سن المدرسة، فان 50 ألف طالب كان مخصص لهم 39 مدرسة أي بمعدل 1282 طالب لكل مدرسة هي بالأساس غرفة أو اثنتين تم بنائها من قبل الأهالي المتخمين بالضرائب الجائرة المبتدئة ب25% على الدخل.

وعند استعراضنا لأول 28 عام بعد زوال الاحتلال العثماني خلال فترة الاستقلال الأولي وحتى الاستقلال النهائي عام 1946 كما في الجداول 2 إلى 4 المرفقة أدناه فإن القارئ للأرقام يمكنه عمل المقارنات الاحصائية البسيطة التالية والمبينة في جدول المقارنات أدناه :

جدول المقارنات
المقياس19181922نسبة الزيادة خلال 4 أعوام 1928نسبة الزيادة خلال 10 أعوام 1946نسبة الزيادة خلال 28 عام
عدد المدارس394412.8%5233.3%7797.4%
عدد الطلابحد أدنى 7453316531239.8%10729223.5%
عدد المعلمين8112048.1%216167%
عدد الطالبات31859988.4%2056547%
نسبة الاناث من العدد الكلي9.5%11.2%1,7%19.2%9.7%

وكما يظهر جدول المقارنات أعلاه فإن الدولة الأردنية الناشئة وبعد دفع جل تكلفة تحرير الإقليم من الاحتلال بشرياً ومادياً، استطاعت رغم كل ذلك وخلال 28 عام وقبل استقلالها النهائي عام 1946 أن ترفع عدد المدارس بما يقارب الـ 100% وعدد الطلبة بما يقارب نسبة 225% وعدد المعلمين إلى ما يقارب 170% وعدد الطالبات الى ما يقارب 547% وعدد الطالبات كنسبة من عدد الطلبة الكلي بما يقارب الـ10%.

وقد قمنا في إرث الأردن بوضع هذه المقارنات في انفوجرافيك توضيحي ، على النحو التالي :%d8%b2%d9%8a%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%a3%d8%b9%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%85-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b1%d8%af%d9%86

جدول رقم (1)

التعليم الرسمي في قضاء عجلون 1864 الى 1918

الرقم التسلسليموقع المكتبدرجة المدرسةسنة الإنشاءنوعهعدد الطلبةالمصدر
1عجلونابتدائي

كان هذا المكتب من الكتاتيب الخاصة، وليس مدرسة رسمية بالمعنى المفهوم للكلمة

1872ذكور10 طلابسالنامة، ولاية سوريا، 1289هـ، 1872م، 156
2عجلونابتدائي تألف من 4 محلات1882ذكوراتسع لحوالي 150 طالبجريدة سوريا، العدد 910، ت: 27 ج، 1300 هـ، 1882م
3قصبة اربدابتدائي1885مذكور30 طالبسالنامة سوريا، 1303 هـ/ 1885م، 187 – 193
4قرية جرشابتدائي1892مذكور51 طالبسلنامة سوريا،1309 هـ/ 1892، 341
5بلدة الحصنابتداي1893مذكورسالنامة سوريا، 1310 هـ / 1893م، 22
6ناحية كفرنجة (المركز)ابتدائي1897مسالنامة سوريا، 1315 هـ/ 1897م، 205
7السلطرشدي1874مذكور274 طالبسالنامة ولاية سوريا، 1291هـ/ 1874م، 160 وسالنامة سنة 1292هـ/ 1875، 148
8الكركرشدي1894مذكورسالنامة ولاية سوريا، لسنة 1312هـ، 1894م/ 1895م. 225
9معانرشدي1897مذكور31 طالبسالنامة ولاية سوريا لسنة 1315هـ/ 1897م، 222. ولسنة 1317 هـ/ 1899م، 233.
10الطفيلةرشدي1897مذكور32 طالبسالنامة ولاية سوريا لسنة 1315هـ/ 1897م، 222 ولسنة 1316هـ/ 1898م، 228.
11قضاء عجلونرشدي1884مذكور10 طلابهند ابوالشعر، اربد وجوارها، ص ص 548 – 549
12قضاء عجلونرشدي1884ماناث110 طالبةهند ابوالشعر، اربد وجوارها، ص ص 548 – 549
13السلطرشدي1891ماناث38 طالبةسالنامة ولاية سوريا لسنة 1309 هـ / 1310 هـ/ 1891
14الحصنرشدي1896ماناثسالنامة ولاية سوريا لسنة 1312 مالي/ 1896م، 267
15جرشرشدي1896ماناثهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن ص 560
16كثربا1897مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
17الشوبك1899مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
18وادي السير1903مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
19عمان1903مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
20مأدبا1903مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
21النعيمة1910مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
22عين جنا1910مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
23عنبة1910مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
24سموع1910مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
25ايدون1910مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
26المزار1910مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
27ملكا1910مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
28الطيبة1910مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
29حرثا1910مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
30كفرسوم1910مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
31كفر أسد1910مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
32بشرى1910مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
33حوارة1910مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
34الصريح1910مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
35مكيس1910مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
36حنزيرة1910مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
37كفر عوان1910مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
38عشائر بن حسن1910مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562
39دير ابي سعيد1910مذكورهند أبوالشعر، تاريخ شرقي الاردن، ص 560 – 562

