معان – الجردون – الكوبانية الحمراء – عنيزة

مقدمة

     كان واضحا أن هدف الحلفاء هو ابقاء قوات الثورة العربية الكبرى فى المنطقة الجنوبية وأن لا تتجاوز هذه القوات منطقة الطفيلة شمالاً، وأدرك جيش الثورة و فرسان العشائر الأردنية هذا الهدف تماما، خاصة من خلال سلوك قوات الحلفاء والمدفعية الفرنسية المساندة لقوات الثورة التي كانت تحجب القذائف وتوقف القصف حين يشعر هؤلاء أن فرسان العشائر الأردنية على وشك تحقيق نصر ما.

       بدأت قوات الثورة بالتحرك نحو الشمال وأخذت تتعامل مع الأهداف العسكرية ، فكانت منطقة الجردون ومحطتها من الأهداف الهامة، فرغم أن هذه المحطة صغيرة وعلى مسافة 17 كلم إلى الشمال من معان إلا أنها مهمة  ووقعت فيها وحولها أربع معارك كبيرة، تاليا تفصيلها :

محطة الجردون

     محطة الجردون أو( الجردانة ) تقع في سهل منبسط شمال معان بحوالي 15 كلم وهي ذات أهمية استراتيجية عظمى بالنسبة لمحطة معان، لذا فقد قررت قوات الثورة في مؤتمرها العسكري الذي ترأسه الأمير فيصل وحضره قادة الثورة و شيوخ العشائر الأردنية وعدد من المستشارين الانجليز والفرنسيين من قوات الحلفاء مهاجمة محطة الجردون وتحريرها لعزل القوات العثمانية و حلفائها من الألمان و النمساويين في معان من الشمال وقطع خطوط الامداد التي كانت تغذي قوات الاحتلال العثماني في معان من عنيزه والجردون إضافة لتحرير محطة غدير الحاج جنوب معان لنفس الغاية، وقد نجح جيش الثورة لاحقا في تحرير محطة غدير الحاج.

125jpg
عدد من فرسان الثورة في حملة عسكرية قرب منطقة غدير الحاج

 معركة أبو الجردون الأولى

لم تكن هذه المعركة لتكون الأولى ، لولا حصول معارك متتالية في المنطقة ذاتها حتى وصلت إلى أربع عمليات رئيسية، ولم يستطع جيش الثورة الاحتفاظ بهذه المحطة فكانت الهجمات خاطفة وتدميرية لا تستهدف السيطرة التامة لأن هذا يعني تخصيص جزء من القوات للبقاء فيها فقد كان العرب يحتاجون للقوات لحصار قوات الاحتلال العثماني في معان وتشديد القبضة عليها لتحريرها بالسرعة الممكنة حتى يمكنهم الالتحاق شمالا بقوات الثورة العربية  الكبرى.

وقد ورد في أوراق البطل صبحي العمري أن المعركة قد حدثت في نيسان 1918 دون تحديد بدء المعركة ، وورد في يوميات الأمير زيد  ما يلي :

10 نيسان 1918 : تعرضنا على محطة أبو الجردان وضبطناها وأسرنا 112 جنديا وغنمنا 3 رشاشات وألحقنا بالقطار العسكري تعطيلا مهما، أما مولود مخلص فيذكر في مذكراته أن الهجوم قد وقع يوم 12 نيسان .. وفي كتاب تاريخ الاردن بين الماضي والحاضر لسليمان الموسى ومنيب الماضي ذكروا أن الهجوم قد بدأ في فجر 11 نيسان 1918 بقيادة جعفر العسكري .

 

خطة المعركة

      وقعت المعركة فوق ارض الجردون لجهة الغرب حيث تحركت القوة بكاملها من منطقة عين نجل بقيادة جعفر العسكري وفي يوم من أيام نيسان تحركت قوة الاستطلاع إلى المحطة لوضع الخطة بقيادة رشيد المدفعي وقد كانت الخطة على النحو التالي :

اتجاه الهجوم : من الغرب

الهجوم : قصف تمهيدي من المدفعية ثم تتحرك القطعات

وتاليا تفصيل المعركة كما أوردها البطل صبحي العمري :

شرعت المدفعية بالقصف ثم شرعت المشاة بالتقدم ، وتقدمت بسريتين خلف المشاة وخلف الفجوة التي بين الفوجين، وفتحت النار من  أول موضع من مسافة ثمانمائة متر ، وقد أصبحنا تحت نار العدو المؤثرة ، وبعد قليل تقدمنا بقفزة أخرى إلى مسافة مائة متر اخرى وبدأت اصابات تقع في جنود المشاة المتقدمين  .

وقفزنا قفزة أخرى بحيث أصبحت الرشاشات على مسافة خمسماية متر عن العدو، وتعتبر هذه المسافة في مثل هذه الأرض المنبسطة غير ملائمة للرشاش وغير معقولة ، ولكنني أردت تشجيع المشاة ، وسقط من سريتي أول جريح وأعقبه جريحان وكثرت الإصابات في المشاة ووقفت عن التقدم على مسافات متفاوته بين 200 – 300 متر وهذا يعتبر موقعا خطرا فالمسافة  أصبحت قريبة للعدو بحيث أصبح بإمكان رماته ايقاع اصابات مؤثرة من هذه المسافة القصيرة .

وفي هذه الأثناء مر من جانبى ضابط اسمه عباس على حصانه هاجما على العدو ولما صار إلى جانبي صاح : ياصبحي اشهد، ولم يكد يبتعد ثلاثين مترا حتى خر صريعا وكان هذا الضابط مرافقا لجعفر العسكري . لقد وقف خط تقدم المشاة ولم يكن من الجائز أن تتقدم الرشاشات لأكثر من هذه المسافة بمثل هذه الأرض وقد أصبحت نيران رشاشاتنا متسلطة على استحكامات العدو (لأن طلقات الرشاش تكون واضحة مما تنشره من غبار )، ولما تيقنت من توقف تقدم المشاة أمرت هؤلاء الجنود بأن يتبعونى وشرعت بالتقدم بعد أن أوكلت بالرشاشات لأمر الرعيل الأول . ولما صرت في صفوف المشاة الأمامية صرنا ننخيهم (نحثهم) ونحن مستمرون في التقدم وبدأوا يتقدمون معنا .

        ولما وصلنا إلى مسافة نحو ثلاثين مترا من المحطة كانت آخر قنبلة وآخر صلية رشاش تقع عليهم لأنه ونحن في مثل هذه المسافة يجب أن يقطعوا نيرانهم ولم يبق أمامنا وأمام العدو سوى القنابل اليدوية والحراب . صحت بأعلى صوتي بالتركي (سلموا أحسن ما تموتوا ) ورأيت الجنود واقفين بحالة ذهول شاكين الحراب، أما نحن فلم يكن لدينا حراب وفي تلك اللحظة شاهدت ضابطهم شاهرا سيفه يقول لجنوده تهيئوا بالحراب عندها ألقيت إحدى القنبلتين اليدويتين اللتين كانتا معي وألحقتها بالثانية، وكانت حصيلتها هذا الضابط العثماني المسكين وعدد من جنوده وعند استيلائنا على المحطة رأيته قتيلا وقرأت هويته فكان من ( جنس اللاز ) وهم غير الأتراك وبلادهم في شمال الأناضول فأمرت بدفنه .

وأعقب ذلك عدة قنابل من جنودي وخفض جنود الاتراك رؤوسهم ضمن الخندق وهم يصيحون من داخله ( تسليم ) فطلبنا اليهم أن يتركوا سلاحهم في الأرض ويرفعوا أيديهم حيث استسلموا .

لا أذكر عدد الشهداء والمجاريح الذين قدمتهم المفرزة ولكن الشهداء من سريتي كانوا ثلاثة والمجاريح سبعة .

معركة الجردون الثانية

       ذكرنا أن عملية تحرير الجردان كانت تستهدف تدمير المحطة وحرمان العدو من منطقة امداد وتموين وتعزيز وإسناد خلفي من جهة  الشمال ، وحتى لا تبقى قوات الثورة بلا واجب أو عمل في هذه المحطة فقد تقرر اخلاؤها ( 17 نيسان 1918 ) أي بعد حوالي أسبوع تقريبا من تحريرها وقد عاد جيش الثورة إلى القيادة الرئيسية في (اوهيدة)، لكن ترك قوات الثورة للمحطة أسرع في عودة القوات العثمانية اليها وتشغيلها بسرعة قياسية إلى الحد الذي تمكنوا فيه من توصيل قافلة مؤن إلى حاميتهم في معان وساعد ذلك فى إطالة أمد الحصار وانقاذ الحامية في معان بعد أن كانت على وشك الاستسلام.
ومهما يكن فإن قوات الثورة وعملياتها العسكرية كانت نشيطة لا تقبل البقاء مستكينة في أي حال من الأحوال وتبحث باستمرار عن العدو وتشتبك معه، وقد أدرك العثمانيون هذه الصفة فأخذوا يتجنبون الاصطدام بقوات الثورة و فرسان العشائر الأردنية حتى أخذوا يفرون من المواقع ويخلوها من تلقاء أنفسهم كما حصل في هذا الموقع .

T E LAWRENCE AND THE ARAB REVOLT 1916 - 1918 (Q 58836) The Mejlis outside Emir Feisal bin Husain al-Hashimi's tent at Nakhl Mubarak, near Yenbo. Copyright: © IWM. Original Source: http://www.iwm.org.uk/collections/item/object/205062789
مقر القيادة الرئيسية في اوهيدة

تفاصيل معركة الجردون الثانية

يقول البطل صبحي العمري في أوراقه :
(عقب معركة معان وفي 11 أيار 1918 تقرر القيام بمهاجمة محطة الجردون للمرة الثانية، وتقرر أيضا تشكيل القوة التي سنقوم بهذا الهجوم من الفرقة الأولى  من لواء الهاشمي ومدفعيته وثلاث طائرات بريطانية ومفرزتي تخريب ( تعطيل القطار العسكري ) ، كما تقرر إبقاء الفرقة الثانية في السمنات لمراقبة العدو وترصده وعهد بقيادة هذه القوة إلى رئيس أركان الجيش الشمالي نوري السعيد .

       تحركت هذه القوة من من الوهيدة في صباح يوم 10 أيار 1918 ووصلنا عصرا إلى غربي الهضاب التي غرب محطة الجردونة، وبينما كانت القطعات تشغل أمكنتها فى المعسكر اصطحب قائد القوة نوري السعيد كلا من أمراء الألوية والأفواج وأمر مفارز التخريب وذهبنا إلى الهضاب المشرفة على المحطة من الجهة الغربية . وهناك ابلغنا القائد خطة الهجوم وتقضي أن يجتاز السكة الحديدية من جنوب المحطة وتترجل في الأراضي المستورة التي جنوب الجسر وتراقب الجبهة .

