جدول أبجدية الخط الأدومي

مقدمة

تعتبر المصادر الكتابية العائدة إلى المملكة الأردنية الأدومية الأقل مقارنة بتلك المصادر الكتابية العائدة إلى المملكة الأردنية المؤابية والمملكة الأردنية العمونية، وتعتبر هذه المصادر الكتابية أحد أهم المصادر لتوثيق أسماء الملوك في عصر الممالك الأردنية الثلاث، بالإضافة لأسماء الملوك الواردة في المصادر التاريخية وفي الحوليات الآشورية، وفي بحثنا حول ما يتعلق بالملوك الأردنيين الأدوميين اعتمدنا على الثلاثة مصادر سابقة الذكر، محاولين توثيق ما نستطيعه حول هؤلاء الملوك الأردنيين، رغم شح المصادر حول المملكة الأردنية الأدومية، وبخاصة الكتابات التي تعود للأردنيين الأدوميين حيث لا وجود لنص طويل متماسك مثل نص مسلة ميشع لدى أشقائهم الأردنيين المؤابيين، أو نقش قارورة تل سيران لدى أشقائهم الأردنيين العمونيين.

طبعة ختم أدومي- موقع تل خليفة (Gluek 1938: Fig.6)

الملك الأردني الأدومي هدد بن بدد

ورد في المصادر التاريخية اسم لملك أردني أدومي هو الملك هدد بن بدد، ومما ذكر عن هذا الملك الأردني الأدومي أنه كان أميرا أردنيا أدومياً في الفترة التي استطاع فيها الملك العبراني داوود هزيمة أجدادنا الأردنيين الأدوميين والسيطرة على بلادهم عقب قيامه بمجزرة دموية أرهبت الشعب الأردني الأدومي، وقد استطاع هذا الأمير في ذلك الوقت اللجوء إلى مصر في حماية الفرعون المصري في ذلك الوقت ماراً بمدين ثم فاران حتى وصل إلى مصر، وتؤكد هذه المصادر أن الأمير الأردني الأدومي هدد بن بدد قد تزوج بأخت زوجة الفرعون واسمها تخفيس، وأنجبت له من الأبناء جنوبت، في تأكيد على عمق العلاقات السياسية التي جمعت المملكتين حينها، ويبدو أن هذا الأمير قد عاد إلى الأراضي الأردنية الأدومية، وبدأ يجهز للحرب ضد العبرانيين، حيث قام بحفز الروح الوطنية لدى الشعب الأردني الأدومي، كما جهز العدة لمحاربة المحتل العبراني والانتقام للمذبحة التي ارتكبت بحق شعبه، وقد كانت شرعيته كأحد أبناء العائلة التي تحكم المملكة الأردنية الأدومية سببا ليلتف الأردنيون حوله، بالإضافة للشعور الوطني الذي لم يرضَ بقبول الهزيمة والخضوع بأي شكل من الأشكال لحكم وظلم أجنبي.

استطاع الأردنيون الأدوميون وتحت قيادة الأمير هدد – الذي أصبح ملكاً – الانتصار على العبرانيين وانتزاع تحررهم الوطني في جو من الحماس الوطني الأردني حيث تتالت الانتصارات الأردنية على العبرانيين في كل من الممالك الأردنية الثلاث، واستطاع الملك هدد الدخول في عمق مملكة يهوذا وإخضاع مساحات واسعة من أراضيه لنفوذ مملكته ولم يكتفِ بدحر العبرانيين فقط.

الملك الأردني الأدومي قوس جبر

طبعة الختم الملكي الأردني الأدومي – أم البيارة

عثرت الحفريات الأثرية في المناطق العائدة للمملكة الأردنية الأدومية على عدة طبعات أختام، منها طبعة ختم أم البيارة، والذي يعتبر الختم الملكي الوحيد الذي عثر عليه في المنطقة ويعود للعصر الحديدي، يحمل الختم ثلاثة خانات، الخانة الوسطى تحتوي على شكل أسد مجنح، الأمر الذي يؤكد أن هذا الختم ختم ملكي.

ويتوسط رسم الأسد المجنح سطرين كتابيين:

  • السطر الأول: ق و س ج (ب ر)
  • السطر الثاني: م ل ك أ (د م)

فيما أجمع أغلب الباحثين رغم تعرض حروف الختم لبعض التشوه على التفسير التالي للسطرين:

  • السطر الأول: قوس جبر
  • السطر الثاني: ملك أدوم

ولقد فسر الدارسون للغات القديمة الإسم بشقيه، حيث يأتي الشق الثاني جبر من نفس الجذر اللغوي “جَبَرَ” والمنتشر بكثرة في لغات المنطقة، ويعني القوة والقدرة أي الجبروت، وجاء الإسم جبر مقترناً مع الشق الأول قوس وهو اسم الإله الوطني لدى أجدادنا الأردنيين الأدوميين، ويذكر أن عبادة الإله قوس استمرت حتى عهد الأردنيين الأنباط، ويمكن تفسير الاسم ب المستمد قدرته وقوته من الإله قوس، ولقد ورد اسم الملك الأردني الأدومي قوس جبر في الحوليات الأشورية في زمن الملوك الآشوريين أسرحدون وأشور بانيبال وقد حور الإسم باللغة الآشورية ليصبح قوس جبري، وقد ورد من ضمن أسماء الملوك الذين بعثوا بالهدايا للبلاط الآشوري.

الملك الأردني الأدومي قوس ملك

الملك الآشوري تجلات بلاسر الثالث

ورد في الحوليات الآشورية في زمن الملك الآشوري تجلات بلاسر الثالث ذكر للملك الأردني الأدومي قوس ملك، كأحد الملوك الذين بنوا علاقات دبلوماسية تجارية وسياسية مع الأشوريين وقدموا الهدايا للبلاط الملكي الآشوري وقد كتب وفقاً للغة الآشورية قوس ملكو، ويتكون الإسم من شقين الشق الأول قوس وهو إسم الإله الوطني لدى الأردنيين الأدوميين، مقروناً مع ملك، ويمكن تفسير هذا الإسم بأنه يعني أن المُلك للإله قوس، والجدير بالذكر أن إسم هذا الملك الأردني الأدومي الوارد في هذه الحولية الآشورية (744- 727 ق.م) هو أقدم ذكر للإله الاردني الأدومي قوس.

المراجع

  1. ياسين ، د. خير نمر (1994) ، الأدوميون ، الجامعة الأردنية ، عمان .
  2. جتاوية، نداء (2012)، مفهوم الإثنية في علم الآثار: دراسة تحليلية للمالك (عمون، مؤاب، أدوم) في الأردن خلال العصر الحديدي. رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الأردنية، عمان، الأردن.
  3. العزة، عامر (1995)، أسماء الأشخاص والأماكن عند الأدوميين. رسالة جامعية غير منشورة، الجامعة الأردنية، عمان، الأردن.

المملكة الأردنية الأدومية – الملوك

قارورة تل سيران

مقدمة

تعد الآثار الكتابية من عصر الممالك الأردنية الثلاث أمراً نادراً جداً لأسباب عديدة، وهي على ندرتها إن وجدت تعتبر منجماً خصباً للمعلومات عن هذه الممالك، إذ لا شيء يمكن له أن يكون أكثر وضوحاً من الكلام والخطاب المباشر.

وقد عثرت الحفريات الأثرية على بعض الآثار الكتابية من المملكة الأردنية العمونية، جاء معظمها على شكل أختام تحمل بصفة رئيسية أسماء أعلام، ولكن الأثر الكتابي الأهم الذي وجد حتى الآن هو نقش قارورة تل سيران، والذي يعد أطول النصوص الأردنية العمونية التي تم العثور عليها حتى اليوم.

تل سيران

هو أحد المرتفعات أو التلال الصغيرة في منطقة الجبيهة شمالي العاصمة الأردنية عمان، تحديدا داخل حرم الجامعة الأردنية في الجهة الجنوبية الشرقية منها، حيث أنشئ مبنى كلية الهندسة مطلع سبعينات القرن الماضي.

مبنى كلية الهندسة في الجامعة الأردنية أعلى تل سيران

 

كيفية العثور على قارورة تل سيران

خلال التحضيرات لإنشاء مبنى كلية الهندسة في الجامعة الأردنية تم اكتشاف بقايا أثرية في الموقع، فقامت كلية الآثار في الجامعة الأردنية بتجهيز حفرية أثرية في العام 1972، والتي وجدت بقايا أثرية منذ العصر الحديدي(في عهد المملكة الأردنية العمونية)، كما وجدت مجموعة من الكسر الفخارية التي تعود إلى كل من العصور الهلنيستية والرومانية، بالإضافة إلى العصر الأموي فالأيوبي والمملوكي، مما يؤشر على أن الموقع استمر مأهولاً بالحد الأدنى منذ العصر الحديدي، على جانب آخر وجدت آثار أقنية مياه وبئر ماء، أما أهم اللقيات الأثرية في هذا الموقع كانت قارورة تل سيران التي تحمل نقش يعد الأطول من النقوش الأردنية العمونية التي وجدت حتى الآن.

وصف قارورة تل سيران

قارورة مصنوعة من مادة النحاس، بطول 10سم وتحتوي على انبعاجة يعتقد أنها قبل النقش وعلى الأرجح أثناء صناعة القارورة، وكانت القارورة مغلقة بطريقة محكمة عبر دبوس في فوهتها، ووجد بداخلها بذور قمح وشعير مكربنة بالإضافة لبعض الأعشاب، ولقد نُقش على جدارها الخارجي ثمانية أسطر.

نص نقش قارورة تل سيران – عرض وتحليل

يتكون نقش قارورة تل سيران من ثمانية أسطر بالخط الأردني العموني جاءت على الشكل الآتي بالحروف العربية:

“1. ب م ع د ـ ع م ن د ب ـ م ل ك ـ ب ن ـ ع م ن 2. ب ن ـ هـ ص ل إ ل ـ م ل ك ـ ب ن ـ ع م ن 3. ب ن ـ ع م ن د ب ـ م ل ك ـ ب ن ـ ع م ن 4. هـ ك ر م ـ و هـ . ج ن ت ـ و هـ أ ت ح ر 5. و أ ش ح ت 6. ي ج ل ـ و ي ش م ح 7. ب ي و م ت ـ ر ب م ـ و ب ش ن ت 8. ر ح ق ت”

وترجمتها الحرفية للغة العربية :

“1 عمل عمينداب ، ملك العمونيين. 2 بن هصيل إيل ، ملك العمونيين. 3 بن عمينداب ، ملك العمونيين 4 الحديقة        ( الكرم ) والجنائن 5 والقناة والخزّان 6 ليفرح ويبتهج 7 لأيام عديدة 8 وسنين عديدة”

ويشير النص بشكل عام إلى أحد إنجازات الملك الأردني العموني عمي ندب الثاني في القطاع الزراعي تحديداً، ويمكننا تناول النص من جانبين، الجانب الأول وهو أسماء الملوك الأردنيين العمونيين الواردة في النقش، أما الجانب الآخر فهو الإنجاز الذي قام به الملك الأردني العموني عمي ندب الثاني.