 

التعليم في عهد الاستقلال والنهضة وبناء الدولة الحديثة

  شهد الأردن منذ عام 1921 ، وحتى اليوم نهضة تعليمية جبارة لا تكاد تصدق خاصة في ظل مجموعة كبيرة من الظروف الصعبة ، لم يكن أولها تبعيته لسيطرة واحتلال دام لأربعة قرون من التردي في غياهب الظلام العثماني بعد أن كان الأردن من رواد العلوم يصدّر العلماء والمتعلمين من أبناءه للعالم ، كما في حالة ابن القف الكركي وغيره من العلماء بالطب والفلك وكافة المجالات ابان العهد الأيوبي والمملوكي قبل حلول ظلام العثمانيين.

ولم يكن آخر هذه الظروف القاهرة شح إمكانيات الاردن، وافتقاره إلى الموارد الاقتصادية ، فعلى الرغم من نقص الثروات المادية ، وتعرضه لكثير من الهزات والتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، إلّا أنّه استطاع أن يسير قدما بخطى ثابتة وأن يتبوأ منزلة رفيعة ومكانة لائقة ليس فقط بين الأقطار العربية فحسب بل على المستوى العالمي، وفي أقل من 100 عام ، وذلك بفضل كفاح أبنائه وتصميمهم على الجد والعمل واخلاص قادته ونجاعة مشروعهم النهضوي التنويري .

 فبعد تأسيس الإمارة الأردنية عام 1921 ، بلغت ميزانية التربية والتعليم في العام ذاته ستة آلاف جنيه استرليني بوقتها وبنسبة كبيرة من الميزانية الاجمالية، ثم ارتفعت إلى 22,582 دينارا في عام 1928-1929، وبذلك كانت النقلة الحضارية الأبرز بعدما افتقرت البلاد للتعليم في ظل الاحتلال العثماني (محمود عبيدات ، وعبدالله الرشدان ، ص 9) .

 بعد ثورة العشائر الأردنية واسنادها لقوات الثورة العربية الكبرى في العمليات العسكرية ضد قوات المحتل العثماني وحلفائه الألمان والنمساويين عملت الحكومات المحلية المنتخبة من الأهالي والتابعة للحكومة الهاشمية الفيّصلية على إنشاء المزيد من المدارس ، واتخذت قرارا ً بالغ الأهمية وهو أن يكون التدريس باللغة العربية واستبعادها للغة الاحتلال التركية، ورافق هذا القرار قرارٌ آخر أكثر أهمية وهو أن تكون اللغة العربية وحدها اللغة الرسمية في دوائر الدولة ومصالحها، وتم تعيين إداريين ومعلمين من أبناء المنطقة وجوارها محل الإداريين والمعلمين الأتراك، وكانت البلاد في أمس الحاجة لهذا القرار، بعد أن كادت اللغة التركية ترسخ جذورها في النخب التعليمية والفكرية.