        كما تراقب الجبهة الجنوبية كي نقاوم كل تقدم يجري من جبهات معان . تقوم سرية رشاش اللوء الهاشمي باجتياز السكة برفقة سرية الخيالة ثم تفترق عنها وتأخذ لها مواضع مناسبة في شمال الجسر الكائن جنوب المحطة لاسناد الهجوم لكلا اللوائين، واذا وقع أي تعرض من جهة الجنوب وقامت سرية الخيالة بمقاومته فإن سرية الرشاش عندئذ تسند بنيرانها تلك السرية، يقوم اللواء الثاني بالهجوم من غرب المحطة ونقوم مفارز التخريب بتعطيل خط  القطار العسكري من الشمال والجنوب قبل بدء الهجوم بساعة . تسند المدفعية وثلاث طائرات هجوم اللوائين.

وقد وزعت هذه الأوامر وبلغت عن الأراضي التي سيجري عليها الهجوم كما وزع مع الأمر جدول توقيت لساعة حركة كل قطعة من نقطة الشروع . أما القوة المخمنة للعدو فهي سريتا مشاة و 4 رشاشات ومدفعان .

      وقبل بزوغ الفجر تحركت كل قطعة في الوقت المعين نحو المكان المخصص لها، وفي الصباح الباكر بدأت الطائرات بالقصف كما فتحت المدفعية نيرانها على مواضع العدو وكنا نحن في مواضعنا ففتحنا نيران الرشاشات وكانت المسافة بينا وبين المحطة لا تتجاوز الثلاثمائة متر، لأن الارض كانت مساعدة لنا وتسترنا عن نظر العدو وشرع اللواءان بالتقدم من الشرق والغرب، وأصبح العدو بين نارهما بحالة حرجة وانشغل الاتراك عنا برمي مشاتنا، الأمر الذي شجعنا على التقدم لمواضع أقرب وكانت مواضع الأتراك تحت تأثير نيراننا الجانبية ومن مسافة  قصيرة بحيث لا يمكن أن تخطئ الإصابة الأمر الذي جعل أي واحد منهم لا يتمكن من رفع رأسه من الخندق، وكانت مشاتنا على مسافة خمسين مترا فقط من المحطة ومعي نحو عشرين جنديا من حاملي البنادق فتقدمنا إلى المحطة  والأتراك رافعي أيديهم ملقي سلاحهم وكان  أول من وصل بعدنا نوري السعيد ومرافقه مع عدد من المراسلين . قلت له : يا بيك نحن قبلك، قال : نعم وضحك. لقد كان في الثورة تقليد متعارف عليه وهو الاهتمام بمعرفة من سيصل قبل غيره الى الموقع المستولى عليها وفي اعادة يرفع ذلك الضابط الى رتب أعلى .

صور تظهر تدمير قوات الثورة للمحطة و القطار العسكري فيها

       وصلت الألوية الى المحطة وجمعت الأسرى فكانوا نحو 250 ودمرت المحطة والجسرين اللذين فى شمال وجنوب المحطة واشتركنا بتدمير الجسر الجنوبي للقطار العسكري الذي كان بقرب مواضعنا، وحوالي الظهر عدنا الى المعسكر الذي كنا فيه وفي اليوم الثاني عدنا إلى المعسكر فى الوهيدة، انني لا أذكر مقدار الخسائر التي اعطتها جميع القوة في هذه العملية انما سريتنا لم يقع فيها أية اصابة ).

الاستيلاء على جسر ابو الجردون

        ويكمل البطل صبحي العمري روايته بالقول : في أحد الأيام التي كنا فيها بالوحدة جاء مراسل من المقر بكتاب يعرضه على أمراء الوحدة وفيه طلب تطوع ضابط يرسل بمهمة خطيرة، وكان معسكرنا قريب من معسكر المقر فذهبت اليه وكان في خيمة نوري السعيد بعض ضباط المقر؛  قال : ترون الجسر الذي في شمال الجردونه فقد أصلحه الأتراك و عاد القطار العسكري لمسيره، فنحن لا نريد اجراء معركة لتخريبه بل نريد أن يذهب ضابط مع عدد من الجنود ومفرزة تخريب فيباغتون حامية الجسر ويستولون عليه ويعطلونه ويعودون في الليلة نفسها، وسنرفقه بالمقدار الكافي من المتطوعين من القطعات قلت : قبلت المهمة دون متطوعين عندي جنود أهل للقيام بها؛ أطلب فقط 40 قنبلة يدوية وعشرة خراف لوليمة لسريتي بعد عودتنا. قال : ويرافقك الرئيس ( ص) قلت اذا كان هو آمر المفرزة فلا لزوم لي و اذا كنت أنا آمرها فلا لزوم  له ….

وفي الصباح  الباكر تحركت مع عشرين جنديا راكبا وبغلين يحملان أربعة فناطيس “ماء” وبرفقتنا مفرزة التخريب للقطار العسكري،  وفي الضحى وصلنا الهضاب المشرفة على الجسر من جهته الغربية، وبعد أن وضعت الحيوانات في محل مستور خلف الهضبة بدأت الترصد بواسطة المنظار وكانت المسافة إلى الجسر نحو ستمائة متر وكان بين الجسر والهضاب مجرى سيل ناشف يتراوح عرضه بين الخمسة أمتار والعشرة ليشكل طريق تقرب مستور جيد . استمريت بتدقيق وترصيد كل حركة من حركات الحامية طيلة النهار دون أن أدع أحد يقترب مني حيث بقي الجميع عند الخيل بحالة راحة وذلك في الاحتراز من أن يشعر بنا العدو .

      كانت الرؤيا جيدة بالنظر للجو وقرب المسافة وكنت ارى كل شىء واضحا حتى أنني كنت أسمع الاصوات المرتفعة وكانت خيمهم السفرية الصغيرة منصوبة تحت الجسر، وكان لهم أربعة خفراء منفردين اثنان على شمال وجنوب السكة واثنان على حافتي السيل، أحدهم في شرق السكة والثاني في غربها ومسافة الخفراء على الجسر نحو مائتي متر . وفي حوالي الظهر جاءتهم من محطة الجردونة ( ترولي ) يظهر أنها اتت لهم بطعام وماء وقبل المغرب بنحو ساعة جرى تبديل الخفراء واختصرت مسافة الخفراء عن الجسر الى نحو المائة متر فعلمت من ذلك ترتيباتهم الليلية وقررت الخطة .

 و كانت الخطة التي قررتها هي أن نشرع بالحركة بعد ساعتين من الغروب، ننحدر أولا إلى ملتقى السيل بالهضبة ترافقنا مفرزة التخريب بمسافة خمسة امتار وتسير خلفنا مفرزة التخريب و عندما نصل إلى نقطة تبعد نحو مائتي متر عن المخفر الذي على الحافة الجنوبية من مجرى السيل نترك مفرزة التخريب ونبدل استقامتنا نحو الشمال الشرقي، وعندما نصبح في منتصف الزاوية المنفرجة التي بين الخفيرين الشمالي والغربي حيث يبتعدان عن بعضهما بمسافة مائتي متر تقريبا ونتجه شرقا باتجاه الجسر، وعندما نصل إلى السكة تكون بيد كل منا قنبلة يدوية جاهزة للرمي، فيرمي ثمانية منا قنابلهم إلى تحت الجسر بينما الثمانية الآخرون يجتازون السكة لجهتها الشرقية بسرعة ويلقون بقنابلهم الثمانية الأخرى إلى تحت الجسر أيضا وكل من يرمي قنبلة يتهيأ ببندقيته لمقابلة الاحتمالات المنتظرة ، وقبل الغروب جمعت جميع من سيرافقنا وافهمتهم الخطة من أعلى الهضبة  وأريتهم جميع الأماكن التي ستسيرعليها وعملنا تجربة لطريقة المسير المنفرد في السبيل ، وتحركنا في الوقت الذي قررناه وسارت الأمور على أحسن ما يرام فوصلنا الجسر وألقينا القنابل وكانت المباغتة ناجحة وكاملة وسمعنا صرخات الأتراك ينادون ” تسليم تسليم ” فناديت على جنودي : قفوا مكانكم ، وناديت الأتراك بالتركية أنه لا خوف على حياتهم ان تقدموا لعندنا بعد أن يتركوا سلاحهم . واستسلموا جميعهم حتى الخفراء الذين لم يصبهم الأذى، الخفير الذي في الجنوب يظهر أنه انهزم نحو محطة أبو الجردان، لقد كان مجموعهم ضابطا وعشرين جنديا قتل منهم الضابط وثمانية جنود وهرب واحد وستة مجاريح وخمسة  أسرى . وبينما كنا نجمع اسلحتهم وعتادهم أعطيت الإشارة لمفرزة التخريب بالتقدم فوضعنا خفراء حماية على شمال وجنوب السكة وباشرت المفرزة بعملها ونسف الجسر وجمعنا خفراءنا  وعدنا من الطريق الذي جئنا منه، و وصلنا  الوهيدة قرب الفجر .

وكنا ذكرنا سابقا أن الأتراك مثلوا بالأسير الوحيد الذي أخذوه أثناء معركة غدير الحاج واهتم الجيش بهذه المسألة وتبين من التحقيق مع  الأسرى أن الذي مثل به رئيس عرفاء تركي عرف اسمه وصفاته عساه  من الأسرى . وفي إحدى غارات الطيارات التركية علينا شاهدت بقرب خيمتي أسيرا  تركيا تنطبق عليه تلك الصفات؛ فسألته عن اسمه فكان هو الاسم فأرسلته مع جندي إلى المقر وظهر أنه نفسه، وبعد التحقيق اعترف وجرت له محاكمة سريعة وجرى اعدامه وأرسل بذلك كتاب إلى الأتراك لإعلامهم بتنفيذ حكم الإعدام عقوبة له ).

رواية البطل محمد علي العجلوني عن هذه المعركة

يقول العجلوني  عن معركة الجردون الثانية :

 ” والغارة على الجردون في المرة الثانية كانت في الوقت الذي كنا نلتحم فيه مع العدو في محطة معان التي سقطت جريحا فيها، وإني اذ أكتب الآن عن حوادث الجردونه انما اكتب نقلا عن مصادر وثيقة واستنادا إلى أقوال الذين ساهموا فيها من الضباط، والقوة التي زحفت اليها كانت مؤلفة من لوائين من المشاة وبطارية مدفعية ولواء من الفرسان، وكانت مهمة لواء الفرسان الترصد ومنع النجدات من محطة عنيزة شمال الجردونة، و استسلمت حامية المحطة بعد عراك دام بضع ساعات جرح خلالها قائد لواء الفرسان اسماعيل نامق .

mohammad-ali-ajlouni
البطل محمد علي العجلوني

 

معركة الجردون الثالثة

  يذكر صبحي العمري في أوراقه أن المعركة قد وقعت في 16 أيار 1918، وهو اليوم الذي اتخذت فيه قيادة الجيش القرار بمهاجمة المحطة، وعودة الى مذكرات الامير زيد بن الحسين وفي مذكراته نطالع رسالة وجهها الأمير زيد إلى الشريف الحسين بن علي من الفقي في 21/5/1918 يذكر فيها عن هجوم قوات الثورة الثاني والثالث الجردونة ويذكر ما نصه :

    (وهجمنا عليهم في المرة الثالثة و دخلنا استحكاماتهم وأخذنا مدافعهم ولكن مع مزيد الأسف بعد أن أرادوا التسليم وبالفعل سلم منهم 13 جندي، ورأوا جند الثورة متقدمة عليهم بكل بسالة وشجاعة غدروا بهم  وأطلقوا عليهم القابل اليدوية ….)