تمثال لشيخ أو ملك أردني عموني

أولا : الملوك

ورد في نقش قارورة تل سيران أسماء ثلاثة ملوك أردنيين عمونيين، وهم جد وأب وحفيد، وقد كتب النقش لتوثيق بعض إنجازات الملك الأردني عمي ندب الثاني وأورد نسبه لوالده الملك الأردني العموني هصل إيل، وجده الملك الأردني العموني عمي ندب الأول، وتكمن أهمية هذا النقش بتوثيقه لثلاثة أجيال من الملوك الأردنيين العمونيين، اثنين منهم لم يتم ذكرهما بأي مصدر آخر، وهما عمي ندب الحفيد، وهصل إيل، كما أن هذا التوثيق يؤكد على أن النظام كان ملكياً وراثياً بالأبناء الذكور.

ثانيا : الإنجازات

أما على صعيد الإنجازات فقد بدا من النص جانبين مهمين، الأول الاهتمام منقطع النظير بعملية الإنتاج الزراعي، حيث أن الملك الأردني العموني عمي ندب الثاني يفتخر بشكل شخصي بالتطور الزراعي الذي أحرزته المملكة الأردنية العمونية، وفي إحدى المواقع المحيطة بعاصمتها ربة عمون، أما الجانب الآخر فهو حالة الرفاه التي كان يعيشها أجدادنا الأردنيين العمونيين، حيث ذكرت الحديقة والجنائن، بالإضافة إلى الفرح والبهجة لسنوات عديدة “الحديقة والجنائن، والقناة والخزّان، يفرح ويبتهج، لأيام عديدة، وسنين عديدة”، كما بالإمكان أيضاً ملاحظة تقنية إدارة موارد مائية وري مميزة سواءً بالتخزين أو بالتوزيع “ والقناة والخزّان”.

محتويات القارورة من الداخل

احتوت القارورة من الداخل على بعض من حبوب القمح والشعير التي تعرضت لمؤثرات زمنية فتفحمت بالإضافة لبعض الأعشاب، إن لوجود هذه الحبوب داخل القارورة مؤشرات عديدة خصوصاً إذا ما تم ربط وجودها مع النقش الموجود على جدار القارورة الخارجي، حيث جاء النص محملاً بمفاهيم إنتاجية زراعية، وبوجود هذه الحبوب دليل هام على أهمية القمح والشعير كمنتجات زراعية في المملكة الأردنية العمونية، وأن هذه الاهمية تؤكد أن زراعة هذه الحبوب كانت تتم على نطاق واسع في المملكة الأردنية العمونية، ولا ريب أن عمان بعد ذلك بقرون زودت الامبراطورية الرومانية باحتياجاتها من أجود أنواع القمح، واستمر القمح الأردني كأهم أنواع القمح المستخدمة في صناعة السباغيتي في روما.

المراجع

  • كفافي ، د. زيدان عبد الكافي (2006 )، تاريخ الأردن وآثاره في العصور القديمة ( العصور البرونزية والحديدية) ، دار ورد ، عمان .
  • العبادي، د. أحمد عويدي (2018)، التاريخ السياسي للممالك الأردنية القديمة، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، عمان.
  • كفوف، نجاة ثلجي سعد(1995)، ملوك بني عمون،  رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة اليرموك، اربد، الأردن.

المملكة الأردنية العمونية- قارورة تل سيران

صورة لتماثيل عمونية، متحف الآثار الأردني/ جبل القلعة

مقدمة

من مرتفعات البلقاء، ومن قلبها ربة عمون انطلق أجدادنا الأردنيون العمونيون نحو العالم، إن لم يكن بأجسادهم، فبتجارتهم العالمية التي اعتمدت على موقع عاصمتهم الذي يسيطر على جزء استراتيجي من أهم طريق تجاري عالمي في ذلك الوقت وهو الطريق الملوكي، ولأن المملكة الأردنية العمونية كانت تعتمد على التجارة بنشاطها الاقتصادي بشكل أكبر من شقيقاتها المملكة الأردنية الأدومية والمملكة الأردنية المؤابية فإنه من البديهي أن تبذل جهوداً أوسع من أجل نسج علاقات دبلوماسية جيدة مع الدول الأخرى، وعلى هذا الأساس صاغ أجدادنا الأردنيون العمونيون تاريخهم سلماً وحرباً.

المملكة الأردنية العمونية وشقيقاتها

مسلة ميشع
Henri Sivonen from Helsinki, Finland – Mesha Stele
aka. the Moabite Stone (2007-05-19T14-10-19.jpg)

جمعت الممالك الأردنية الثلاث (أدوم، عمون، مؤاب) علاقات متينة، حيث توحدت المصالح غالب الأحيان، بالإضافة إلى تقارب شعوب هذه الممالك والتداخل الجغرافي فيما بينها، إلا أن العلاقة بين  المملكة الأردنية العمونية والمملكة الأردنية المؤابية كان الأكثر تميزاً، حيث التداخل الجغرافي كبير جداً، وتقارب الشعبين مع التطابق في توقيت وظروف نشأة هذه الممالك، وتذكر المصادر التاريخية أن الأردنيين العمونيين والأردنيين المؤابيين هم أبناء عمومة، وكان الحلف القائم بين المملكتين حلفاً منعقداً بصفة دائمة، بينما كانت تنشب بعض الخلافات أحياناً وهي قليلة جداً على مر تاريخ هذه الممالك بين الأردنيين المؤابيين والأردنيين العمونيين من جهة، والأردنيين الأدوميين من جهة أخرى، ولكن هذه الممالك الأردنية الثلاث كانت دائماً في مواجهة ذات الأخطار الخارجية.

المملكة الأردنية العمونية والمصريين

صورة لتل العمارنة- مصر، عن موقع
egyptiangeographic.com

فرض المصريون في بدايات العصر الحديدي وما قبله نفوذهم بشكل اعتباري على هذا الإقليم بشكلٍ عام، حيث وجد في رسائل تل العمارنة المصرية في عهد الملك المصري اخناتون استنجادات من بعض الممالك الآرامية على ساحل المتوسط الشرقي شمالي نهر اليرموك بالإمبراطورية المصرية، أما الأردنيون الأوائل فقد كانت تجمعهم علاقات متينة بالمصريين منذ العصور الحجرية الحديثة على أقل تقدير، حيث أن التبادل التجاري مع المصريين كان عاملاً اقتصادياً مهماً، ومع نشوء الممالك الأردنية الثلاث وخاصة في بداياتها كانت العلاقات بين الأردنيين والمصريين في أوجها، ولقد جمعت أجدادنا الأردنيون العمونيون علاقات مهمة مع المصريين، حيث وجدت الحفريات الأثرية في المواقع العمونية تماثيلاً ذات صبغة مصرية مما يدل على تبادل تجاري وثقافي واسع، وقد عقد أجدادنا الأردنيون العمونيون مع أشقائهم من مؤاب وأدوم تحالفاً متيناً مع المصريين في مواجهة النفوذ الحثي والنفوذ الآشوري في بداياته.

المملكة الأردنية العمونية والحثيين

صورة لاتفاقية قادش التي وقعت بين المصريين والحثيين

تعد الإمبراطورية الحثية أحد الإمبراطوريات الرئيسية في العالم القديم، وقد كانت في صراع مستمر مع شعوب الرافدين والمصريين، وقد بسطت نفوذها مراتِ عديد على بلاد الرافدين، وممالك الساحل الشرقي للمتوسط شمالي نهر اليرموك، ولكنها لم تسيطر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الأردن القديم، لكنَّ علاقات تجارية كانت قائمة بالتأكيد حيث وجدت في الحفريات الأثرية في عدة مواقع أردنية على مواد خام مصدرها الأناضول، ومع بداية عصر الممالك الأردنية الثلاث كانت الإمبراطورية الحثية في نهاياتها، وقد دب صراع عنيف بين الحثيين والمصريين، والمعتقد أن الممالك الأردنية الثلاث ومن بينها المملكة الأردنية العمونية كانت في صف المصريين في ذلك الوقت وبالأخص في معركة قادش الثانية التي قادها من الجانب المصري الملك رمسيس الثاني والتي انتهت باتفاقية توضح مناطق النفوذ بين الطرفين.

المملكة الأردنية العمونية والآشوريين

لم تتوقف محاولات دول الرافدين الرامية للسيطرة على الأردن سواء بالحرب أو بالمعاهدات والتفاهمات، لحماية مصالحها التجارية لأهمية موقع الأردن الاستراتيجي الذي يمر به جزء كبير من الطريق التجاري الملوكي وهو أهم الطرق التجارية العالمية في ذلك العصر، ولم يختلف الأمر بين الأشوريين والممالك الأردنية الثلاث في العصر الحديدي الثاني، حيث تباينت العلاقات بين الممالك الأردنية وبين الأشوريين تبعاً للمرحلة وظروفها، ولكن التبادل الحضاري والثقافي كان واضحاً وخصوصاً بين الأردنيين العمونيين والآشوريين حيث أن المملكة الأردنية العمونية هي أقرب الممالك الأردنية جغرافياً للآشوريين، كما كانت العاصمة الأردنية العمونية ربة عمون محطةً رئيسية من محطات الطريق الملوكي، وقد كان تأثيراً ثقافياً مباشراً بين الطرفين جلياً عبر اللقى الأثرية، أما على صعيد آخر فقد ذُكر الأردنيون العمونيون وعدد من ملوكهم في السجلات و الحوليات الآشورية، سواء كحلفاء في بعض الحروب الإقليمية، أو كأحد الممالك التي قدمت الهدايا للبلاط الآشوري في سبيل الحفاظ على مصالحها التجارية وتعزيز التحالفات في وجه أعداء مشتركين.