ويتبين من دراسة فريدة في بابها للدكتور محمد عدنان البخيت والباحث محمد يونس العبادي، عن مدرسة قرية ماحص في محافظة البلقاء أن الحكومة المحلية قد أنشأت تلك المدرسة خلال الأشهر الثلاث الأولى من قيامها (تشرين الأول – كانون الأول 1918)، وهذا دليل على نشاط تلك الحكومة في مجال نشر التعليم (مجلة دراسات ، العدد 11 ، 1985، 339-363). و (سليمان الموسى : ص 169 ، 170).

وضع أبناء الأردن التعليم نصب أعينهم بعد أن لبّت الثورة العربية الكبرى طموحاتهم، وذلك إدراكا منهم أنه السبيل الأهم لنهضتهم ورفعة شأنهم، فهما أمران لا يأتيان إلا بالتعليم الذي ظل غائبا ً وبعد استقلالهم المستحق عبر الثورات الصغرى الساعية لحكم مركزي محلي مستقل .

واذا استعرضنا التطور القانوني والتنظيمي ، للمسار التعليمي في الأردن منذ الاحتلال العثماني نجد أن قانون “التدريسات الابتدائية” قد صدر عام 1913، وقد ظّل الأردنيون مجبورين على القبول بهذا القانون نظرا ً لافتقادهم لمقاليد الإدارة رغم إدراكهم لرجعيته، وفور تأسيس الإمارة عملوا على استبداله بمجلس للتعليم كان من بين صلاحياته : اختيار المعلمين ، والإشراف على المناهج ، وفي عام 1926 تم استبداله بمجلس آخر سُمي المجلس الاستشاري للتعليم (عبيدات والرشدان:ص 25) ، تبع ذلك ، إصدار نظام المعارف عام 1939 ، الذي قضى بتأسيس المدارس الأميرية و إدارتها وتفتيشها من قبل إدارة المعارف (أحمد بطاح ، ص 13).

  وشهد عدد المدارس في عهد الإمارة تطورا ً تدريجيا ً وارتفاعا ً سريعا ً مباشرا ً في البنية التحتية للعملية التعليمية ، فقد كان عدد المدارس عام 1922-1923 ، (44) مدرسة إلى أن وصل عام 1930-1931  إلى  ما مجموعه (54) مدرسة ، كما شهدت المسيرة التعليمية تطورا ً موازيا ً في عدد الطلبة فقد وصل عدد الطلبة الملتحقين في المدارس عام 1922-1923 إلى ما مجموعه 3316 طالبا وطالبة ، منهم 2998 طالب و 318 طالبة (عبيدات والرشدان ، ص ص 33 – 34).

كان واضحا ً وملموسا ً حجم التغير الكبير الذي شهده الأردن منذ انتهاء عهد الاحتلال العثماني، وكيف بدأت معالم النهضة بشكل حقيقي منذ الإعلان الأول عن تحرير الأرض الأردنية من السيطرة العثمانية و رفع رايات الثورة في أنحائه .

  وقد جاء في أول احصاء عن التعليم خلال شهر آيار 1921 ، أن المدراس الحكومية في الأردن (باستثناء منطقة معان ، العقبة ، وادي موسى ، الشوبك ، التي كانت تابعة للحكومة الهاشمية الحجازية آنذاك)،  كانت تتألف من مدرستين ابتدائي كامل ، و 23 مدرسة ابتدائية غير كاملة ، يعمل فيها 53 معلما ً و 6 معلمات ( خير الدين الزركلي ، عامان في عمان ، ص ص 77-78).