السلوكيات العسكرية التركية

     كان الهجوم العربي الثالث على هذه المحطة بمثابة الإزاحة الكاملة عن الستار الذي كان يغطي السلوكيات المليئة بالخسة و الغدر من قبل القوات التركية، لقد ارتفع سمو الأمير فيصل إلى مستوى الاخلاق الهاشمية عندما قرر صرف مكافأة لكل من يحضر أسيرا تركيا بدلا من قتله، ونجحت خطته ولم يعد هناك تركي أو غيره يقتل، بالمقابل فقد ظهرت في معركة الجردونة الثالثة السلوكيات التركية القذرة في التعامل مع الأسرى من خلال حادثتين :

الأولى : وهذا ما ورد فى كتاب الأوراق الأولى لصبحي العمري  وفي مذكرات الأمير زيد حيث تطابقت  الروايتان؛ حين قام الأتراك برفع الأعلام البيضاء استعدادا للتسليم فأوقفت قوات الثورة اطلاق النار وتقدمت من الجنود الأتراك لاستلامهم لكن المفاجأة كانت أن انهمر الأتراك بالرصاص والقنابل على جنود الثورة المتقدمين وأوقعوا فيهم الخسائر، واضطرت القوات للانسحاب من الموقع .

الثانية : وقع في أيدي الأتراك ستة جنود وجرحى كأسرى، وقام الأتراك بذبحهم ذبح الشياه وهذا أثار حفيظة قوات الثورة و فرسان العشائر الأردنية وهنا وجه الأمير فيصل بن الحسين إلى القائد التركي علي بك رسالة بهذا الخصوص ينذره فيها من تكرار هذه التصرفات من قبل قواته المخالفة لقوانين الحرب.

سير الهجوم الثالث على محطة الجردونة

رواية صبحي العمري في كتابه الأوراق الأولى

     وطلع الفجر وبدأ نورالنهار وبدأت مدفعيتنا بالرمي لتخمين المسافة وايجاد الهدف وبدأت مدفعية العدو بمقابلتها ، وبدأ المشاة بالتقدم ونحن خلفهم ودخلت قطعات المشاة ضمن المسافة المؤثرة فشرعت بالرمي والتقدم ، وادخلت الرشاشات في أول موضع رمي، وكان محمود الهندي مع رعيله الأول وكان الرعيل الثاني بإمرة الملازم رضا الشاشي، وكنت قريبا من محمود الهندي حيث كانت خطوط مشاتنا تتقدم بسرعة وكأنها في سباق مع اللوء الاخر و وكنت اضطر لمجاراتهم وتبديل مواضع الرشاشات بسرعة أيضا، ونشطت مدفعية العدو ووصلت مشاتنا إلى مسافة قريبة من المحطة حتى أن قسما منها احتل مواضع العدو التي كانت في شرقها وأخذوا منهم بعض الاسرى . وكانت مواضع رشاشاتنا قد اقتربت إلى مسافة مائتي متر ؛ واللواء الغربي كان لا يزال بعيدا عن المحطة مما سبب انقسام فوجه إلى قسمين، فضعف فتمكن العدو من الاستفادة من هذا الانقسام فوجّه جميع قواه من بنادق ورشاشات ومدفعية للجهة الأخطر التي وصلت الى المحطة . ولما رأى الأتراك الخطر المحدق بهم وعناد الثوّار التجأوا إلى الحيلة فنهض جنودهم من الخنادق ورفعوا أيديهم بالتسليم فنهضت مشاتنا وبدأت تتقدم لاستلامهم، كما أن رشاشاتنا توقفت عن الرمي، فعندها بكل خسّة تلقاهم الأتراك بالقنابل اليدوية والرصاص حيث قتلوا الكثير مما اضطر الباقي للرجوع إلى الخلف ثم الانسحاب .
بدأت مشاتنا تعود واجتازت مواضعنا وأصبح من واجبنا أن نحمي انسحابهم لكن في مواضع غير مناسبة فهي قريبة جدا وفي أرض مفتوحة ومكشوفة، فإن العدو اذا ما تفرغ لنا برشاشاته وبنادقه ومدفعيته فمن المستحيل أن يترك لنا أي مجال بل سيقضي علينا لا محالة، لكننا كنا مضطرين لعدم قطع النار لحماية مشاتنا ولعدم امكاننا من الاتيان بأية حركة تحت تلك النار الكثيفة .

كنا متفقين ، محمود الهندي وأنا، على أنه إذا وقع أحدنا جريحا وتعذر سحبه الى الخلف، فإن على الآخر أن يطلق عليه الرصاص فيقتله كي لا يقع أسيرا فى يد الأتراك، إنّ مثل هذه الاتفاقات حصلت ما بين بعض الضباط بعد حادثة رئيس العرفاء الذي وقع في يد الأتراك في محطة المدورة وقطعوا رأسه ومثلوا فيه بالرصاص والحراب .

untitle-12
صورة تجمع البطل صبحي العمري مع البطل محمود الهندي- من مجموعة صورة الراحل صبحي العمري

  “ وفي هذه الاثناء اقترب اللواء الغربى من المحطة وخفّت عنا النيران بعض الشيء فأمرت بتبديل الموضع نحو الخلف بمائة متر وانسحب الرعيل الثاني ودخل الموضع وفتح النار، وباشر الرعيل الاول في الانسحاب وما كاد آمره محمود الهندي يبتعد عني عشرين خطوة حتى وقعت بجانبي قنبلة مدفع فأوقعتني أرضا وغمرني التراب والدخان، وما كاد الدخان ينقشع إلا ورأيت محمود الهندي حاملا بيده مسدسه يصوبه نحوي يهم بإطلاقه علي ظنا منه أنني جرحت؛ فكان يريد بذلك أن يفي بوعده بأن لا يتركني جريحا بيد الأتراك ففهمت قصده وناديت ( لست مجروحا انسحب )، فعندها استمر الانسحاب حتى دخلنا المواضع وأنا معهم، وكانت حصيلة تلك القنبلة جرح بسيط فى مؤخرة فخذي الأيسر ولو تأخرت قليلا في ندائي على محمود لكان قتلني .

كانت مسافتنا من المحطة في مواضعنا الجديدة نحو 400 متر وهي مسافة تعتبر قليلة ومهلكة في مثل هذه الارض وإن كانت مهلكة أيضا للعدو ، وكان علينا أن نبقى فى هذا الموضع لأن اللواء الغربي كان في وضع خطر أمام مواضع العدو و وجميع قوته مسلطة عليه فكنا بنيراننا نساعده بجلب قسم من نيران العدو الينا وبارباكهم وعدم اعطائهم الفرصة الكاملة لتفرغ له ولم يبق بالإمكان إعادة هجوم اللواء الشرقي لأنه قدم الكثير وفشلت حركة الاستيلاء على المحطة .

أما سرية الخيالة التي كانت بإمرة الرئيس اسماعيل نامق، فإنها ترجلت خلف المنفرجات التي في جنوب الجسر الجنوبي وتقدمت على شرق السكة نحو الشمال ولكن في هذه الأثناء أصيب اسماعيل نامق بطلقة اخترقت صدره فحملوه إلى الخلف وبقيت السرية بإمرة قائدها الملازم اشرف .

      و هكذا عدنا وعسكرنا في موقع الفجيج على مسافة 4 أميال الى الجنوب من موقع اذرح وكانت خسائرنا ستة ضباط و 23 جنديا شهداء و 100 جريح، والأتراك  40 قتيلا و 18 أسيرا وأما خسائر سريتي فخمسة جرحى وشهيدان .

 ومن رواية محمد علي العجلوني في مذكراته عن المعركة نورد هذه الحادثة المؤلمة التي تصور بشاعة المعركة و صعوبتها و قسوة المشاهد فيها :

” ولم تخل هذه المعركة من حادثة طريفة ، ومؤلمة جدا فقد جرح الرئيس تركي الشطي، وهو أحد قادة سراب المشاة فحمله زميله الملازم هشام الدزدارعلى كتفه وهرول به ابتغاء نجاته بالخروج من دوامة المعركة ، ولكن قنبلة مرت كالبرق فخطفت رأس هاشم الدزدار وتركت زكي الشطي محمولا على جثة بلا رأس عدة ثوان ، ثم سقط الجريح والجثة معا، وأسر زكي الشطي وأرسل إلى المستشفى في دمشق ليعالج، ثم ليعدم بعد شفائه  (ولكن الله لطف به فقد دخل جيش الثورة إلى دمشق وهو لم يزل في المستشفى ).

أما نزيه الدمشقي فقد خطفت رأسه قنبلة وهو يمتطى حصانه فوصل الحصان به إلى المعسكر يحمل جثة بلا رأس ما أفزع الناس  من منظره.

معر كة الجردون الرابعة

وضعت الخطة بعد القيام باستطلاع المنطقة في 20 تموز 1918  حيث تحركت مجموعة الاستطلاع من معسكر الطاحونة غرب الجردونة، أما الخطة الموضوعة فقد كانت كما يلي :

 قسمت القوات إلى مجموعات قتال ثلاث بحيث تهاجم المحطة من جهاتها الجنوبية والغربية والشرقية، أما عن تفاصيل المعركة ، فنترك الحديث لصبحي العمري كما أورده في الأوراق الاولى:

    وتعينت ساعة الشروع بالتقدم والمسافة التي يجب ان تكون فيها كل  قوة عن العدو . وعيّرت الساعات، حيث ذهب كل قائد لقطعته واستعد للحركة وتوجه كل منهم في تلك الليلة نحو خط  مسيره ووصل إلى الارض التي سيقوم منها بالهجوم في الصباح التالي، وقرر آمر قوتنا الشرقية أن يقوم لواء الهاشمي بالتقدم على يسار القوة الشرقية ومن الشرق الجنوبي للخط . لأن القوة  الجنوبية ستقوم بهجومها من غرب السكة الجنوبي .

         ومع بزوغ الشمس كانت جميع القوات في الأمكنة المخصصة لها منذ الليل وكان لواء الهاشمي في مواضع قريبة جدا من المحطة، لأن الارض التي هو فيها مستورة تساعد على هذا التقرب ، ولكن باقي القوات كانت فى أراض مفتوحة والقوة الشرقية كانت خلال الليل متقدمة لأكثر من اللازم ومسافتها عن العدو أقل مما يقتضيه الأمر والوضع .

ومع طلوع النهار وانكشاف الأهداف شرعت المدفعية بالرمي واعقبتها الطائرات الثلاث وشرعت ألوية المشاة بالتقدم، وبما أن اللواء الشرقي كان (كما قلنا) متقدما أكثر مما يجب فقد سبب ذلك خللا بتوحيد حركة الهجوم بين القوات الثلاث ، فالقوة الغربية بدأت بالهجوم من مكانها المعين وهي لا تزال على مسافة بعيدة من العدو، والقوة الجنوبية التي وصلت إلى منتهى الأرض المستورة وبداية الأرض المكشوفة كانت تنتظر في مكانها لتوحد هجومها مع الآخرين .