المملكة الأردنية العمونية والعبرانيين

بدأت المواجهة بين الأردنيين العمونيين والعبرانيين مبكّرا منذ بدايات دخول العبرانيين للمنطقة، حيث رفض الأردنيون العمونيون دخول العبرانيين عبر أراضيهم للوصول إلى الجهة الأخرى، ولقد ناصب العبرانيون أجدادنا الأردنيين العمونيين العداء منذ ذلك الوقت، وقاموا بتوظيف الدين لتعبئة شعبهم في مواجهة الأردنيين العمونيين، ولم يشفع لأجدادنا احتوائهم لبعض الملوك العبرانيين في لحظات ضعفهم وحمايتهم عند لجوئهم، فقد انقلبوا على أجدادنا فور تمكنهم واسترداد قوتهم، ومثال على ذلك انقلاب الملك داوود على المملكة الأردنية العمونية التي لجأ لها عندما كان فاراً من وجه شاؤول، وقام بغزوها ومحاولة تدميرها، ولقد حدثت صدامات عديد بين الطرفين على مر التاريخ، كان أجدادنا الأردنيون العمونيون ينتصرون تارة ويتراجعون تارة أخرى، وقد استطاعوا في مراحل عديدة السيطرة على جزء كبير من أراضيهم وفرض الجزية عليهم.

العلاقات الخارجية للمملكة الأردنية العمونية بشكل عام

صورة فضائية لبحر إيجة

ساهم النشاط التجاري الذي اعتمدت عليه المملكة الأردنية العمونية بشكل واسع في تكريس الاحتكاك بينهم وبين بقية شعوب العالم، وإن اتخذ طابعاً حضارياً أكثر منه سياسيا، حيث وصلت تجارة الأردنيين العمونيين إلى قبرص وبحر إيجة كما هو مكتشف حتى اللحظة، وبالتأكيد فقد نقل التجار الأردنيين العمونيين جزءاً من ثقافتهم الأصلية إلى البلدان التي وصلوا إليها أو عبر تواجد القوافل التجارية في المملكة الأردنية العمونية، كما اكتسبوا العديد من السمات الحضارية الأخرى، ومن المؤكد عبر اللُّقى الأثرية في المملكة الأردنية العمونية والتي وجدت العديد من الآلهة المختلفة والعائدة للشعوب المجاورة أن الأردنيين العمونيين كانوا يتمتعون بدرجة عالية من الانفتاح الثقافي وتقبل الآخر كما هو عهد أحفادهم الأردنيين اليوم.

المراجع

  • كفافي ، د. زيدان عبد الكافي (2006 )، تاريخ الأردن وآثاره في العصور القديمة ( العصور البرونزية والحديدية) ، دار ورد ، عمان .
  • غوانمة، د. يوسف درويش (1979)، عمان حضارتها وتاريخها، دار اللواء للصحافة والنشر، عمان.
  • الموسى، سليمان (1985)، عمان عاصمة الأردن، منشورات أمانة العاصمة، عمان.
  • العبادي، د. أحمد عويدي (2018)، التاريخ السياسي للممالك الأردنية القديمة، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، عمان.

المملكة الأردنية العمونية- العلاقات الخارجية

رجم (برج) الملفوف جبل عمان

مقدمة

في المصطلح الشعبي الأردني تطلق كلمة رجوم على الكثير من الرقم الحجرية الأثرية، وكان الأردنيون يعاملونها بشيء من الاهتمام، ولم يظهر حالات من التعدي عليها، حيث بقي العديد منها على حاله منذ آلاف السنوات إلى اليوم دون أي اعتداء بشري، ولقد سميت العديد من المناطق بناء على وجود هذه الرجوم، مثل رجم الشامي ورجم الملفوف في عمان (أحد الأبراج العمونية).

ولقد وجد في مناطق المملكة الأردنية العمونية، العديد من المواقع الأثرية التي أطلق عليها الأردنيين الرجوم، ومن ضمنها ما لفت انتباه الباحثين، وبدؤوا بدراستها وأطلقوا عليها اسم الأبراج العمونية، عندما استطاعوا تحديد الحقبة التاريخية التي تعود لها هذه الأبراج.

لقد شكلت الأبراج الأردنية العمونية قضية اشكالية لدى الباحثين المختصين، حيث أنها تدل على نمط عمراني متناسق، وقد اختلف الباحثون على أسباب بناء هذه الأبراج واستخداماتها.

في هذا البحث سوف نبين وجهات النظر المختلفة حول استخدام هذه الأبراج، كما سنذكر أسلوب بنائها، ومواقعها، وسنأخذ برج خلدا كحالة دراسية لنوضّح تصميمه وأسلوب بنائه.

الأبراج الأردنية العمونية – مواقعها وتصاميمها

تقع أغلب الرجوم العمونية في حدود محافظة العاصمة – مدينة عمان الحالية، وتتركز معظمها في مناطق عمان الغربية تحديدا، على تلال أو تلاع مشرفة تحيط بها أراض واسعة تحتوي على مصادر المياه وذات تربة خصبة، ومن هذه الأبراج:

  1. برج خلدا (غرب العاصمة الأردنية عمان)
  2. برج الملفوف (في وسط العاصمة الأردنية عمان، منطقة جبل عمان بالقرب من الدوار الرابع)
  3. رجوم أبو نصير (وهي بقايا عدة أبراج عمونية في منطقة أبو نصير شماليّ العاصمة الأردنية عمان)
  4. رجوم الصويفية وعبدون (وهي بقايا أبراج عمونية في منطقتي الصويفية وعبدون غرب العاصمة الأردنية عمان)
  5. رجم القويسمة (وهو بقية برج عموني في منطقة القويسمة شرق العاصمة الأردنية عمان)
  6. رجوم الحنو (وهي رجوم لأبراج عمونية في منطقة الحنو/ البلقاء)

ولقد قسمت الأبراج العمونية بناء على تصاميمها إلى نوعين رئيسيين:

رجم (برج الملفوف) جبل عمان
  • الملفوف: حيث صمم هذا النمط من الأبراج العمونية بشكل دائري أو اسطواني، وسمي شعبياً بالملفوف، واعتمدت هذه التسمية من قبل الآثاريين، ولقد أخطأ بعض علماء الآثار الأجانب التسمية في بعض المواقع وترجموه إلى الإنجليزية “cabbage” أي نبات الملفوف وهو خطأ بالترجمة ليس إلاّ.
  • القصر: ويعني الشكل المربع أو المستطيل، حيث بنيت العديد من الأبراج العمونية على شكل مربع أو مستطيل ودرجت تسميتها بالقصر.

وهنالك أيضاً شكل ثالث أكثر ندرةً للأبراج العمونية، وهو خليط ما بين الملفوف والقصر.

الأبراج العمونية – أسباب بنائها واستخداماتها

المغفور له الملك عبدالله الأول في زيارة لبرج الملفوف جبل عمان خمسينيات القرن الماضي، جريدة الرأي

لقد تعددت النظريات حول أسباب بناء أجدادنا الأردنيين العمونيين لهذه الأبراج وماهية استخداماتها، ولكن برزت نظريتان رئيسيتان حول هذه الأبراج في المجتمع البحثي، النظرية الأولى وهي الأقدم، ترى أن الأردنيين العمونيين قاموا ببناء هذه الأبراج لأسباب دفاعية كونها بنيت من حجارة ضخمة مشذبة نسبياً، و بارتفاعات عالية قياساً لمباني ذلك الزمن، كما أن المواقع التي بنيت بها هذه الأبراج تعتبر مواقع استراتيجية تشرف على المناطق المحيطة بها.

إلا أن الباحثين المتأخرين ونتيجة للتطور العلمي في دراسة البقايا الأثرية، ودقة التنقيبات الأثرية، وجدوا بذور عنب وزيتون مكربنة تؤرخ للملكة الأردنية العمونية، فاستنتجوا أن هذه الأبراج تعتبر وحدات زراعية متكاملة يسكنها المزارعون ويخزنون محاصيلهم الزراعية بها، وتقوم هذه الوحدات بتزويد العاصمة الأردنية العمونية ربة عمون باحتياجاتها من محاصيل زراعية.

ولكننا نرى أن هذه الأبراج خدمت الغرضين في آن، حيث أنه مما لا شك فيه أن هذه الأبراج تحمل صفات دفاعية على درجتين، الدرجة الأولى حماية المزارعين أنفسهم من الأخطار المحيطة سواءً من قبل السارقين أو الغازين القادمين من الحدود الشرقية للمملكة الأردنية العمونية، كما تحميهم من الأخطار الطبيعية سواءً كانت مناخية أو مرتبطة بالحيوانات المفترسة، أما على الدرجة الثانية فهي وحدات استطلاع متقدمة تستطيع كشف الجيوش القادمة من مسافات بعيدة، ومتانة بنائها تمنحها أفضلية دفاعية قادرة على تعطيل تقدم العدو إلى حين إبلاغ القيادات المسؤولة في العاصمة الأردنية العمونية آنذاك ربة عمون.

أما على الجانب الآخر فإنه من الواضح أن هذه الأبراج كانت تشكل وحدات زراعية مكتملة قد تكون الأساس للإنتاج الزراعي في المملكة الأردنية العمونية.

وصف تقريبي للأبراج العمونية – برج خلدا نموذجاً

  • وصف البرج من الخارج
الدرج الصعد على جدار ملفوف برج خلدا من الجدار الخارجي، المومني، أحمد محمد خير (1996).

يعتبر برج خلدا أحد الأبراج العمونية ذات التصميم الثالث الذي يدمج بين الملفوف والقصر، حيث يتكون برج خلدا من مبنى دائري (ملفوف) يتصل به من الشمال الشرقي مبنى مستطيل (قصر)، منفصلان تماماً، ولقد استخدم في بناء البرج حجارة كلسية وصوانية كبيرة الحجم و مشذبة تشذيباً بسيطاً.

لقد بلغت مساحة برج خلدا 190 م2، توزعت بين البناء الدائري (الملفوف) 78.57 م2، فيما شغل البناء المستطيل (القصر) باقي المساحة.

ولقد تباين عرض جدران المبنى الدائري (الملفوف) بين جدار وآخر، وقد غطيت هذه الجدران بقصارة من الخارج، وبنى المبنى المستطيل (القصر) من نفس نوع الحجارة، وكانت جدرانه تميل 15 درجة جنوباً وشرقاً، وعند التقاء جدران المبنيين من الجهة الجنوبية وجدت بقايا مدخل للبناء الدائري (الملفوف)، في حين لا يمكن التعرف إلى مدخل المبنى المستطيل (القصر)، ولا الآلية التي تجمع المبنيين سوياً، ويرتفع المدخل عن الأرض حيث وجد بقايا درج صاعد وآخر نازل على الجدار الخارجي للمبنى بالقرب من المدخل.