وتأكيدا ً على اهتمام الحكومة الأردنية بتنظيم و إدارة هذا الهيكل المؤسسي المهم في الدولة الأردنية فقد صدرت تشريعات متعددة نظمت بموجبها شؤون التربية والتعليم في إمارة شرق الأردن ، فقد نشرت جريدة الشرق العربي نظام المدارس في الأول من حزيران سنة (1925م) الذي يحدد وظائف المديرين، والمعلمين، والمفتيين ، وواجبات التلاميذ والعقوبات التي تفرض عليهم والعطل الرسمية ، وقد اشتمل النظام على (83) مادة .(جريدة الشرق العربي ، عمان ، عدد 106) .

جدول رقم (2)

مقارنة احصائية لعدد المدارس والطلبة والمعلمين في الاردن

السنة الدراسيةعدد المدارسعدد الطلبةعدد المعلمين
1922 – 192344331681
1923 – 1924503388115
1924 – 1925443257110
1925– 1926493674119
1926 – 1927513914118
1927 – 1928524143121
1928 – 1929525312120
1929 – 1930534415120
1930 – 1931544998122
1931 – 1932585239134
1932 – 1933605249134
1933 – 1934695560148
1934 – 1935695982153
1935 – 1936685842154
1936 – 1937686516154
1937 – 1938707398163
1938 – 1939748512181
1939 – 1940749605182
1940 – 19417410150184
1941 – 19427310364184
1942 – 1943749852186
1943 – 1944699607188
1944 – 1945699489197
1945 – 1946698874201
1946 – 19477710729216

جدول رقم (3)

عدد الطلبة من عام 1922م لغاية 1947م

السنة الدراسيةذكوراناثالمجموع
1922 – 192329983183316
1923 – 192429854033388
1924 – 192529043533257
1925 – 192632763983674
1926 – 192734724423914
1927 – 192835455984143
1928 – 192947135995312
1929 – 193038715444415
1930 – 193144105884998
1931 – 193244637765239
1932 – 193343279225249
1933 – 1934451410465560
1934 – 1935478411985982
1935 – 1936465211905842
1936 – 1937532511916516
1937 – 1938608413147398
1938 – 1939707414388512
1939 – 1940773118749605
1940 – 19417255189510150
1941 – 19428365199910364
1942 – 1943795518979852
1943 – 1944775018579607
1944 – 1945764518449489
1945 – 1946691819568874
1946 – 19478673205610729

 

 

      وقد خصصت الحكومة الأردنية الأردنية جزءا ً مهما ً من ميزانيتها ونفقاتها لغايات الانفاق على إدارة المعارف (التربية والتعليم) ويتضح من الجدول التالي الارتفاع التدريجي المتصاعد لنسبة الانفاق تزامنا مع ارتفاع أعداد المدارس والطلبة والمعلمين في الإمارة، بينما كانت تبرعات الأهالي لبناء المدارس إبان العهد العثماني تنهب وتصرف في غير وجه حق في ظل غياب الدعم المالي للإدارات العثمانية المتعاقبة .

 

جدول رقم(4)

مخصصات التعليم السنوية في ميزانية الدولة العامة بالجنيه ( العملة الرائجة قبل سك الدينار الأردني )

النسبة المئويةنفقات المعارفالنفقات العامة للدولةالسنة المالية
4.4%118202679871924 – 1925
5.1%143042784591925 – 1926
6.02%182323025201926 – 1927
6.9%197382820731927 – 1928
7.2%222743075551928 – 1929
7.06%223503161471929 – 1930
6.3%234823675161930 – 1931
6.4%217003380461931 – 1932
6.4%234293532271932 – 1933

 

كانت الشهادات التي تمنح للطلبة في عهد الإمارة على النحو التالي :