133
قوات الثورة تصعد إحدى المرتفعات الجبلية أثناء المعارك ضد الاحتلال العثماني شمال معان

أما اللواء الرابع من القوة الشرقية الذي تقرب ليلا إلى مسافة قريبة جداً من العدو والذي باشر هجومه مبكرا، وجد أن مسافة هجومه مع القوات الاخرى اصبح 200 – 300 متر من العدو في أرض مكشوفة معرضا نفسه لتلقي نيران العدو حيث وجهت إليه جميع أفواهها النارية مستفيدة من بعد القطعات المهاجمة الأخرى، ولما رأى قائد القوة الجنوبية تحسين علي هذا الموقف أراد أن يتلافى الأمر فباشر بالتقدم قبل الموعد المقرر ولكن دون فائدة لأن العدو كان قد انزل ضربته باللواء الشرقي فقتل آمره مع عدد من ضباطه ووقع الكثير من القتلى والجرحى وتراجع  على أعقابه، وعندما استدارت القوة التركية بجميع أفواهها النارية نحو القوة الجنوبية التي كانت اثناءها قد وصلت إلى مسافة قريبة ففتكت بها كما فعلت بالقوة الشرقية فجرح قائدها جرحين، وقتل الكثير من ضباطها وجنودها وجرح عدد كبير منهم فتراجعوا قليلا إلى الأراضي  المستورة، كل هذا ولا تزال القوة الغربية مستمرة في التقدم ولكنها عندما وصلت إلى مسافة قريبة كان  العدو العثماني قد قضى على هجوم القوات الأخرى فتفرغ لها ووقع ما وقع للقوات الأخرى فقتل آمر اللواء السيد طاهر وعدد من ضباطه وجنوده وجرح الكثيرون.

أما لواء الهاشمي فقد ترجل في الأراضي المستورة التي خلف الجسر وتمركزت الرشاشات في نهاية الأرض المستورة المشرفة على المحطة من مسافة لا تبعد عنها لأكثر من 400  متر وهو موضع جدا موافق بل ممتاز للرمي فهو مستور وقريب، وقد دخل جنود سرية الخيالة في مواضعهم إلى جناحنا الأيمن و تمدد آمر اللواء الرئيس بهجت بجانبي يلح على التقدم كما كانت تفعل القوة الشرقية، وعبثا كنت أفهمه أن هذا الموضع هو الأصلح ولا يوجد ما يوجب تقدم الرشاشات أكثر من ذلك لأنها إذا فعلت ذلك فإنها ستكون في أرض مكشوفة معرضه للنار والفناء وعدم امكانيتها من القيام بواجبها . ولما رأى تقدم اللواء الجنوبي عاد بالإصرار على التقدم . وفي الحقيقة كان يجوز له أن يتقدم بجنود الخيالة حملة البنادق ولكن تقدم الرشاشات كان خطأ ينتج عكس ما يتصوره . وأخيرا استحييت وخفت أن يظن بي الجبن فأمرت الرشاشات أن تتقدم لمواضع متقدمة رشاشة بعد الأخرى وتقدمنا نحو مئة متر واصبحنا في أرض مثل الكف وفي مسافة  300  متر ويشكلون هدفا ممتازا للمدفعية والرشاش والبنادق، وانتبه إلينا العدو وسلط علينا نيرانه من جميع الأنواع وبدأت الإصابات تتعاقب بسرعة وكان المرحوم  بهجت في حينها يتمدد تسترنا نبته شيح لا يتجاوز علوها العشرة سنتمترات وكنت خلال ذلك التفت كلما اسمع حركة غير اعتيادية و التفت لتلك الجهة لأجد هناك أكثر من شهيد وجريح وكانت أكثر الاصابات قاتلة، وأثناء ذلك سمعت حركة بالرشاشة التي قربنا فرأيت عريف تلك االرشاشة وهو يقع فسألت عن اصابته أجابني أحدهم ( رأسك سالم ) كناية عن التعزية بوفاته، فتأثرت جدا على هذا العريف لأنه آخر عرفاء السرية وأشجعهم . فقال المرحوم بهجت : ( لا تتأثر لا يا صبحي كلنا بدنا نموت في سبيل وطننا )، لم يكد يكمل جملته حتى سمعته يشخر ووقع رأسه ثم بدأ ينتفض وكانت الطلقة فوق خده الأيسر وبدأ يرمي بنفسه فوقي وكأنه يقول لي لا تتركني وقد صارت ملابسي كلها دم
وكانت الطلقات تزداد من جراء حركته فأمرت اثنين بأن يأخذاه للخلف فما كادوا يبتعدون عشر خطوات حتى وقع الاثنان شهيدين ، قام اثنان من الخيالة وما كاد يبتعدان حتى وقع أيضا أحدهم شهيد والثاني جريح، وجاء جندي خامس فحمله لوحده ووصل به إلى قرب موضعنا الأول وأصيب برجله وبقوا في محلهم إلى أن عدنا ورفعناهم . فعقب ذلك لم يبق لدينا أحد يتمكن من الرمي لأن أكثر جنودنا  اصبحوا بين قتيل وجريح فأمرت بالانسحاب للموضع الأول وحملنا جميعنا ضباطا وجنودا الرشاشات وبعض أدواتها وعدنا للرمي وكان وقتها اللواء الغربي يتقدم وحده ثم بدأ يتراجع ولم يبق من يستر انسحابه إلاّ نحن فقمنا وخلال ذلك سحبنا الشهداء ودفناهم وسحبنا المجاريح وأرسلناهم للمستشفى السيار وتوفي خلالها المرحوم بهجت .

وأثناء ذلك شاهدنا نوري السعيد على حصانه مع مرافقه الملازم فارس وخيال يحمل علم القادة بين خطوط الرتل الغربي يحرضهم على استئناف الهجوم، ولكن ذلك كان غير ممكن بعد أن منوا بتلك الاصابات الكثيرة . فأعطى أمر الانسحاب وبقينا في مواضعنا نرمى العدو حتى لم يبق أحد من المشاة فانسحبنا إلى معسكر في أبو اللسن وكذلك فعل آمر اللواء الاول تحسين علي، فلقد بقي في موضعه وثم انسحب بانتظام  . وأثناء انسحابنا من موضعنا الثاني للموضع الأول شاهدت الملازم الثاني طه بقيق وكان آمر فصيل نقلية العتاد مجروحا في رجله ومرميا على الأرض يتلوى من الألم، فأمرت بمن يحمله شغله إلى الخلف، ولما سألته عن سبب مجيئه إلى هنا وهو آمر نقلية شغله في الخطوط الخلفية، قال لي : (جيت اتفرج ياخوي ) قلت له مازحا : وهل أعجبتك هذه الفرجة ؟ . قال : لا والله، وبقيت بعد ذلك بسنين كلما رأيته أقول له طه هل أعجبتك الفرجة، ونضحك وكان يلذ له أن يقص هذه القصة في كل مناسبة .

301jpg
نوري السعيد أحد رجالات الثورة يقود بعض قوات الثورة المحملة بالذخائر و الأسلحة

 كانت نسبة الخسائر في هذه المعركة أكثر من جميع معارك الجيش الشمالي وقدرت خسائر الضباط بين قتيل وجريح ب 60 % وهي عالية جدا وكان الشهداء 24 ضابطا و 220  ضابط صف وجندي ماعدا الجرحى وكانت خسائر سريتي عشرة شهداء وثمانية مجاريح وكان أكثر الشهداء من أمراء الرشاشات وعرفائها وهذه أكبر خسارة منيت بها السرية بعد خسارة
معارك معان .

الأحداث التي وقعت فى معركة الجردونة

     لا يمكن فصل عمليات الثورة العربية الكبرى العسكرية عن مجمل الأحداث السياسية والعسكرية فى منطقة الشرق الاوسط عامة،  خاصة وأن قوات الثورة وفرسان العشائر الأردنية لم يتخلوا مطلقا عن اهدافهم العليا وكانت العمليات العسكرية وسيلة للوصول إلى الأهداف السامية .

لقد ظهرت النوايا الحقيقية للحلفاء بعد منتصف عام 1918  وتباينت ردود الفعل العربية، فقد لاحظنا ان الضباط العرب عارضوا  الهجوم على قلعة الشيدية (فصوعة)  باتجاه الجنوب وطالبوا بالهجوم شمالا، وذلك بعد انكشاف اتفاقية سايكس بيكو حين طلب الشريف الحسين بن علي استيضاحا من الحلفاء حول حقيقة الوضع فكانت الإجابات على شكل رسالة تطمينات .

 لقد اثرت اتفاقية سايكس بيكو من خلال إثارة تساؤل في نفس الشريف الحسين بن علي الصلبة ، مطالبا بالحقوق العربية الكاملة كما هى واردة في الوعود البريطانية، وكان هذا أهم حدث رافق عملية الجردون الرابعة أما بقية الأحداث فهي عسكرية تكتيكية ومن أهمها ما يلي :

  1. وصول سريتي هجانة استرالية قوامها 300 جندي من السويس الى العقبة في 2 اب 1918 بقيادة بكسنون وتشكلت من (300) مقاتل معظمهم من الهجانة المصريين .
  1. هجوم على المحطة في قلب عمان . وتحريرها  وأسر 150 جندي مع مدفعين رشاشين وتعطيل سكة حديد القطار العسكري في المنطقة ، ثم الحركة جنوبا ً في محاولة لتدمير النفق والجسور العشرة .

الكوبانية الحمراء : ( حسب رواية الشيخ هويمل النعيمات )

التقى المؤرخ الدكتور بكر خازر المجالي مع الشيخ هويمل النعيمات – رحمه الله – عام 1994 وعمره حينها حوالي 110 سنوات في بلدة بسطه إلى الغرب من معان بحوالي 20 كلم، وقد ذكر معركة الكبانية الحمراء التي شارك فيها بنفسه .

فاستذكر الراحل معركة (الكبانية الحمراء ) أو معركة التل الاحمر حيث شهد هذا التل معركة حامية بين قوات الثورة و فرسان العشائر الأردنية والأتراك، وتسمية الكوبانية الحمراء نسبة إلى كابينة القطار التي كان لونها برتقاليا ًأو أحمرًا،  وكان الجنود حين يهاجمون القطار يركزون الهجوم على كابينة القيادة لتعطيل القطار العسكري العثماني  واجباره على الوقوف، وقد وصف الشيخ هويمل مكان المعسكر العثماني الذي كان موجودا ً الى الغرب من قرية بسطة وبالتحديد على المرتفع 986  وهو المرتفع الأعلى في المنطقة، وحين يكون المرء فوق ذروته يشاهد معظم المناطق المحيطة بمحافظة معان وبالتحديد تلول السمنات والمطار ومحطة غدير الحاج والتل الأحمر ومحطة جرف الدراويش والطريق المؤدي إلى العقبة ووادي موسى وأيل والطيبة ويعتقد أن اختيار الأتراك لهذا المرتفع كان بسبب موقعه الاستراتيجي العسكري حيث يشكل نقطة ملاحظة واسناد لجميع المناطق المحيطة به .

أما عن شهداء (الكبانية الحمراء ) التل الأحمر فاستذكر الشيخ هويمل  اسم الشهيد سالم السودي النعيمات وسليمان شتات النعيمات واللذان استشهدا في هذه المعركة .