  • وصف البرج من الداخل
مخطط لبرج خلدا، المومني، أحمد محمد خير (1996)، العمونيون، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الأردنية، عمان، الأردن.
  1. المبنى المستطيل (القصر): قسم القصر من الداخل إلى أربع مساحات منفصلة، عن طريق أربع جدران داخلية، تستند إلى عمدان حجرية، المساحة الأكبر كانت ساحة داخلية في الزاوية الجنوبية الغربية للقصر حيث احتلت ثلثي مساحة المبنى، ويعتقد أن هذه الساحة كانت مكشوفة حيث لا وجود لعمدان ترفع السقف، ولربما كانت تستعمل للنشاطات اليومية، كما عثر بداخلها على بقايا بذور عنب وزيتون مكربنة،  فيما توزعت باقي المساحة على ثلاث غرف متقاربة المساحة.
  2. المبنى الدائري (الملفوف): يتكون المبنى الملفوف من ستة غرف، إحداها غرفة مركزية وهي الأكبر مساحةً تتوسط المبنى وتنفذ مباشرةً إلى الخارج حيث أن مدخلها هو المدخل الرئيسي للمبنى، فيما تحتوى على أربعة أبواب جانبية تفضي إلى الغرف الخمس المتبقية.

فيما كانت الغرفة الفرعية الأولى على شكل مثلث شرق الغرفة المركزية ويدخل عليها عبر أحد الأبواب الفرعية الأربعة، وتفضي هذه الغرفة من جهتها الغربية عبر مدخل صغير إلى الغرفة الفرعية الثانية التي جاءت أيضاً على شكل مثلث، بينما تفتح الغرفة الثالثة ذات الشكل المستطيل مباشرةً على الغرفة المركزية من نهاية جدارها الشمالي، عبر أحد الأبواب الفرعية الأربعة، أما الغرفة الرابعة فهي مثلثة الشكل أيضاً وتفتح على سابقتها عبر مدخل صغير، في حين جاءت الغرفة الخامسة على شكل مستطيل وهي أصغر الغرف.

الخاتمة

إن دراستنا للأبراج العمونية تتعدى بعدها العمراني، لتصل إلى المدلول الحضاري العميق الذي تشكله هذه المباني، فهي تؤشر إلى عدة مناحٍ حضارية، فبدايةً تعددت هذه الأبراج وفق نمط بنائي متطابق إلى حد بعيد، في توزيع يتسق مع جغرافيا المنطقة، يدل على نمط عمراني موحد يعكس طابعاً واحداً يميز هذه المملكة الأردنية الضاربة في الرقي والتقدم، في حين أن مواقع هذه الأبراج وارتفاعاتها تشي بتفكير عسكري استراتيجي متقدم على عصره، وقد يكون الغرض الإنتاجي الزراعي لهذه الأبراج دليلاً قاطعاً على تخطيط لوجستي بعيد المدى.

لقد قام أجدادنا الأردنيون الأوائل بواجبهم تجاه أنفسهم و تجاهنا وتجاه التاريخ على أكمل وجه، ونحن في هذه المحاولات البحثية نسعى لأن نتلمس دروب الصعود والرقي الحضاري على سبر أجدادنا في مختلف العصور، لنهيّء للأجيال القادمة أرضية معرفية صلبة يستطيعون البناء عليها لمستقبل يليقُ بماضينا المشرف.

المراجع

  • كفافي، د. زيدان عبد الكافي (2006 )، تاريخ الأردن وآثاره في العصور القديمة ( العصور البرونزية والحديدية) ، دار ورد ، عمان .
  • الموسى، سليمان (1985)، عمان عاصمة الأردن، منشورات أمانة العاصمة، عمان.
  • المومني، أحمد محمد خير (1996)، العمونيون، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الأردنية، عمان، الأردن.

الأبراج الأردنية العمونية

تمثال عين غزال، العصر ما قبل الفخاري
The art of Jordan, treasures from an ancient land,edited by Piotr Bienkowski, alan sutton publishing.

مقدمة

مارس أجدادنا الأردنيون الأوائل العديد من النشاطات الاقتصادية عبر التاريخ، حيث بدأوا أولى التجارب البشرية في التأثير بالطبيعة المحيطة، والإنتاج الزراعي، ومحاولات استئناس الحيوانات، لتتطور هذه المحاولات على هيئة قرية عين غزال (العصر الحجري الحديث)، لتكون أقدم تجمع بشري زراعي معروف حتى الآن.

واستمر الأردنيون الأوائل في مراكمة تجربتهم الحضارية، وفي أحد أهم حقولها الاقتصاد، وصولاً إلى عصر الممالك الأردنية الثلاث (أدوم، مؤاب، عمون)، حيث مارس أجدادنا في تلك الحقبة شتى أنواع النشاطات الاقتصادية التي عرفتها البشرية في ذلك الوقت، واستطاعوا تسخير كل الميزات الجغرافية والطبيعية في خدمة مشروعهم الحضاري القائم على وجودهم السياسي.

وقد تميزت المملكة الأردنية العمونية برفاه اقتصادي منقطع النظير في ذلك العصر داخل الإقليم، حيث أكدت المسوحات الأثرية في مناطق نفوذ المملكة الأردنية العمونية وخاصة في العاصمة الأردنية العمونية ربة عمون، وجود بقايا منتجات رفاهية تدل على مستوى اقتصادي مرتفع، وازدهار تجاري وصل حد استيراد بعض أنواع الفخار من قبرص ومصر وغيرها.

عراق الأمير 1900 جنوب غرب عمان وهي من أهم المواقع العمونية

الرعي

كما أسلفنا في البحوث السابقة حول نشأة المملكة الأردنية العمونية، فإن المملكة نشأت من تجمع مدن وقرى وقبائل، جمعها الحس الوطني النامي والمصالح المشتركة وضرورات البقاء، في حين دعت الضرورة الأمنية، بالإضافة للظروف الطبيعية لتطور المجتمعات إلى بقاء بعض القبائل البدوية على حالها، بحيث استوطنت الحدود الشرقية للمملكة الأردنية العمونية، وحافظت على نمط عشائري رعوي، يرتبط بعلاقات وثيقة مع الريف والمدينة الأردنية العمونية، بحيث تقوم هذه القبائل على حماية المنطقة الحدودية للمملكة، وتقوم بتوفير المنتجات المرتبطة بالإنتاج الرعوي، مثل الصوف والجلود والحليب واللحوم، بالإضافة إلى المنتجات النادرة المرتبطة بصيد الحيوانات البرية.

الزراعة

سميت ربة عمون عبر التاريخ بعدة مسميات مختلفة، ومن أهمها مدينة الماء لما تحتويه هذه المدينة من ينابيع وأودية، بالإضافة إلى سيل المدينة الذي يرفد نهر الزرقاء (يبوق)، ولقد عرفت المدينة ومحيطها نشاطاً زراعيا منظماً منذ العصر الحجري الحديث (قرية عين غزال)، وكذلك الأمر فإن المنطقة الواقعة في محيط يبوق (نهر الزرقاء) والمنطقة المتوسطة الواقعة بين حافة هضاب البلقاء الشرقية، وبداية منحدرات وادي الأردن، عرفت مناخاً مشابهاً، وتربة خصبة، استغلها أجدادنا الأردنيون العمونيون في إنتاج محاصيلهم الزراعية، والتربية المنظمة للحيوانات.

ولقد تنوعت المحاصيل التي قام الأردنيون العمونيون بإنتاجها، حيث زرعوا الكرمة والبساتين، والزيتون  في المناطق الوعرة، حيث تم العثور على بذور زيتون وعنب مكربنة في أحد الأبراج العمونية، تدل على انشار زراعة الكرمة والزيتون.

في حين كانت زراعة الحبوب من قمح وشعير وبقوليات تنتشر في الأماكن الأقل وعورة، والجدير بالذكر أن ربة عمون (عمون) اشتهرت لاحقاً بأحد أجود أنواع القمح والذي كان يسد احتياج روما.

وفي معرض الحديث عن الزراعة لدى أجدادنا الأردنيين العمونيين، لابد من الإشارة إلى قارورة تل سيران، التي وجدت أثناء تنقيبات أثرية في أحد التلال داخل الجامعة الأردنية، حيث تعد هذه القارورة من أهم اللقيات الأثرية الخاصة بالأردنيين العمونيين، لاحتوائها على نص كتابي يعد الأطول من بين النصوص العمونية التي وجدت حتى الآن، وقد ذكر في هذا النص أسماء عدة ملوك عمونيين كما ورد في النص أهمية الثروة النباتية والزراعة لدى الأردنيين العمونيين حيث ذكرت الجنان والحدائق، والمياه وجرها في هذا النص، ” …  الحديقة والجنائن والقناة والخزّان يفرح ويبتهج لأيام عديدة وسنين عديدة …”، كما وجد داخل القارورة حبات من القمح والشعير التي تفحمت مع العوامل الزمنية، الأمر الذي يدل على انتاج القمح والشعير بشكل منظم في المملكة الأردنية العمونية.

صورة لتماثيل عمونية، متحف الآثار الأردني/ جبل القلعة

الصناعة

الصناعة هي قمة التطور البشري، حيث تقاس قوة الشعوب وعظمتها بناء على تطورها الصناعي، وفي حين كان الأردنيون الأوائل سباقون إلى الصناعة منذ عصور ما قبل التاريخ، في قرية عين غزال وغيرها، فقد استمر هذا التطور الصناعي بالتراكم وصولاً إلى عصر الدولة الأمة (الممالك الأردنية الثلاث)، حيث نمت الصناعات بأشكالها المختلفة، لتلبية الحاجات الداخلية، بالإضافة لدعم العملية التجارية بالتصدير لبضائع أردنية المنشأ.
وعلى الرغم من شح المعلومات حول النشاط الصناعي في المملكة الأردنية العمونية، مقارنة بشقيقاتها (المملكة الأردنية المؤابية، والمملكة الأردنية الأدومية)، إلا أننا نستطيع ذكر بعض الصناعات، مثل صناعة الفخار، وصناعة التماثيل التي وجدت بقاياها في عدة مواقع أثرية تعود للملكة الأردنية العمونية، كما أن معاصراً للزيتون والنبيذ وجدت أيضا في مواقع مختلفة تؤكد على وجود صناعات غذائية تسد احتياجات المجتمع الأردني العموني، وبالتأكيد فإن أصنافاً عديدة من الحرف، والصناعات البسيطة مورست على نطاق واسع بناءً على ثروات المملكة الطبيعية، واحتياجات الأردنيين العمونيين، مثل الدباغة والنسيج وأعمال البناء وتشكيل الجير، والنجارة، وتطويع المعادن، لسد الاحتياجات الحياتية.