  1. شهادة الدراسة للثانوية  : وقد بدأ الامتحان عام 1933-1934، حيث تخرج في هذا العام 11 طالبا ً .
  2. شهادة الدراسة الابتدائية : وكانت تمنح للطلبة الذين أنهوا الصف السابع الإبتدائي ، ونجحوا في الامتحان العام الذي تقدمه الوزارة في نهاية هذا الصف، وقد ظهر أول امتحان لهذه الشهادة عام 1944-1945 ، حيث تخرج في هذه السنة 144 طالب وطالبة .
  3. شهادة الثانوية الكاملة : وكانت تمنح لطلبة الرابع الثانوي دون أن يتقدم الطالب فيها لامتحان عام، وكانت أول شهادة ثانوية تمنح للطلبة عام 1925-1926 ، وكان عدد الناجحين في هذه السنة أربعة طلاب يدرسون في مدرسة السلط وهي الوحيدة التي تمنح مثل هذه الشهادة .
  4. شهادة الثانوية المتوسطة : وكانت تمنح لطلبة الصف الثاني الثانوي وقد نجحت أول دفعة في هذه الشهادة عام 1925-1926 ، حيث بلغ عددهم 23 طالبا ً وطالبة .
  5. الشهادة المدرسية المهنية : وقد تخرجت أول دفعة فيها عام 1926-1927 ، حيث كان عددهم نحو 15 طالبا .
  6. الشهادة الابتدائية : وقد بدأت قبيل عهد الإمارة بقليل ، وكان تمنح في معظم مدارس القرى في مستوى الصف الرابع الابتدائي .

الاستراتيجية التربوية إبان النهضة

تميزت الاستراتيجية التربوية في عهد الإمارة بما يلي :

  1. تأسيس المدارس الحكومية بما يتناسب مع امكانيات الإمارة ومواردها .
  2. السماح لأي جهة بإنشاء المدارس بما لا يتعارض مع قوانين وأنظمة الدولة .
  3. جعل التعليم مجانيا ً ، وملزما ً .
  4. الإشراف والتوجيه التربوي لكافة المدارس .
  5. تشجيع الحركات العلمية ، والأدبية ، والأعمال الكشفية ، والألعاب الرياضية ، والترفيه والفنون بكافة أشكالها .

كما أن هناك العديد من الوزارات كانت وما زالت معنية بالتربية والتعليم ، إلى جانب وزارة التربية والتعليم التي أبرز من مهامها توفير التعليم الإلزامي والثانوي والأكاديمي والمهني والإشراف على العملية التعليمية ، فقد أسهمت وزارة الدفاع بتوفير التعليم للمرحلة الإلزامية وإعداد الفنيين عن طرق مشاغل الجيش ، إضافة الى وزارة الشؤون الإجتماعية التي تتولى تأهيل الطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة ، ووزارة الصحة التي من مهامها تعليم المهن الطبية إضافة إلى الإشراف على صحة الطلبة في كافة المراحل التعليمية .

المراجع :

 

  • سليمان الموسى ، من تاريخنا الحديث : الثورة العربية الكبرى-الأسباب والمبادئ / شرقي الأردن قبل تأسيس الإمارة ، ط 1 (عمان ، وزارة الثقافة ، 2007) .
  • سليمان عبيدات وعبدالله الرشدان ، التربية والتعليم في الأردن من عام 1921 – 1993 ، ط1 (عمان ، المؤلفان ، 1993) .
  • علي محافظة ، تاريخ الأردن المعاصر (عمان ، مطبعة الجامعة ، 1973).
  • نوفان رجا الحمود السوارية ، عمان وجوارها خلال الفترة 1281 هــ 1864 – 1340 هـ 1921م ، ط1 ، (عمان منشورات بنك الإعمال ، 1996).
  • عليان الجالودي ، قضاء عجلون 1864 – 1918 ، ط 1 ، (عمان ، منشورات لجنة تاريخ الأردن ).
  • جريدة الشرق العربي ، عمان ، عدد 106 ، 1 حزيران ، 1925م ؛ المدني ، وثائق تربوية أردنية في عهد الملك المؤسس عبدالله الأول بن الحسين 1921-1951 م ، ص 29-41 .

نهضة التعليم 1918 – 1946

Scroll to top