عنيزة ( المحطة والقلعة )

      عنيزة محطة تصنف ضمن المراتب الاولى من حيث التنظيم والتحصين العسكري، يسند عنيزة من الجهة الغربية وعلى بعد حوالى 300 متر قلعة عنيزة التي يعود تاريخ بنائها الى (1587) م وهي من طابقين بمدخل واحد من الجهة الشرقية بناؤها من الحجر الاسود والطين مربعة الشكل 22م×22م  تقريبا يمكنها استيعاب 100 جندي والى الغرب من هذه القلعة يوجد جبل عنيزة .

onaizah
قلعة عنيزة

عنيزة الجبل  ذو القمم العشرين بارتفاع 1145 مترا وهو الأعلى عما حوله يسيطر على المنطقة السهلية وكانه يقع في مركزدائرة نصف قطرها الشمالي والجنوبي الغربي حوالي 15 كلم أما نصف قطرها الشرقي فهو مفتوح يزيد على المائة كيلومتر .

هجمات قوات الثورة ضد موقع عنيزة

       كانت المنطقة ضمن اهتمام الأمير زيد بن الحسين فقد ركزت قوات الثورة على خط عنيزة الشوبك واستطاعت الحصول على موطئ قدم في المنطقة بدليل ما ورد فى رسالة من الأمير زيد إلى الأمير فيصل في 22 / 1 / 1918  يقول فيها ( وحسب الاخباريات الواردة في تثبت موقع الحديد الممدود بين الشوبك وعنيزة …)، وقد نفذت قوات الثورة عدة عمليات تعطيل وتدمير للسكة الحديدية للقطار العسكري شمال عنيزة وجنوبها إضافة إلى الاشتباك مع الأتراك في مواقع عديدة حولها كالتالي :

أ . 5 ايار 1918 تعطيل 25 قضيب سكة بين عنيزة والجردون .

ب . 11 ايار 1918 تعطيل جسر من ستة  قناطر بين عنيزة والجردون .
جـ . 12 ايار 1918 هجوم على محطة الجردون وفرار القائد الالماني  )ديمتري ) ومعه 30 جنديا ألمانيا و نمساويا إلى عنيزة .

د . 20 حزيران 1918 استيلاء عشيرة  ( العودات ) من قبيلة الحويطات على تسعة بغال ذخيرة بين الجردونه وعنيزة  (وهذا دليل على أن قلعة عنيزة كانت مستودعا للذخيرة).

        وفي رسالة من جعفر العسكري إلى الأمير زيد مؤرخة في 17 شباط 1918 ورد فيها:

( من الوهيدة يهاجم مولود (مخلص) مع مدفعية صحراء وأربعة ارهاط من المشاة والمواليد والحجزة على معان وقوة الهيشة مع الشريف عبد المعين على عنيزة ولكن هذا سيكون للاشغال، ونلاحظ أن هجوم عنيزة هدفه ( الاشغال ) أي مشاغلة العدو دون الدخول باشتباك حاسم يهدف إلى السيطرة على المحطة او القلعة ) .

        لذلك لم تنجح كل العمليات الموجهة ضدها ولم يخلها الاتراك إلا بعد انسحابهم من معان ذاتها ويعود ذلك إلى :

أ . قوة التحصينات التركية إضافة إلى أن القوات غير النظامية ومن التجارب العديدة تحجم عن القيام بأي عمل عسكري ضد مواقع محصنة .

ب . اعطت قيادة الثورة الأولوية الأولى ضد الحامية العثمانية الألمانية النمساوية  في معان ومحطة الجردون خاصة، خلال ربيع عام 1918 ولم تتوجه أي قوات كبيرة تستهدف السيطرة على عنيزة إلاّ تلك المحاولة الطريفة والتي انتهت بمفاجأة مضحكة فعلا حين تقدمت القوات العربية ليلا وبحركة سرية باتجاه جبل عنيزة، ولكن ما أن اقتربت القوات من الجبل حتى أخذ أحد الحمير الذي يحمل فناطيس الماء بالنهيق وتبعه بقية الحمير، فانتبه الأتراك في الجبل للهجوم، فوجهوا رشاشاتهم ومدفعيتهم وأسلحتهم لاتجاه الهجوم، مما اضطرها للتراجع والغاء العملية، وقد كتب جعفر العسكري عن هذه العملية في مجلة عسكرية عراقية وهي المرجع الوحيد الذي يتحدث عن هذه العملية .

 

 

المراجع :

  1. الثورة العربية الكبرى : الموسوعة التاريخية المصورة ، البحث التاريخي والإشراف الدكتور بكر خازر المجالي ؛ فريق العمل فريق الفرس الشقراء ، مركز أرض الأردن للدراسات والنشر،2011 .
  2. التاريخ العسكري للثورة العربية الكبرى فوق الأرض الأردنية / بكر خازر المجالي، قاسم محمد الدروع 1995 .
  3. الثورة العربية الكبرى : الحرب في الأردن 1917-1918 : مذكرات الأمير زيد / سليمان موسى، دائرة الثقافة والفنون.
  4. المراسلات التاريخية 1914-1918 : الثورة العربية الكبرى. المجلد الأول / أعدها وحققها وكتب حواشيها وترجم بعضها سليمان الموسى ، 1973.
  5. المعارك الأولى : الطريق إلى دمشق، صبحي العمري، رياض الريس للكتب والنشر، 1991.
  6. ذكرياتي عن الثورة العربية الكبرى، محمد علي العجلوني، مكتبة الحرية ،عمّان ، 1956 .
  7. أوراق الثورة العربية، صبحي العمري، رياض الريس للكتب والنشر، 1991.

المسار الثالث عشر لمعارك التحرير

معان – بسطة – المريغة – دلاغة 

مقدمة

من المعروف بأن معان كانت مركز بوصلة حركة جيوش الثورة باتجاه الأهداف العسكرية شمالا نحو الجردون وعنيزة، وشرقا باتجاه الجفر، وغربا ً باتجاه وادي موسى وبسطة ووهيدة . ونبحث في هذا المسار الذي يبدأ في معان باتجاه بسطة وهي التي امتازت بموقع حصين مرتفع لا زالت آثاره مائلة للآن، ونحو المريغة باتجاه رأس النقب وهي منعطف هام ونحو دلاغة الأرض المنخفضة ذات الينابيع والأشجار، وفي المسارات السابقة بحثنا في معان وهنا نتناول مواقع بقية هذا المسار وهي منطقة القتال في غرب معان ذات الأرض الحيوية التي لها قيمتها العسكرية آنذاك.

وتظهر معان المدينة بوضوح خاصة من مناطق بسطة وايل وهذا يؤمن السيطرة والمراقبة المستمرة للمدينة ولخط سكة حديد القطار العسكري العثماني المار إلى الشمال منها .

وقد أثرت منطقة غرب معان بشكل واضح على مجرى العمليات العسكرية للثورة العربية الكبرى من حيث :

  • توفير المراقبة الدائمة والاستطلاع لمعان ذاتها وما حولها في ظل وجود حامية عثمانية كبيرة جدا إضافة إلى القيادات العسكرية الألمانية و النمساوية.
  • كانت المنطقة الغربية بمثابة منطقة حجاب ووقاية وخط دفاع متقدم من جهة الغرب حيت سلسلة من المعسكرات التركية وأماكن المستودعات والتخزين، ولذا جاء تحرير قوات الثورة لها بمثابة تضييق الخناق على القوات العثمانية و حلفائها وفقدت بذلك حرية المناورة وخسرت أرضا دفاعية حيوية بالنسبة لها وأصبحت هذه الأرض مصدر تهديد مستمر لها .
  • حقق جيش الثورة بالسيطرة على المنطقة الغربية الاتصال مع قوات الحلفاء في الغرب، وأمّنوا طريق الاندفاع شمالا نحو الشوبك ووادي موسى فأكملوا السيطرة على الأرض هناك واصبح الحصار الذي فرضته قوات الثورة و فرسان العشائر الأردنية على شكل فكي كماشة تنفتح فقط في جهة الشمال من معان .
  • تحقيق الاتصال مع باقي العشائر الأردنية ونشر فكرة الثورة وأهدافها بينهم ما زاد من عدد المتطوعين في قوات الثورة العربية الكبرى .
  • حصول قوات الثورة على مصادر مياه جديدة في اوهيدة ودلاغة وحرمان القوات العثمانية منها، إضافة للحصول على مصادر تموين محلية جيدة في المنطقة .

       وفي هذا البحث نبحث العمليات العسكرية في هذه المنطقة إضافة للبحث في قيمتها العسكرية وهذه المواقع الاربعة هي اوهيدة – بسطة – المريغة – دلاغة توجد في دائرة أحداث واحدة فهي متقاربة وتتبادل التأثير بينها، وتميزت المريغة تحديدا بأهمية اكبر كونها مفتاح وادي أبي اللسن وتقع على طريق معان باتجاه وادي اليتم قبل المرور برأس النقب .

 بسطة

     تتميز بسطة بأنها احتوت أشهر موقع وحصن عسكري تركي حول معان، حيث تقع  إلى الغرب من معان “20 كلم ” ويكاد لا يوجد أي عائق أرضي أو مرتفع ما بين معان وبسطة، فالواقف فوق مرتفع بسطة ويتجه بنظره حول الشرق فإنه يكاد يكشف المنطقة بأسرها حتى معان ومثلها الى إلجنوب إضافة الى سيطرته على الطريق المؤدية إلى وادي موسى والراجف والطيبة شمالا وإلى اوهيدة ورأس النقب جنوبا .
واختيار بسطة (1600 متر فوق سطح البحر) كموقع عسكري إنما جاء لوجود مصدر مياه ومراقبته الواسعة البعيدة المدى وسيطرته على عقد مواصلات، والمعسكر التركي كان يقبع على رأس الجبل الذي يشرف تماما على القرية الحالية حيث تسكنها عشيرة النعيمات التي شارك فرسانها في الثورة العربية الكبرى و ساهموا في تحقيق عدد من الانتصارات المهمة و تحديدا في معركة الكوبانية الحمراء .

وفي منطقة المعسكر التركي فوق جبل بسيطة بقايا بناء غرف وآثار مرابط خيول وفى التل المقابل توجد مواقع تخزين ذخيرة للعثمانيون كان الاهالي حتى وقت قريب يحذرون بعضهم من القنابل العمياء الموجودة في بعض كهوف هذا التل و التي خلفها العثمانيون بعد دحرهم عن الأرض الأردنية .

       ولا يوجد ذكر لعمليات عسكرية معينة جرت في بسطة ربما لكون الموقع صعبًا جغرافيا ومسيطرًا تماما، لكن الثابت أن القوات العثمانية أخلت المواقع في بسطة بعد هزائمها في المناطق المحيطة، ولا يوجد تحديد لموعد الإخلاء وعلى ما يذكر أن قوات الثورة طاردت القوات التركية بعد معركة وادي موسى حتى بسطة، ويذكر الأمير زيد بن الحسين في يومياته أنه وصل إلى أبي اللسن وبسطه في 14 كانون الثاني 1918، وقد ضمنها الأمير زيد خطته المقبلة بعد تحرير الطفيلة فقد اختيرت بسطة لتكون مركز تجمع لقوات الثورة العربية الكبرى لتنفيذ عمليات قطع الإمداد عن القوات العثمانية و حلفائها المتحصنة في معان عبر تعطيل سكة حديد القطار العسكري العثماني، تمهيداً لتنفيذ خطة الهجوم على الحامية العثمانية في معان والتي ابتدأت في أوائل نيسان .