والواضح أن أجدادنا الأردنيين العمونيين قد اهتموا بالنشاط التجاري بشكل أوسع اعتماداً على موقعهم المتميز، ولإحكام سيطرتهم الأمنية على الطرق والمسالك التجارية داخل مناطق  نفوذهم.

مشهد عام لربة عمون، يظهر في الصورة بقايا آثار رومانية (معبد هرقل)

التجارة

استثمر أجدادنا الأردنيون العمونيون موقعهم الجغرافي المميز، وبالأخص موقع عاصمتهم ربة عمون التي تشرف على الطريق التجاري الملوكي، وهو أهم طريق تجاري دولي في تلك الفترة استثماراً جيداً، حيث كانت حرفتهم الرئيسية والتي أسست لحياة الرفاهية التي عاشها الأردنيون العمونيون.

اعتبرت العاصمة الأردنية العمونية (ربة عمون) أحد أهم المحطات التي تمر بها القوافل التجارية على الطريق الملوكي، حيث كانت تقدم الخدمات الرئيسية للقوافل التجارية، من مسكن ومأكل، ومبيت، للتجار وللدواب التي يتم استخدامها في نقل البضائع، كما كانت المدينة سوقاً رئيسياً يبيع بها أجدادنا الأردنيون العمونيون ما يفيض عن حاجتهم من منتجاتهم، ويشترون ما يحتاجون من بضائع التي كانت في معظمها بضائع رفاهية، ومنها على سبيل المثال ما وجد في ربة عمون من بقايا فخار قبرصي متقن الصنع.

المراجع

  • كفافي ، د. زيدان عبد الكافي (2006 )، تاريخ الأردن وآثاره في العصور القديمة ( العصور البرونزية والحديدية) ، دار ورد ، عمان .
  • غوانمة، د. يوسف درويش (1979)، عمان حضارتها وتاريخها، دار اللواء للصحافة والنشر، عمان.
  • الموسى، سليمان (1985)، عمان عاصمة الأردن، منشورات أمانة العاصمة، عمان.

المملكة الأردنية العمونية- النشاط الاقتصادي

بقايا أثرية لربة عمون- جبل القلعة

مقدمة
ربة عمون – عمّان الاسم الذي حافظ على وجوده منذ بداية العصر الحديدي الثاني حتى يومنا هذا، عاصمة الدولة الأردنية العمونية، وعاصمة إقليم البلقاء حتى نهايات القرن الخامس عشر، التي عادت لتكون عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية في بدايات القرن العشرين .

في هذا البحث نحاول تسليط الاهتمام على ربة عمون عاصمة المملكة الأردنية العمونية، استكمالاً للجهد البحثي الذي نقوم به لدراسة المملكة الأردنية العمونية، والأردن في العصر الحديدي الثاني (عصر الدول الوطنية ذات السيادة على أرضها).

ربة عمون- الموقع والطبيعة والمناخ

ربّة عمون عاصمة مملكة عمون الأردنية 1880

شيّد أجدادنا الأردنيون العمونيون عاصمتهم العظيمة على رأس التل الناتئ من المرتفعات المطلة على وادي عمّان من الجهة الشمالية الغربية، واختاروا هذا الموقع الذي بنوا به القلعة ومرافق المدينة الرئيسية كونه موقعا حصينا مزودا بالمياه، ويستطيع جهاز الدولة الإداري عبره السيطرة والإشراف على مختلف النشاطات التي تمارس في محيطه، كما أنه منيع في وجه الغزو الخارجي.

يعتبر موقع جبل القلعة الحالي هو الموقع التاريخي للعاصمة الأردنية العمونية ربّة عمون، حيث أن القلعة والمرافق الرئيسية للعاصمة بنيت عليه كما أسلفنا، إلا أن الحدود الحقيقية لربّة عمون تتسع لتحتوي كامل المنطقة المحيطة بنهر عمّان أو ما يسمى بوادي عمّان الذي نشأت على المرتفعات المحيطة به مدينة عمّان الحديثة.

حيث أن ما يسمى بالأبراج العمونية، وهي أبراج دفاعية شيدها أجدادنا الأردنيون العمونيون، المنتشرة في أكثر من موقع في محيط مدينة عمّان تشير إلى الحدود الحقيقية لربّة عمون.

سميت ربّة عمون أيضاً بمدينة المياه، وهي إشارة إلى كثرة مياهها، حيث تكثر بها الينابيع، وأحواض تجميع مياه الأمطار، ويمر من منتصفها نهر عمّان الذي يصب في “يبوق” نهر الزرقاء، وكان لكثرة توافر المياه في هذه المدينة تأثيراً واضحا على التواجد البشري بها منذ أقدم العصور، وعلى الرغم من الطبيعة الجبلية لربّة عمون إلا أن الأردنيين الأوائل الذين استوطنوها استطاعوا التغلب على قسوة تضاريسها وإعمارها وزراعة أراضيها بشكل ملفت، حيث سميت عمّان أيضاً “معدن الحبوب” لجودة الحبوب التي زرعها الأردنيون الذين سكنوها في مختلف العصور.

إن الطابع المناخي الذي يطغى على العاصمة الأردنية العمونية ربّة عمون هو ما ينطبق عليه مناخ البحر الأبيض المتوسط، الذي يتسم بالبرودة والأمطار شتاءً، والحرارة المعتدلة صيفاً، لذلك اعتمد الأردنيون الأوائل في ربّة عمون على مياه الأمطار بشكل رئيسي في إنتاجهم الزراعي، كما أنشؤوا البرك والمستوعبات المائية لاستخدامها أثناء الصيف، بالإضافة إلى استثمار مياه الينابيع المتفجرة من مرتفعات المدينة ومياه نهر عمّان.

ربّة عمون – التسمية

قارورة تل سيران

سميت ربّة عمون نسبة إلى الأردنيين العمونيين الذين اتخذوها عاصمة لهم منذ نشأة دولتهم العظيمة، ويتكون الاسم من مقطعين، المقطع الأول “ربّة” وقد فسره أغلب الدارسين بأن معناه العاصمة، أو دار الحكم، والشق الثاني “عمون” أو “بني عمون”، وهو نسبة هذه العاصمة إلى أصحابها وهم الأردنيين العمونيين، وقد ورد اسم ربّة عمون أو ربّة بني عمون في العديد من المصادر، سواء في المصادر التاريخية أو في السجلات الأشورية، والنقوش والكتابات العمونية، والجدير بالذكر أن ربّة عمون حافظت على اسمها منذ عهد أجدادنا الأردنيين العمونيين حتى يومنا هذا، باستثناء الفترة التي سيطر بها السلوقيون على المنطقة من ثم الرومان، حيث أطلقوا عليها اسم فيلادلفيا، ولكن تعرض الاسم لشيء من التحوير اللغوي، حيث شطبت لفظة “ربّة” وتم تغيير لفظة “عمون” إلى “عمّان”.

ربّة عمون قبل نشوء المملكة الأردنية العمونية

تماثيل عين غزال، المصدر : موقع هلا أخبار

كما ذكرنا سابقاً فإن ربّة عمون هي مدينة المياه، والتربة الخصبة التي تنتج أجود أنواع الحبوب، والقمح تحديداً، لذلك فإن أول استيطان بشري مسجل في منطقة ربّة عمون والتلال التي تحيط بها تعود إلى 200000 ق.م، حيث وُجدت مخلفات أثرية لأدوات صوانية استخدمت في الفترة ما بين (200000 إلى 3000 ق.م).

واستمرت المدينة في التطور والإزدهار، حيث تطورت التجمعات الزراعية إلى مدينة عمّرها أجدادنا الأردنيون الأوائل، الذين مارسوا التجارة على نطاق واسع، إذ وُجِدت بقايا فخار وأدوات متنوعة تعود إلى العصر البرونزي المتأخر (1650-1250ق.م) جلبت من مصر واليونان وقبرص وغيرها، وهذا دليل على تبادل تجاري تخطى حدود الإقليم.

ربّة عمون في زمن المملكة الأردنية العمونية

بقايا أثرية- ربّة عمون – جبل القلعة

كانت ربّة عمون قبل نشوء المملكة الأردنية العمونية، إحدى الدول المدن التي أنشأها أجدادنا الأردنيون الأوائل، ومع انتهاء عصر الدول المدن، استطاع أجدادنا الأردنيون العمونيون تأسيس مملكتهم الموحّدة ذات السيادة على كامل أراضيها، ويبدو أن الزعيم الأردني العموني الذي أجمع عليه أجدادنا الأردنيون العمونيون ليقود دولتهم كان يسكن في المدينة التي تحولت حينها إلى العاصمة، وفي تحليل أقرب إلى الصحة لعب الموقع الجغرافي لربّة عمون الدور الأساسي في اختيارها كعاصمة للمملكة الأردنية العمونية التي احتوت في أقل تقدير على عشرين مدينة أخرى، حيث أن ربّة عمون تقع في منتصف المملكة الأردنية العمونية الأمر الذي يجعلها بعيدة عن الأخطار الخارجية المتكررة، كما أن المناطق المرتفعة التي تحيط بها والتي بنى عليها أجدادنا الأردنيون العمونيون أبراجهم الدفاعية تعطيها أفضلية استراتيجية من ناحية دفاعية، وحيث اختار أجدادنا الأردنيون الأوائل موقع بناء هذه المدينة بدقة منذ البداية قبل نشوء المملكة الأردنية العمونية، فلقد بنيت على قمة مرتفع محاط بمنحدرات وعرة يصعب تسلقها، وتحتوي على مصادر دائمة للمياه بحيث تستطيع المدينة الصمود أمام حالات الحصار لمدد طويلة.

أمّا الأمر الآخر الذي دفع إلى اختيار ربّة عمون كعاصمة للمملكة الأردنية العمونية هو وجودها على الطريق التجاري الملوكي الذي يربط الجنوب بالشمال والذي يعد الطريق التجاري الأهم في العصور القديمة، بالإضافة إلى ثروتها الزراعية المهمة.

وصفت ربّة عمون في المصادر التاريخية بأنها – مدينة المياه – ، ووصفت أيضاً بالمدينة الملوكية، دلالة على حالة الترف والتطور الحضاري التي عاشها أجدادنا الأردنيون العمونيون وخصوصاً في عاصمتهم، وذكرت المصادر التاريخية أيضاً مدى منعة المدينة وقة تحصينها، حيث كانت ذات أسوار عالية قوية جعلتها تصمد مراراً أمام حالات الحصار التي تعرضت لها على مر تاريخها.

تكونت ربّة عمون في عصر الأردنيين العمونيين من نصفين، النصف الأول وهو أسفل الوادي حيث مارس أجدادنا الأردنيون العمونيون نشاطاتهم اليومية، من زراعة وتربية مواشي ومعاملات تجارية يومية، ومن قسم علوي على رأس المرتفع والذي كان محاطاً بالأسوار والتحصينات الدفاعية، واحتوى على قصر الملك والمباني الإدارية والمباني السكنية الخاصة بالقادة وكبار التجار، ومبنى المعبد الرئيسي للإله الأردني العموني ملكوم، وساحة لباقي الآلهة التي عبدت من قبل أجدادنا الأردنيين العمونيين، وبعض الوحدات السكنية الخاصة بصغار المزارعين والتجار وغيرهم، وكان جميع سكان المدينة يلجؤون إلى القسم العلوي من المدينة في حالات الحرب، وأكدت المسوحات الأثرية أن المدينة في ذلك العصر شُيّدت على 245 دونما قسمت مناصفةً بين القسم السفلي والعلوي من المدينة.

لمحة عن ربّة عمون في العصور اللاحقة للأردنيين العمونيين

مشهد عام لربّة عمون، يظهر في الصورة بقايا آثار رومانية (معبد هرقل)

مع اجتياح الاسكندر الكبير للمنطقة عام 333 ق.م بدأت المملكة الأردنية العمونية بالاضمحلال ككيان سياسي، و خضعت المنطقة للحكم الإغريقي وعند موت الاسكندر الكبير، اختلف ورثته بطليموس وسلوقيوس على الأردن، واستطاع السلوقيون السيطرة على المنطقة لمدة من الزمن، وثم في عهد بطليموس فيلادلفوس الثاني استطاع البطالمة إعادة السيطرة على الأردن، ولقد أعجب بطليموس فيلادلفوس الثاني بربّة عمون، فأمر بإعادة إعمار المدينة، وسماها تيمناً باسمه فيلاديلفيا.

ثم عاد السلوقيون في عام 218 ق.م للسيطرة على المنطقة واستطاعوا احتلال ربّة عمون (فيلادلفيا)، بعد مدة طويلة من الحصار كادوا أن ييأسوا من دخولها خلاله، إلا أن أحد سكان المدينة وقع في أسرهم واستطاعوا أن يحصلوا منه على المدخل السري الذي تتزود منه المدينة بالماء، واستطاعوا قطع المياه عن المدينة التي استسلمت لاحقاً.

واستمر حكم السلوقيون للمنطقة ومن ضمنها ربّة عمون (فيلاديلفيا) إلى أن سيطر أجدادنا الأردنيين الأنباط على المنطقة من البتراء جنوباً حتى دمشق شمالاً، والجدير بذكره العثور على مخلفات أثرية أردنية نبطية في ربة عمون.

وحين سيطر الرومانيون على المنطقة، أنشأ القائد الروماني بومبي  مدن حلف الديكابولس، التي حافظت على استقلالها في تلك الفترة، وعندما سيطر الملك الروماني تراجان على المنطقة شيد طريق تراجان التجاري العظيم والذي يمر في ربّة عمون.

أما في عهد الامبراطورية البيزنطية، فقد تمتعت ربّة عمون بحالة ازدهار واضحة، حيث حصلت على نوع من أنواع الحكم الذاتي، وصُكّت فيها النقود الخاصة بها، وشكلت مجلساً خاصاً للشعب.

وفي عصر الأمويين، ازدهرت ربّة عمون مرة أخرى، حيث تلاشى اسم فيلادلفيا، وعاد للمدينة اسمها القديم الذي تعرض لتغيير لغوي بسيط لتصبح عمّان، وكان لعمّان مكانة واضحة في العهد الأموي، حيث أنشأت بها دارٌ لضرب النقود التي تحمل اسمها.

أما في العهد العباسي فقد تعرض الأردن عموما ومن ضمنه عمّان لحالة من الإهمال، حيث أن العباسيين اعتبروا القبائل الأردنية حليفاً تقليدياً للأمويين وأرادوا الانتقام منهم ما دفع لقيام عدد واسع من الثورات الأردنية ضد العباسيين، إلا أن المدينة استمرّت كمركز تجاري مهم.

وبدأت مكانة عمّان بالعودة مع الدولة الفاطمية، ثم في عهد المملكة الأيوبية، حيث أصبحت أهم المراكز التجارية في المنطقة، ثم استمرت مدينة عمّان كمركز حضاري في عهد المماليك بعد الهزيمة التي لحقت بالتتار على يد المماليك في عين جالوت، إلا أن الغزوة التترية الثانية أثرت كثيراً على المدينة، ثم انتشر طاعون عام 1347م، الذي فتك بسكان المدينة، ثم أعيد إعمارها في عهد الأمير المملوكي صرغمتش الذي أقام بها مدرسة في عام 1356 م.

أما في زمن الاحتلال العثماني فقد تعرضت ربّة عمون (عمّان)، لنفس النزعة الانتقامية التي عانى منها الأردنيون، طيلة فترة هذا الاحتلال، الأمر الذي جعلها تضمحل، حتى قيام الدولة الأردنية الحديثة التي اتخذتها عاصمة لها بعد السلط لتطوّر وتزدهر مرة أخرى مستلهمةً مجدها السابق عبر التاريخ.

المراجع

  1. كفافي ، د. زيدان عبد الكافي (2006 )، تاريخ الأردن وآثاره في العصور القديمة ( العصور البرونزية والحديدية) ، دار ورد ، عمان .
  2. غوانمة، د. يوسف درويش (1979)، عمان حضارتها وتاريخها، دار اللواء للصحافة والنشر، عمان.
  3. العبادي، د. أحمد عويدي (2018)، التاريخ السياسي للممالك الأردنية القديمة، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، عمان.
  4. الموسى، سليمان (1985)، عمان عاصمة الأردن، منشورات أمانة العاصمة، عمان.

العاصمة الأردنية العمونية – ربّة عمون

مقدمة

أنثى تحمل جرة على رأسها من الفخار، العصر البرونزي المبكر، موقع باب الضهرة الأثري.
The art of Jordan, treasures from an ancient land,edited by Piotr Bienkowski, alan sutton publishing.

وجدت المسوحات والحفريات الأثرية على امتداد جغرافيا الأردن، دلائل على منظومات ميثولوجية دينية، منذ عصور ما قبل التاريخ، تجلت هذه الدلائل، في طرق الدفن، وصناعة التماثيل، ووجود المباخر، وانتشار المذابح أو ما يشبهها، وقد مرت هذه المنظومات بتطورات هائلة مع التقدم الاجتماعي والسياسي الذي مر به أجدادنا الأردنيون الأوائل عبر مراحل التاريخ المختلفة.

ولقد أثر النمط العمراني الحضري لدى أجدادنا الأردنيين العمونيين على توجه الباحثين الآثاريين إلى دراسة الجوانب العمرانية للمملكة الأردنية العمونية بشكل أوسع من دراسة باقي الجوانب، الأمر الذي أثر على دراسة الملامح الدينية الأردنية العمونية، وفي هذا البحث حاولنا قدر الإمكان تجميع الملامح العامة للديانة الأردنية العمونية، وإن لم نوفق بوضع أي تصور للطقوس الدينية المستخدمة في العبادة بشكل خاص.

ميثولوجيا الأردنيين الأوائل قبل نشأة الممالك الأردنية الثلاث (أدوم، مؤاب، عمون)

تماثيل عين غزال، موقع هلا أخبار

عادة ما كانت الشعوب القديمة، تستقي منظوماتها الدينية من البيئة المحيطة، وقد تطورت الأديان القديمة لتجيب على الأسئلة الوجودية التي كانت تؤرق الإنسان القديم، ولوضع التفسيرات حول ما لم يستطع العقل البشري تفسيره حين ذاك، كما ساهمت طبيعة الإنتاج في تشكيل الطقوس الدينية المُمَارسَة، حيث ارتبطت أغلب الطقوس والشعائر في مواسم الزراعة والحصاد.

ولم يختلف أجدادنا الأردنيون الأوائل في تلك الحقب عن مجمل الوجود البشري، وقد بدأ نشوء التصورات الدينية لدى الأردنيين الأوائل مع بداية الاستقرار الزراعي حوالي 9000 قبل الميلاد، وقد كانت هذه التصورات في تلك الفترة بسيطة، وارتبطت المظاهر الموجودة حول عادات الدفن بشكل رئيسي، ويعتقد أن البذرة الأولى للمعتقدات الدينية، كانت مرتبطة بتفسير ظواهر طبيعية، وخصوصا المطر الذي كان المصدر الرئيسي لري المزروعات حيث كانت الزراعة في طورها الأول البسيط، واستمر الأردنيون الأوائل في تطوير منظومتهم الدينية، جنباً إلى جنب مع تطورهم الانتاجي بشكل رئيس، حتى ارتقت تلك المنظومة بشكل كبير، مع العصور البرونزية وحقبة (الدولة المدينة)، حيث وجدت الحفريات الأثرية في تلك الحقبة معابدا داخل المدن الأردنية القديمة، وحيث أصبحت مجتمعات المدن الأردنية القديمة مجتمعات مقسمة طبقياً، بسبب حالة المدنية والانتاج الفائض، فإن رجال الدين كانوا يمثلون طبقة منفصلة، وتعتبر من الطبقات المتسيّدة، وتشير الدلائل أن رجال الدين مارسوا أيضا مهام إدارية داخل المدن.