المريغة
المريغة هي منطقة صحراوية يخترقها وادي أبي اللسن من الشمال ليتجه جنوبا، تقع على بعد 24 كلم جنوب معان وهي في موقع متوسط حيث كان لها دور في كل العمليات العسكرية التي حدثت في المنطقة، فهي لا تبعد أكثر من عشر كيلومترات عن معارك تلول السمنات وأقل من خمسة كيلومترات عما جرى في الفويلي وأبي اللسن وحوالي تسعة كيلومترات من الوهيدة شمالا .
وقد شهدت المريغة مطاردة فلول القوات العثمانية بعد هزيمتها في أبي اللسن عندما هاجمتها قوات الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف ناصر بن علي و الشيخ البطل عودة أبو تايه وهي في طريقها الى العقبة في 4 تموز 1917 .

278jpg
من الشمال إلى اليمين : الأمير زيد بن الحسين ؛ الأمير فيصل بن الحسين ؛ و ووجهاء عشائر أردنية في أبو اللسن

 وكما ذكرنا فان المريغة بقيت منطقة مرور ولم تستطع أي من القوات أن تسيطر عليها فهي ذات أهمية للجميع والذي يريد أن يسكنها فإن عليه ان يكون مستعدا لتضحيات جسام وقد حصل في النصف الثاني من شهر كانون الثاني 1918 معركة وادي موسى التي انتصرت بها قوات الثورة وطاردوا العثمانيين حتى عين بسطة وبعدها قام الضباط الأتراك بإعادة تنظيم قواتهم في المريغة، وقد استمرت في تمركزها لفترة في المريغة لتلحق بعدها بالموقع الرئيسي في معان .

دلاغة

       دلاغة قرية صغيرة وادعة تقع على بعد 32 كلم  الى الغرب مع الانحراف جنوبا عن معان حيث تنعطف الطريق الخاصة بها وتتفرع عن طريق الراجف انحدارا نحو الجنوب عبر مضيق في فم واد ليمر في منطقة الرسيس أولا، ثم وصولا الى دلاغة في قاع الوادي ، والرسيس هذه هي مفتاح دلاغة وبداية الدخول إلى منطقتها حيث تبعد دلاغة عنها حوالي 3 كلم .
و تشتهر دلاغة بمائها وخضرتها وبساتينها، وهي تتميز بحماية طبيعية خاصة جعلتها تكون موضع اهتمام من العسكريين لذا اتخذها العثمانيون مقرًا عسكريًا فهي تقع في منطقة متوسطة تستطيع أن تسند مواقع بسطة و معان ومنها يكون الاندفاع إلى رأس النقب.

      ويؤكد المؤرخون أنها كانت معسكرا عثمانيا، وقد أخلاها الأتراك ونقلوا قواتهم إلى مواقع معان وبسطه لتقصير خطوط  الامداد وتركيز دفاعهم بعد أن سيطرت قوات الثورة على أبي اللسن ومخفر الفويلي والمريغة ومن هنا أدرك العثمانيون ان استمرارهم في البقاء في هذا الموقع يعني عزلهم وسهولة وقوعهم في قبضة أية قوات تهاجم مواقعهم .

        وقد أورد مصطفى طلاس في كتابه الثورة العربية الكبرى أن كتيبة تركية قد شنت هجوما على مواقع قوات الثورة في دلاغة ولكنها اضطرت إلى التراجع بعد معركة عنيفة حدثت في خريف عام 1917 م، وفي موقع اخر من الكتاب ذكر طلاس أن جبهة الجيش الشمالي للثورة تمتد من العقبة إلى القويرة إلى دلاغة ثم وادي موسى ولقد كانت دلاغة مقرا لمفرزة من الفرقة الثانية لقوات الثورة بقيادة مولود مخلص عندما أعيد تنظيم جيش الثورة في عام 1918، حيث تركزت بقية قطاعات الفرقة في وادي موسى بينما كانت غرندل مقرا لقيادة الفرقة .

  لم تتناول المراجع دلاغة بشكل تفصيلي لكن بعد اخلاء الأتراك لها، تمركزت قوات الثورة فيها وسيطروا على عين الماء،  وفيها حدثت مناوشات بين القوات العثمانية و جيش الثورة؛ يشير اليها سليمان الموسى ومنيب الماضي في كتابهما تاريخ الاردن بين الماضي والحاضر اذ يرد ما نصه ( وقد حدت مناوشات بين الاتراك وبين الثوّار المتمركزين في دلاغة فصدّوا الأتراك وكبّدوهم بعض الخسائر ).

وكان فرسان عشيرة الزوايدة في دلاغة قد شاركوا ببسالة في معارك الثورة العربية الكبرى، نذكر منهم الشيخ (عواد سلامة الزوايدة ) الذي ذكر شارك في عمليات الثورة العربية الكبرى وعمره لما يتجاوز الـ 17 عاما، وقام ابن عمه (سويلم علي الزوايدة) بعملية بطولية عندما قتل طاقم المدفع التركي الذي كان متمركزا الى الغرب من دلاغة .

 ومن الشعر الذي قيل إبان الثورة و معاركها وكان يذكره الشيخ عواد الزوايدة، شعر (حداء) جاء فيه :

يا هويمل شوشح بالمنديل

يا ويحي (ياويلي) فازعنا قليل

وان لقو صعول (جماعات) الرجاجيل

من عثامنه عاركيبات

جونه (اي جاءنا) صربة مقرد

والكل رأسه مجرد

هذول عيال السعيدي

معهم عصملي (بندقية) جديدي

واحسب قبيلهم موات


المراجع :

  1. الثورة العربية الكبرى : الموسوعة التاريخية المصورة ، البحث التاريخي والإشراف الدكتور بكر خازر المجالي ؛ فريق العمل فريق الفرس الشقراء ، مركز أرض الأردن للدراسات والنشر،2011 .
  2. التاريخ العسكري للثورة العربية الكبرى فوق الأرض الأردنية / بكر خازر المجالي، قاسم محمد الدروع 1995 .
  3. الثورة العربية الكبرى : الحرب في الأردن 1917-1918 : مذكرات الأمير زيد / سليمان موسى، دائرة الثقافة والفنون.
  4. الثوره العربية الكبرى، مصطفى طلاس، مجلة الفكر العسكري، 1978

 

المسار الخامس عشر لمعارك التحرير

عنيزة – خربة الدوشك – سهل الفجيع – الشوبك – راس الحديد حوالة

مقدمة 

 يتجه هذا المسار غربا باتجاه الشوبك، وتعتبر عنيزة القلب بالنسبة للمنطقة الممتدة من معان وحتى جرف الدراويش وتنبع أهمية هذا المسار من حيويته وكثافة الغابات الحرجية وكونه مصدراً هاماً للأخشاب التي استغلها الاحتلال العثماني بشكل جائر ما سبب ضررا بالغ الأثر في النظام البيئي للمنطقة ككل ما زالت آثاره قائمة حتى اليوم، حيث قام بتقطيعها لغايات بناء خط سكة القطار العسكري و انتاج الفحم لتشغيل القطار أثناء حملاته على العشائر الأردنية خلال الثورات الوسطى و الثورة العربية الكبرى، ما استدعاهم أيضا لبناء خط سكة حديد فرعي يبدأ من عنيزة ويصل إلى حوالة .

خربة الدوشك

 يبلغ طول خط سكة الحديد الفرعي الممتد من عنيزة إلى الشوبك ثم إلى حوالة حوالي 31 كلم ، والخط يسير فى منطقة أشجار كثيفة، حيث جاء بناء الخط كما أسلفنا لتسهيل عملية نقل الأخشاب من الغابات بعد تقطيع الاشجار الحرجية إلى المحطة الرئيسية ، واستخدمت الأخشاب في فترات مختلفة لغايتين رئيسيتين :

أولا : لاستخدامها كوقود في القطارات البخارية على طول خط القار العسكري العثماني .

ثانيا : لاستخدامها في تجديد وتصليح خط سكة القطار العسكري بعد عمليات تعطيله من قبل فرسان العشائر الأردنية .

      وبعد مسير حوالي 17 كلم من محطة عنيزة باتجاه الغرب فاننا نلاحظ حصن عسكري بناه العثمانيون للسيطرة على المنطقة، هذا الحصن هو حصن الدوشك ، وهو يتألف من بنائين اثنين منهدمين والمسافة بينهما حوالي 10 امتار، والبناء على شكل عقدات منحنية وهي مغلقة بدون نوافذ بدليل أن هذين البنائين تم استخدامهما كسجن للثوّار الأردنيين و مستودعات للسلاح و العتاد و المؤن.

    وللموقع أهمية اخرى لأنه يقع على الطريق المؤدي إلى الطفيلة عبر الرشادية وهي خط دفاع خلفي ثاني بالنسبة لموقع عنيزة وقلعتها، وتعتبر الدوشك أيضا مفتاح قلعة الشوبك التي تقع إلى الغرب منها بمسافة حوالي 5 كلم فقط وهي بمثابة محطة انذار أو موقع دفاعي متقدم لذا فإن اختيار هذا الموقع إنما جاء لاعتبارات عسكرية بحتة أملتها طبيعة المنطقة وتنظيمها وقرب خط سكة حديد القطار العسكري الرئيسي وقرب مصادر التزويد بالأخشاب من الهيشة والشوبك .

     والزائر لهذه المنطقة يقرأ تاريخا مميزا يمتزج في الأرض المعطاءة ويلتقي مع الحضارات العريقة فيها وكل أسماء القرى والمدن فيها . انما انبثقت من طبيعة الأرض) الشويك، نجل، الدباغات – لاستخراج الدباغ من شجر البلوط الذى تشتهر فيه هذه المنطقة )، وقد استغل العثمانيون هذه الخيرات وسخروها لخدمتهم و خدمة القطار العسكري  بعيدا عن جهود التنمية للمنطقة.

 معركة الدوشك 20 ايلول 1918

عندما جرد الأتراك والألمان والنمساويون حملتهم لاستعادة الطفيلة بل لاستعادة هيبة القوات التركية وحليفاتها في الأردن، وعندما شرعوا بتنفيذ عملياتهم بدءا من محطتي الحسا وجرف الدراويش باتجاه الغرب، اتبع جيش الثورة بقيادة الأمير زيد بن الحسين أسلوب القتال على خطوط الإعاقة لمواجهة هذه القوات الضخمة،  وقد ذكرنا ذلك فى الحديث عن هذه المعركة ونعيد التوضيح هنا للربط التاريخي تسلسل معارك ذلك الهجوم :

  1. قتال إعاقة لمدة يوم كامل فى 6 اذار 1918 في منطقة خربة التوانة .
  2. الحركة إلى خربة الحرير والقتال لبضع أيام في 7 / 3 / 1918 .
  3. الانتقال إلى جبل المصلى وخربة عابور والقتال بقية اليوم.
  4. الصمود في خربة العيص على مشارف الطفيلة لإتاحة الفرصة لأهل المدينة لإخلائها .
  5. التراجع جنوبا نحو الرشادية بعد أن حاول الاتراك قطع ومسك خطوط تراجع قوات الثورة .