الآلهة الأردنية العمونية

عبد الأردنيون العمونيون بالإضافة إلى إلههم الوطني ملكوم العديد من الآلهة المحلية المنتشرة في جنوب غرب آسيا وشرقي المتوسط، مثل الإله بعل والإله إيل وغرهم، ويستدل على عبادتهم لهذه الآلهة أسماء الأعلام التي وجدت في النقوش العمونية والتي تكون مقرونة بأسماء هذه الآلهة، كما أثبتت بعض الدراسات الأثرية أن الأردنيين العمونيين عرفوا الإلهة اللات.

وفي إحدى التفسيرات للتنوع الشديد في الآلهة المعبودة في المملكة الأردنية العمونية، حيث وجد إشارات لآلهة مختلفة في المنازل الأردنية العمونية، إلى وجود تسامح ديني يتقبل الديانات والآلهة الأخرى، ويعتقد أن اختلاط الزواج كان أحد أهم مصادر تنوع الآلهة المعبودة في ذلك الوقت، حيث يسمح للزوجة الغير عمونية أن تحافظ على ديانتها.

الإله الأردني العموني ملكوم

قارورة تل سيران

ورد اسم الإله العموني ملكوم في العديد من المصادر المستخدمة في توثيق تاريخ المملكة الأردنية العمونية، حيث ورد في النقوش العمونية، كما وجد مقروناً بأسماء أعلام عمونية، بالإضافة إلى وروده بالمصادر التاريخية حيث يذكر أن معبداً للإله الأردني العموني ملكوم بني بجانب معبد للإله الأردني المؤابي كموش في المملكة الإسرائيلية زمن الملك سليمان، الأمر الذي أثار غضب رجال الدين اليهودي آنذاك.

ويذكر أن معبداً رئيسياً للإله ملكوم بني في (ربة عمون) يحتوي على مذبح تقدم به القرابين، ووجد أيضاً في ذلك الموقع مباخر فخارية.

ويعتقد بأن بناء معبد للإله الأردني العموني ملكوم هو من واجبات الملك، الذي تناط به أعلى سلطة دينية بجانب سلطته السياسية كملك.

المعابد الأردنية العمونية

مقطع من جبل القلعة (ربة عمون)

وُجِد في الحفريات التي قامت في جبل القلعة (ربة عمون) آثار مبنى ضخم، يحتوي على مذبح أكد العديد من الدارسين أنه المعبد الرئيسي للمدينة، ومع شح المعلومات حول المعابد الأردنية العمونية، استخدم هذا المبنى للاستدلال على تصميم تقريبي للمعابد الأردنية العمونية، حيث يتقدم المعبد ساحة كبيرة يعتقد بأنها وجدت ليتجمع بها المصلون، كما وجدت آثار مذبح لتقديم القرابين، وبعض المباخر الفخارية.

الممارسات العقائدية والديانة الأردنية العمونية

صورة لتماثيل عمونية، متحف الآثار الأردني/ جبل القلعة

تعد الممارسات العقائدية من أهم الخصائص الإثنية لأي مجتمع، والجدير بالذكر أن الممارسات العقائدية في العصر الذي وجدت به المملكة الأردنية العمونية، كانت تشمل إلى جانب الطقوس الدينية، أشكالاً من الفنون مثل التماثيل والنصوص المكتوبة، وعادات الدفن وغيرها.

إن التنوع الموجود في طرق الدفن التي مارسها أجدادنا الأردنيون العمونيون يدل على التباين الاجتماعي، ويدل أيضاً على وجود أنماط ثابتة من الدفن تعود إلى بنية عقائدية ثقافية واحدة، وقد تنوعت أشكال المدافن من الكهوف الطبيعية إلى الكهوف الصناعية، وصولاً إلى توابيت فخارية على شكل بشري، وكان هنالك أيضاً اختلاف في طرق الدفن بين الرجال والنساء، حيث يدفن الرجال ممدّدين بصورة كاملة، بينما تدفن المرأة منحنية مع حليها.

ووجد أيضاً تأثراً عقائديا بمصر، في بعض التماثيل، حيث عثر على تماثيل تحمل لمسات مصرية، يعزى هذا التأثر بالاحتكاك التجاري القائم بين الأردنيين العمونيين والمصريين في ذلك الوقت.

لا تختلف الديانة الأردنية العمونية في شكلها عن الديانات السائدة في المنطقة في ذلك العصر، حيث يوجد إله وطني رئيسي وهو في حالة الأردنيين العمونيين الإله ملكوم، بالاشتراك مع عدد من الآلهة المشتركة في المنطقة، وهذا التقاطع في الديانات في تلك الحقبة الزمنية يعود إلى عدة عوامل من بينها نمط الإنتاج المتشابه بين الشعوب، وحجم المعرفة المتشابه الذي يحيل إلى تفسير الظواهر الطبيعية بشكل متقارب، بالإضافة إلى التأثر بمعتقدات الشعوب الأخرى عبر التبادل التجاري أو الحروب والتحالفات وما للإمبراطوريات الكبرى من تأثير ملموس بطبيعة الحال.

ويسود اعتقاد لدى بعض الباحثين أن الطقوس الدينية الأردنية العمونية والمؤابية متشابهة إلى حد بعيد، يصل إلى أن تكون ديانة واحدة يختلف بها إسم الإله الوطني بين ملكوم العموني وكموش المؤابي.

المراجع

  1. كفافي ، د. زيدان عبد الكافي (2006 )، تاريخ الأردن وآثاره في العصور القديمة ( العصور البرونزية و الحديدية) ، دار ورد ، عمان .
  2. جتاوية، نداء (2012)، مفهوم الإثنية في علم الآثار: دراسة تحليلية للمالك (عمون، مؤاب، أدوم) في الأردن خلال العصر الحديدي. رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الأردنية، عمان، الأردن.
  3. غوانمة، د. يوسف درويش (1979)، عمان حضارتها وتاريخها، دار اللواء للصحافة والنشر، عمان.
  4. أبحاث إرث الأردن،ملامح الديانة المؤابية الأردنية

ملامح الديانة الأردنية العمونية

مقدمة

مقطع من جبل القلعة (ربة عمون)

في بدايات العصر الحديدي الثاني انتقل أجدادنا الأردنيون الأوائل من التنظيم السياسي المسمى (المُدن الدول) وهي مجموعة من المدن تشكل كل منها دولة بحد ذاتها إلى تنظيم سياسي أكثر تطوراً وتعقيداً وهو (الدول الوطنية ذات السيادة على أرضها)، وهو شكل يعتمد على اتحاد قبلي ريفي مع مجموعة من المدن يفرض سيادته على كامل الإقليم المكوِّن للدولة، ويحمل روحاً وطنية تدفع الجميع داخل هذه الدولة للحفاظ على منتجهم الثقافي والحضاري، ومصالحهم المشتركة بطبيعة الحال، وقد أنشأ أجدادنا الأردنيون الأوائل ثلاث ممالك من نهر الزرقاء شمالاً حتى صحراء الحسمى جنوباً (عمون، مؤاب أدوم) وتعتبر نشأتهم المتزامنة والمشتركات الثقافية دليلاُ على تطور متوازٍ يُعزى إلى وجود جذر مشترك ضارب في عمق التاريخ.

في هذا البحث نحاول الإشارة إلى عدد من العناصر الإثنية الغالبة على المجتمع الأردني العموني والذي نسعى أن يكون إسهاما ولو بسيطاً في مراكمة المعرفة حول الجذور الإثنية للمالك الأردنية الثلاث بشكل عام والمملكة الأردنية العمونية بشكل خاص.

مفهوم الإثنية

الإثنية أو الجماعة الإثنية، هي مجموعة من الناس، يتشاركون في الأصل، والعادات والتقاليد، والنظم الرمزية مثل الميثولوجيا والفنون، وتجمعهم مصلحة مشتركة، ويتواجدون غالباً في حيز جغرافي واحد، وهذا المفهوم ليس مفهوما مؤطراً تماماً، ولا تعني الإثنية أنها مجموعة محصورة من الناس لا تربطها أي علاقات بمن هم حولها، ولا يعبر عنها دائماً بشكل سياسي.

ومفهومنا في هذا البحث للإثنية يعنى بدراسة المميزات الثقافية للمجتمع الأردني العموني عبر دراسة اللقيات الأثرية، وتحليل نمط العمران والبناء، واللغة، الأدومية، ككيان سياسي منفصل، يحمل صفاته الثقافية الاجتماعية التي تميزه عن محيطه.

اللغة الأردنية العمونية

قارورة تل سيران

استطاع علماء الآثار الدارسين للقيات الأثرية العمونية التي تحمل نقوشا، مثل قارورة تل سيران وبعض الأختام، وبعض الخربشات على قطع فخارية، من تحديد بعض خصائص اللغة الأردنية العمونية، وخصوصا الخط العموني، وقد وجدوا بعض التأثيرات من الخط الآرامي، بالإضافة إلى خصائص مشتركة مع الخطوط الأردنية المؤابية والأدومية، وبطبيعة الحال فإن اللغة الأردنية العمونية تصنف من ضمن ما يسمى اللغات السامية، أو أنها تعود إلى الجذر اللغوي الرئيسي التي تفرعت منه اللغات المحكية في جنوب غرب آسيا أو شرق المتوسط.

الممارسات العقائدية والديانة الأردنية العمونية

صورة لتماثيل عمونية، متحف الآثار الأردني/ جبل القلعة

تعد الممارسات العقائدية من أهم الخصائص الإثنية لأي مجتمع، والجدير بالذكر أن الممارسات العقائدية في العصر الذي وجدت به المملكة الأردنية العمونية، كانت تشمل إلى جانب الطقوس الدينية، أشكالاً من الفنون مثل التماثيل والنصوص المكتوبة، وعادات الدفن وغيرها.

إن التنوع الموجود في طرق الدفن التي مارسها أجدادنا الأردنيون العمونيون يدل على التباين الاجتماعي، ويدل أيضاً على وجود أنماط ثابتة من الدفن تعود إلى بنية عقائدية ثقافية واحدة، وقد تنوعت أشكال المدافن من الكهوف الطبيعية إلى الكهوف الصناعية، وصولاً إلى توابيت فخارية على شكل بشري، وكان هنالك أيضاً اختلاف في طرق الدفن بين الرجال والنساء، حيث يدفن الرجال مُمَددَين بصورة كاملة، بينما تدفن المرأة منحنية مع حليها.

ووجد أيضاً تأثراً عقائديا بمصر، في بعض التماثيل، حيث عثر على تماثيل تحمل لمسات مصرية، يُعزى هذا التأثر بالاحتكاك التجاري القائم بين الأردنيين العمونيين والمصريين في ذلك الوقت.