 

133jpg
الأمير زيد بن الحسين مع عدد من الاشراف وضباط جيش الثورة على مدخل الشوبك 1918

 

سهل الفجيج

     الفجيج هي السهل الممتد من خربة الدوشك وحتى القادسية شمالا ومن ثم إلى مدخل نجل الشوبك غربا، وقد شهد هذا السهل مرور قوات الثورة العربية الكبرى من خلاله نحو الطفيلة وكذلك تراجع هذه القوات بعد معركة الطفيلة الثالثة الكبرى .


الشوبك

      يمر من الشوبك خط سكة القطار العسكري الفرعي القادم من عنيزة، وقد كان فيها محطة للحراسة، والشوبك تستند الى قلعة مونتريال أو ( قلعة الشوبك ) التي كان لها دور مؤثر في العمليات العسكرية للثورة العربية الكبرى  .

242jpg
الشريف ناصر و ضابط من مقاتلي الثورة في منطقة الشوبك 1918

 

 راس الحديد وحوالة

       اعتمدت القوات التركية وحلفائها الألمان و النمساويين في توزيع قواتهم على السيطرة على المواقع ذات الأهمية بالنسبة لخطوط الامداد والتزويد، واعتمدت سياسة بناء الطرق العسكرية ومد خط سكة القطار العسكري التى تخدم هدف الإدامة للقوات العثمانية المحتلة،  ومن هنا جاء بناء خط سكة الحديد فى عام 1914 مابين محطة عنيزة إلى منطقة الشوبك لينتهي خط السكة الى هذه المنطقة التي أطلق عليها اسم (رأس الحديد) أي رأس سكة الحديد، وهو آخر نقطة يصل اليها خط السكة حيث تبعد عن بلدة نجل  –مركز تجمع قرى وبلدات الشوبك – إلى جهة الجنوب بحوالي 8 كلم، وهو في المنطقة التي تعرف حاليا باسم ( حواله ) وكان في المنطقة محطة للاحتلال العثماني  وحولها مجموعة من المعسكرات وخطوط الدفاع العثمانية التي ما زالت آثارها ماثلة حتى اليوم .

راس الحديد – الهيشة 1918

 

وقد اكتسبت منطقة الشوبك أهمية خاصة خلال الحرب العالمية الأولى خلال عمليات الثورة العربية الكبرى وذلك لكونها :

أ . منطقة زراعية تنتج الحبوب والفواكة وتشكل مصدر تموين محلي جيد .

ب . منطقة غابات كثيفة توفر مصادر طاقة جيدة من أشجارها المتشابكة وحتى مركز المنطقة وهو نجل يشتهر بالنجيل الذي ينبت عندما تتوفر الماء بكافة.
ج . مصدر مياه وفير حيث تكثر الينابيع المختلفة في اراضيها .

د . اكتسبت المنطقة أهمية عسكرية تاريخية منذ القدم فإلى الشمال الشرقي من نجل تقوم قلعة الشوبك الشهيرة والتي كانت تعرف بمونتريال حيث استخدمها العثمانيون كحصن عسكري وسجن ومركز سيطرة لحماية خطوط مواصلاتهم وتعزيز حامياتهم على طول طريق القطار العسكري. .

 هـ .  تشكل الشوبك منطقة وصل واتصال بين الشمال حيث الطفيلة والجنوب حيث معسكرات بسطة وابو اللسن ووهيدة ، وبين الشرق حيث خط سكة حديد القطار العسكري ، والغرب حيث وادي عربه الذي يفصل مسرح عمليات الجيش البريطاني في الغرب عن منطقة عمليات القوات التركية والألمانية في الشرق .

 لهذه الاسباب جاء القرار العثماني العسكري المتأخر قليلا و غير المعني بتأهيل المنطقة بمد سكة الحديد من عنيزة شرقا وبطول حوالي 31 كلم .

والطريق المعبد المتفرع من الخط الصحراوي باتجاه الشوبك إنما يقوم حاليا فوق خط سكة الحديد ذاته، والذي بالكاد نستطيع التعرف على آثار منه من خلال نوع التربة والحصى المحيطة ولكن تظهر آثار هذه السكة  واضحة في نهايته عند حوالة ذاتها والتي يوجد فيها بقايا بركة مياه تركية يصعد منها للآن واجهة صغيرة حيث كان القطار العسكري يتزود منها .

244jpg
الأمير زيد بن الحسين محاطا بعدد من الضباط و مقاتلي الثورة في معسكرهم بالشوبك وتظهر في الصورة بيوت الشعر الخاصة بعدد من عشائر الشوبك التي رافقت جيوش الثورة و ساندتها في عمليات القتال ضد الاحتلال العثماني

 

    والمنطقة ما بين البقعة شمالا وحتى بير الدباغات جنوبا وهي بطول 8 كلم تقريبا ومن بير خداد شرقا وحتى ام جوزة غربا بطول 7 كلم تقريبا هي منطقة معسكرات عسكرية عثمانية تركية وحصون وخنادق متفرقة ، وحسب الاستطلاع الميداني للمنطقة من قبل المؤرخ الدكتور بكر خازر المجالي فإن المواقع التالية كانت ذات أهمية عسكرية خلال الثورة :

  • بقايا بركه المياه عند منطقة دوران القطار (التحويلة ) في حوالة ولم يبق من هذه البركة الا جدار صغير بارتفاع 1 متر وبطول 2,5  متر تقريبا .
  • بناء تركي مهدم كان يتألف من 8 غرف بعيداً عن رأس الحديد حوالي 650 مترا للجهة الشرقية الشمالية، حيث استخدم كمركز اداري ومعتقل للثوّار من فرسان العشائر الأردنية ضد الاحتلال العثماني  وفقا لما افاد به أحد سكان المنطقة هو السيد عبد السلام محمد المريحيل للدكور بكر المجالي والذي أعلمه أنه تم اعتقال والده في هذا الموقع من قبل القوات العثمانية .
  • مجموعة من التحصينات أمام هذا الموقع من جهته الشمالية وعددها خمسة وهي مستطيلة بطول حوالي 15 مترا لكل خندق منها .
  • وجود مجموعة التحصينات والخنادق في الجهة الشرقية من الحصن الأول وفي منطقة منخفضة قليلا باتجاه وادي أم اللويزات وتتألف من مجموعة من الخنادق المستطيلة ومجموعة من بقايا الغرف نستطيع من خلالها أن نقدر حجم القوات التركية التي كانت متواجدة فيها بكتيبة كاملة أي ما يقارب الـ (200) جندي و ضابط تركي .
247jpg
جعفر باشا ” العسكري” و الشريف ناصر في منطقة الشوبك

 

       والأثر الأكبر للوجود في هذه المنطقة والذي ما زال ماثلا بوضوح ليومنا هذا هو تلك الشجيرات المتناثرة هنا وهناك والتي تشهد على كثافة الغابات في المنطقة، والناظر إليها يسترجع في ذهنه شريطا مأساويا من الاعتداءات التركية على الطبيعة الأردنية التي أحالت الكثير من الأراضي إلى مساحات قاحلة تتناثر فيها بضع شجيرات على مسافات متباعدة .

      ومثلما لم تسلم الاشجار والغابات من الاعتداء العسكري التركي لم يسلم أيضا خط سكة حديد عنيزة – الشوبك، ففي عام 1918 وعندما تأثرت خطوط المواصلات التركية نتيجة نجاعة الضربات العسكرية الي وجهتها لها قوات الثورة و فرسان العشائر الأردنية واحكام سيطرتهم على المنطقة؛  لجأ الأتراك إلى هذا الخط لنزع قضبانه وخشباته في عام 1918 لترميم وتصليح خط معان – درعا لإدامة المسير عليه.

      وقد اختفى  خط عنيزة – الشوبك تماما والأثر الوحيد له كما ذكرنا هو آثار العدوان التركي على الثروة الحرجية وفراغ الأرض من الأشجار التى تم نقلها بعد تقطيعها عبر هذا الخط لاسناد عمليات الأتراك العسكرية .

 

 

المراجع :

  1. الثورة العربية الكبرى : الموسوعة التاريخية المصورة ، البحث التاريخي والإشراف الدكتور بكر خازر المجالي ؛ فريق العمل فريق الفرس الشقراء ، مركز أرض الأردن للدراسات والنشر،2011 .
  2. التاريخ العسكري للثورة العربية الكبرى فوق الأرض الأردنية / بكر خازر المجالي، قاسم محمد الدروع 1995 .
  3. الثورة العربية الكبرى : الحرب في الأردن 1917-1918 : مذكرات الأمير زيد / سليمان موسى، دائرة الثقافة والفنون.

المسار الرابع عشر لمعارك التحرير

%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ba%d8%b1%d9%89

مقدمة

تعد بلدة عراق الكرك من أعظم فصول البطولة الأردنية في حقبة الثورات الصغرى التي خاضها أجدادنا ضد الاحتلال العثماني، هذا الاحتلال البغيض الذي مارس أبشع صنوف الخسة والغدر والمجازر الجماعية على مدار أربعمائة عام من النهب والتدمير الممنهج لكل ما ينبض بالحياة أو يشير لوجودها على الأرض الأردنية، وقد خاض أبناء عراق الكرك معركة الوجود الأردني الأزلي ودفعوا ثمن استقلال كل شبر من تراب أرضنا الأردنية بدمائهم ولم يتزحزحوا قيد أنملة عن حق وجودهم على الرغم من الابادة العرقية التي تعرضوا لها إبان ثورة الكرك عام (1910)، حيث تفنن المحتل العثماني بممارسة كل صنوف الفتك الهمجي في تنفيذها.

وفي السياق التاريخي  فقد أصدر الاحتلال العثماني عام 1864  قانوناً مأخوذًا عن التنظيم الإداري الفرنسي عرف بقانون الولايات؛ وأتى هذا القانون بعد استفاقة للاهمال والاجحاف بحق العديد من المناطق ومن ضمنها الأردن، فأتى ببعض الايجابيات كالسماح ببناء دور العبادة والمدارس والمستشفيات فعلى سبيل المثال بني أول مسجد بالأردن بعهد “الخلافة” عام 1862 بالسلط. وبموجب هذا القانون أيضاً، قسمت مناطق الاحتلال إلى ولايات والولايات إلى ألوية (سناجق) والألوية إلى أقضية (قائمقاميات) والأقضية إلى نواحي والنواحي إلى قرى ومزارع. وتشكلت الكرك حينها من سنجق هي الكرك ومتصرفية الشوبك ومتصرفية العراق، وكان المرجعية لأبناء عشيرة المواجدة خصوصاً وسكان عراق الكرك عموماً هو الفارس الشيخ مسلّم المواجدة والذي كان أحد أهم رموز الحركة الوطنية الأردنية وأهم فرسانها بتلك الحقبة.