لا تختلف الديانة الأردنية العمونية في شكلها عن الديانات السائدة في المنطقة في ذلك العصر، حيث يوجد إله وطني رئيسي وهو في حالة الأردنيين العمونيين الإله ملكوم، بالاشتراك مع عدد من الآلهة المشتركة في المنطقة، وهذا التقاطع في الديانات في تلك الحقبة الزمنية يعود إلى عدة عوامل من بينها نمط الإنتاج المتشابه بين الشعوب، وحجم المعرفة المتشابه الذي يحيل إلى تفسير الظواهر الطبيعية بشكل متقارب، بالإضافة إلى التأثر بمعتقدات الشعوب الأخرى عبر التبادل التجاري أو الحروب والتحالفات وما للإمبراطوريات الكبرى من تأثير ملموس بطبيعة الحال.

ويسود اعتقاد لدى بعض الباحثين أن الطقوس الدينية الأردنية العمونية والمؤابية متشابهة إلى حد بعيد، يصل إلى أن تكون ديانة واحدة يختلف بها فقط اسم الإله الوطني بين ملكوم العموني وكموش المؤابي.

نمط البناء الأردني العموني

سوف نعتمد في دراسة نمط البناء في هذا البحث على جزئيتين أساسيتين تشكلان تمايزاً بين الشعوب في أنماط بنائهم، وهما (تقنية البناء، مخطط البناء).

أ. تقنية البناء

تقنية بناء “Boulder and Chink”
(Daviau 1999: Fig 5:1)

إن دراسة تقنية البناء في المواقع الأثرية تعتمد على عدة عوامل مجموعها يؤشر إلى صورة عامة عن التقنية أو التقنيات التي استخدمت في البناء في ظل ثقافة معينة، مع العلم بأن التقنيات المستخدمة في البناء في دولة معينة في ذلك العصر تتباين على حسب المحتوى البيئي للمناطق المختلفة، والحالة الاجتماعية والاقتصادية، كما تتباين بين المدن والريف.

في المواقع الأثرية العائدة لأجدادنا الأردنيين العمونيين، تم ملاحظة عدة تقنيات مستخدمة في البناء بين (المواد الخام المستخدمة، طرق بناء الجدران الداخلية والخارجية، طرق بناء الأسقف، وكيفية رصف الأرضيات).

الطابع العام الملاحظ في بناء الجدران في المملكة الأردنية العمونية، يدل على أن الحجارة الكلسية والصوانية الكبيرة الحجم استخدمت في بناء التحصينات الخارجية، فيما استخدمت الحجارة الكلسية في بناء المنازل، في حين استخدم الطوب في بناء الطوابق العلوية من المنازل، كما رُفِعَت السقوف باستخدام عمدان خشبية تستند إلى قواعد حجرية، واستخدم أيضاً عدة طرق لرصف الأرضيات، منها الطين المدكوك، أو الشيد أو البلاستر على الأرضية الطبيعية، فيما استخدمت البلاطات الحجرية في مواقع أخرى.

إن تقنية البناء التي استخدمها أجدادنا الأردنيين العمونيين لبناء جدران المنازل تسمى Boulder-and-Chink حيث تستخدم الحجارة الضخمة في بناء الجسم الرئيسي للجدار فيما تستخدم الحجارة الصغيرة لسد الفراغات، ويبنى الجدار من صفين متوازيين.

ب. مخطط البناء

يعد مخطط البناء عنصراً مهماً من عناصر الإثنية، حيث أن مخطط البناء يدل على الحالة الاقتصادية والاجتماعية لدى شعب معين، كما أن لها مؤشرات ثقافية عديدة، وفي هذا البحث سوف نقوم بالإشارة إلى مخططات البناء الخاصة بالمباني السكنية والتي تنقسم بشكل عام إلى ثلاث مخططات رئيسية (المنازل متعددة الغرف، المنازل ذات الأعمدة، المنازل على شكل حرف T).

  1.      المنازل متعددة الغرف
رسم يمثل مخطط بناء متعدد الغرف في المملكة الأردنية العمونية- موقع جاوة الجنوبي
(Daviau 2003: Fig.72)

يتميز المنزل متعدد الغرف بتشكيله أساساً من العديد من الغرف التي قد تتجاوز العشرة غرف في بعض الأحيان، ويدل هذا الأمر على اتساع العائلة ونمط العائلة الممتدة التي تسكن جميعها في نفس المنزل.

  1.      المنازل ذات الأعمدة

يتكون المنزل ذو الأعمدة أيضاً من العديد من الغرف، ولكنها تحيط بساحة رئيسية واسعة، كما أن هذا المنزل يحتوى على طابق ثانٍ مرفوع بأعمدة، ويؤكد أيضاً هذا البناء على نمط العائلة الممتدة، وقد يكون وجود ساحة واسعة في المنتصف لممارسة النشاطات اليومية المختلفة دليلاً على حالة اقتصادية جيدة.

  1.      المنازل على شكل حرف T
رسم يمثل مخطط بناء على شكل حرف، في المملكة الأردنية العمونية- موقع جاوة الجنوبي
(Daviau 2003: Fig.910)

يتكون هذا المخطط من بناء المنازل بشكل رئيسي من ثلاث غرف متوازية يفصل بينها ممر، ويوجد رأي لدى بعض الباحثين بأن هذا المبنى ليس سكنياً بشكل رئيسي بل هو مكان لمزاولة مهنة أو حرفة ما.

الفخار الأردني العموني

يعتبر الفخار وصناعته من أهم المميزات بين الشعوب والدول في العالم القديم، حيث أن كل شعب يمتاز بطريقة معينة في صناعة الفخار، واستخداماته، وزخارفه وألوانه، حسب البيئة والطبيعة، والاحتياجات، والمواد الأولية المتوافرة، وقد كان هنالك تمايز بسيط أحياناً بين فخار الشعوب ذاتها، حسب المنطقة والطبقة الاجتماعية، إلا أن الطابع العام لفخار شعب ما يكون متقارب بشكل كبير.

أ‌.        أنواع الأواني الفخارية حسب الشكل والاستخدام

ولقد تعددت أنواع الأواني ىالفخارية على حسب استخداماتها وأشكالها وأحجامها لدى أجدادنا الأردنيين العمونيين.

  1.   الزبادي
  2.   الأطباق
  3.   الأكواب
  4.   قدور الطبخ
  5.   الجرار
  6.   الأباريق
  7.   القوارير
  8.   المصابيح

 

ب‌.    أنواع الزخرفة

  1.      البطانة

استخدم أجدادنا الأردنيون العمونيون اللونين الأسود والأحمر في بطانة أوانيهم الفخارية، واستخدموا البطانة البيضاء الكريمية بشكل نادر وقليل جداً، ويعتبر الفخار الأسود المصقول أحد أهم الميزات الثقافية الأردنية العمونية حيث أنه ينتشر بكثرة في المواقع الأثرية الأردنية العمونية.

  1.      الدهان

استخدم أجدادنا الأردنيين العمونيين الدهان في زخرفة الأواني الفخارية معتمدين اللونين الأبيض والأسود بشكل أساسي إما منفردين أو معاً، كما استُخدِم اللونين الأحمر والبني بشكل أقل، على شكل أشرطة وخطوط أفقية ، كما انتشرت زخرفة الشبكة التي تعتبر قاسماً مشتركا بين أجدادنا الأردنيين في الممالك الأردنية الثلاث (أدوم، مؤاب، عمون).

العلاقة بين الممالك الأردنية الثلاث (أدوم، مؤاب، عمون)

نشأت الممالك الأردنية القديمة الثلاث (أدوم، مؤاب، عمون) في ذات الوقت، أي مع بداية العصر الحديدي الثاني، وفي ظل ظروف متشابهة، وكان الانتقال من حالة الدولة المدينة إلى دولة الأمة أو الدولة الوطنية متزامناً، وقد تشابه طبيعة النشاط الاقتصادي بين شعوب هذه الممالك بشكل ملفت، والأهم من ذلك أن الخط واللهجات كانت متقاربة بين شعوب هذه الممالك بشكل كبير جداً.

فضلاً عن ذلك فقلّ ما دخلت هذه الممالك في صراعات بينية، بل على العكس من ذلك كانت تربطهم علاقات جيدة، وقد اشتركوا بالعداء تجاه شعوب وممالك مجاورة، حيث أن الأردنيين الأدوميين انتصروا على مملكة يهوذا عقب النصر العظيم الذي حققه الملك المؤابي الأردني المؤابي ميشع على اليهود.

هذه المؤشرات جميعاً تدلل بشكل أو بآخر، على أن هناك صلات قرابة، أو جذر واحد، يجمع أجدادنا الأردنيين في الممالك الأردنية القديمة، وأن ما حدا بهم أن ينشؤوا ممالك مختلفة، ظروف سياسية واقتصادية عديدة، لكن المؤشر الأهم يدلل على توافر البذرة الأولى لنشوء هوية وطنية واحدة جمعت هذه الشعوب والقبائل الأردنية القديمة .

سبب تسمية المملكة الأردنية العمونية

جانب من الجدار الذي يحيط بمدينة ربة عمون

لا تذكر أي من المصادر المعروفة سبباً أو معنىً واضحاً لتسمية عمون إلا أن الاستنتاجات غالبها تصب بأن عمون هو اسم يدل على قبيلة أو تجمع قبائل أردنية كانت العصبة الرئيسية التي نشأت على أساسها المملكة الأردنية العمونية ونسبت الدولة والعاصمة لهم، حيث يذكر اسم المملكة الأردنية العمونية في العديد من المصادر كمملكة بني عمون، وتذكر العاصمة الأردنية العمونية (ربة عمون) كربة بني عمون.

المراجع 

  1. جتاوية، نداء (2012)، مفهوم الإثنية في علم الآثار: دراسة تحليلية للمالك (عمون، مؤاب، أدوم) في الأردن خلال العصر الحديدي. رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الأردنية، عمان، الأردن.
  2. كفوف، نجاة ثلجي سعد(1995)، ملوك بني عمون،  رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة اليرموك، اربد، الأردن.
  3. أبحاث إرث الأردن،مملكة أدوم الأردنية – العناصر الإثنية
  4. أبحاث إرث الأردن، ملامح الديانة الأردنية العمونية.

المملكة الأردنية العمونية – العناصر الإثنية

Scroll to top