متصرف اللواء مع مجموعة من الضباط الأتراك أمام مبنى الحاكم في الكرك إبان الثورة

عدد سكان العراق في عام 1910

في سلسلة حصر النفوس والتي كانت مقدمة لثورة الكرك، نجد فيها أعداد السكان في بلدة العراق في مدينة الكرك حيث تواجد عشائر المواجدة كتجمع رئيسي بالإضافة إلى عشائر الحطيبات والخطبة والتيمة والجماعات والموانيس والحرازنة والمرابحة والطبور.

فتظهر احصائات العثمانيين أن عدد المسلحين يفوق (80) فارس لدى عشيرة المواجدة، إضافة لتجمع بيوت حجرية  يقارب ( 30 ) بيت ويصل عدد أفراد العشيرة إلى (480) فرد، ونجد أيضا أن عشيرة الحطيبات لديها ( 40 ) فارس مسلح وما يقارب (15) بيت بينما يصل عدد أفراد العشيرة إلى (240) فرد، أما عشيرة الخطبة فلديها (45) فارس مسلح وما يقارب (16) بيت بينما يبلغ عدد أفراد العشيرة (270)، ويذكر الحصر أن عشيرة التيمة لديها أيضا (45) فارس مسلح وما يقارب (14) بيت، بينما يصل عدد أفراد العشيرة إلى (270).

15658055_10155573767218066_1866159814_o
إطلالة عامة على عراق الكرك في العصر الحديث

الحالة السياسية والاجتماعية التي سبقت عملية الإبادة العرقية لأهالي عراق الكرك على يد المحتل العثماني

قاد أبناء بلدة العراق عهد التنوير مع أشقائهم من فرسان العشائر الأردنية ليمولوا على نفقتهم الخاصة انشاء مدرسة رشدية في مواجهة أربعة قرون من تفشي الجهل والأمية على يد المحتل العثماني بعد أن كانت الأردن موطن العلوم حتى عهد خلافة الأيوبيين والمماليك، حيث تم تأسيس المدرسة في متصرفية العراق عام 1897.

لم تكن العلاقة مع المحتل التركي في عراق الكرك تنفصل عن مثيلتها من أشكال العلاقة لباقي المدن الأردنية مع نظام محتل أخرج الأردن من سياقه التاريخي الممتد لآلاف السنين ليدخل الوطن الضارب بالمجد بدوامة من عصور الظلام  التي امتدت لأربع قرون تحت ستار الدين، ومن خلف هذا الباب تم افقار المجتمع الأردني وسرقة تاريخه ونهب مقدراته وإعادته إلى عصور البربرية فدخلت الأردن قرون التيه العثمانية الأربع التي خاض خلالها أجدادنا عددا كبيرا من الثورات الصغرى في درب الاستقلال الطويل الذي توج بالثورة العربية الكبرى.

وبالعودة إلى الإبادة العرقية في مدينة عراق الكرك فيمكن اجمالها بمرحلتين رئيسيتين:

المرحلة الأولى (1907): وقعة عين ترعين

 وقع أول صدام بين أهالي عراق الكرك وقوات الاحتلال العثماني التركي عند عين مياه ترعين حيث خالف الأتراك الاتفاق بعدم ورود الماء من قبل قوات الاحتلال إلاّ بأوقات محددة فقام العثمانيون بكسر الاتفاق وتواجدوا بوقت ورود نساء البلدة اليه، فهاجم فرسان عشيرة المواجدة قوات الاحتلال التركي العثماني وقتلوا ثلاثة من الجنود العثمانيين قبل أن يفر البقية، فيما ارتقى شهيدين من أبناء المواجدة دفاعا عن كرامة المرأة الأردنية ومنظومة القيم التي تلعب فيها المرأة الأردنية دوراً محورياً في كل مناحي الحياة لكن محفوظة الكرامة بعيداً عن أخلاق المحتل الخسيسة.

ضابط من الجيش العثماني متسلحا أمام أحد بيوت الكرك عام 1908

المرحلة الثانية (ثورة الكرك 1910- الهية)

كان حراك أبناء العراق مقدمة من ضمن كتلة من الرفض والمجابهة للمحتل العثماني التي توّجت بثورة الأردنيين 1910 والتي عرفت لاحقاً ب”هية الكرك” حيث اشتعال شرارتها الأولى، وهي الثورة التي امتدت من أقصى شمال شرق الأردن حيث قبائل السرحان وبني خالد وحتى العقبة جنوباً كما قدمنا وبالوثائق في بحث ثورة الكرك.

وتعد ثورة الكرك عام 1910 ضد الاحتلال العثماني من الحركات التحررية التي شهدها مطلع القرن العشرين، حيث تمثل مقدمات وارهاصات لثورة العرب الكبرى، بعد تزايد طغيان واستبداد الاحتلال العثماني الذي مارس جملة من السياسات تصدرتها سياسة نقل طريق التجارة والحج من موقعه السابق الى خط السكة اليوم بعام 1519، بالاضافة لسياسات التتريك والتهميش التنموي وفرض الضرائب بلا خدمات والتجنيد الإجباري على مدى قرون ولم يكن آخرها بناء القطار العسكري العثماني بالسخرة على أكتاف الأردنيين وعلى حساب ثروتهم الحرجية.

 لم تكن ثورة الكرك حالة ترف سياسي وإنما ضرورة سبقتها دلائل، فالواقع أن مؤشرات الثورة كانت موجودة واختارت إدارة الاحتلال العثماني القمع والتطهير العرقي لأبناء الأردن كعادتها في سياستها المبنية على الإبادة منذ تمددها إلى الأراضي الأردنية، ويورد هنا الرحالة النمساوي “موزيل” توقعه  للثورة ضد الأتراك بذات التوقيت ولكن في معان وليس الكرك وفي كتابه ” شمال الحجاز” مرّ بمعان يوم 10 ـ 7 ـ 1910،  وقال موزيل: “بأن كل شيء في معان يوحي بالثورة وإنها واقعة لا محالة إما في معان أو بين الحويطات الذين سأل عنهم فأخبروه أنهم توجهوا غربا ويستعدون للثورة.”

في ذات السياق كانت أخبار العشائر وتحركاتها التي توردها الصحف في ذلك الوقت وبخاصة جريدة المقتبس تدل على تذمر العشائر الأردنية وعدم قبولها للأوضاع الإدارية العثمانية؛ فكانت الثورة في الكرك التي أطلق عليها عدة تسميات بحسب ما ورد في سجل محكمة شرعية الكرك 1912.

ويعدُّ تعداد السكان أو ما عرف بحصر الأنفس العثماني شرارة الثورة الأردنية حيث بدأ المحتل العثماني بحصر الشباب وعدّهم تمهيداً لتجنيدهم في حروب العثمانيين الاستعمارية التي لم تقدم سوى الموت لأبناء الأردن والذين رفضوا بدورهم الخضوع لنظام السخرة القائم على العبودية والسادية.

وبالإضافة إلى نظام السخرة وفرض الضرائب تحول الأردني إلى مجرد رقم في قطار السفربرلك حيث حروب الجنون والدم بلا جدوى فيرسلون أجدادنا في قطار الموت إلى المناطق النائية كالقرم والرومللي والأناضول وثلوج أرضروم وجبال القفقاس وغيرها حيث يموتون من الجوع والبرد في الصفوف الأمامية بينما السلطان بين الغلمان والجواري في حرملك الأسيتانة.

%d9%82%d9%84%d8%b9%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d9%83-%d8%b9%d8%a7%d9%85-1900-400x299
قلعة الكرك إبان انطلاق ثورة الكرك مطلع القرن العشرين

ولحظة إعلان الثورة انطلق فرسان المواجدة على صيحة (الشوامخ) وهي نخوة المواجدة متجهين الى الحامية العثمانية ليخوضوا معهم مواجهة الفرسان والسيف ليرتقي من الأردنيين المواجدة (12) شهيدًا، فيما تكبد العدو العثماني المحتل (65) قتيل وكان من بين الفارين أحد العاملين مع المفرزة العثمانية من مدينة عربية غير أردنية واسمه (محمد قاسمية) الذي هرب واستجار بالسيدة الفاضلة زوجة الشيخ الفارس (مسلم المواجدة) الذي كان مع بقية وجهاء الكرك يشرفون على إدارة عمليات الثورة، فهرب عامل المحتل العثماني (محمد قاسمية) مذعوراً بعد أن شاهد بأم عينيه تساقط عناصر المفرزة العسكرية العثمانية التي يحتمي بها وأعضاء لجنة الإحصاء، غير قادر على جرّ ساقيه، فصرخ عند مدخل منزل الشيخ مسلم المواجدة حيث كانت الفاضلة زوجة الشيخ مسلم المواجدة : (أنا بوجهك يا طويلة العمر.. أنا بوجه الشيخ مسلم)، وكان فرسان القرية يلاحقونه للقبض عليه، فرقّ قلبها عليه وقبلت استجارته، ومنعت الشبان من النيل منه، وقالت لهم: أنتم في منزل الشيخ مسلم وطريدكم دخل المنزل مستجيراً، فهل تقبلوا قتل المستجير، وأنتم أهل نخوة ؟؟، فرجع الفرسان. وما أن غادر مضارب المواجدة آمناً حتى اتجه للحامية العثمانية مبلغاً عما جرى غادرا بمن أجاروه.

بلغت ثورة الكرك كل مناطق الأردن فالتحم الأردنيون وعادوا بعث الروح الوطنية وسجلت مراسلات العثمانيين أن كل تاريخهم بات على المحك إن لم توقف الثورة الأردنية، فحشد المحتل كل آلته العسكرية ووجهها صوب الأردن عبر قوة عسكرية لقمع الثورة، وأبرقت الإدارة العثمانية إلى سامي الفاروقي قائد الجيش العثماني في دمشق ومنحته الصلاحيات باستخدام كل الإجراءات القمعية الممكنة تجاه العشائر الأردنية الثائرة، فجهز آلاف الجنود شملت ستة طوابير من الفرسان والمشاة وبطارية مدفع بقيادة ( البيكباشي صلاح بك ) رئيس أركان حرب الحملة الحورانية، وتوجهت القوة إلى محطة القطرانة بواسطة القطار العسكري ووصلت بتاريخ 11 كانون اول 1910 وبدأت بالزحف نحو قصبة الكرك عن طريق اللجون.

صعد فرسان الهية لملاقاة الجيش الجرار ولكنها كانت محاولات ” كف يناطح مخرزا ” فالجيش التركي الزاحف بقيادة سامي الفاروقي كان ألوفا مؤلفة لا قِبَل للثائرين به وبالسلاح والمدفعية التي تؤازره فمارست القوة المسلحة بالمدافع وبالعتاد والعدة سياسات البطش والتنكيل بالأهالي وبدأت سلسلة من جرائم الحرب شملت الإعدامات وإلقاء الناس من أعلى أسوار قلعة الكرك إلى الوادي السحيق لتتناثر أشلاؤهم.

وفي سلسلة جرائم الحرب العثمانية كانت بطولة أهل العراق إحدى أولويات الانتقام العثماني، فكيف لمجموعة من الفرسان الذين لا يملكون العتاد والعدة أن يواجهوا حامية عثمانية مكونة من (65) عسكري تركي مدرب عدا عن أن ينتصر فيها فرسان عراق الكرك؟ لقد كانت لطمة المواجدة للعثمانيين محل حنق وحقد؛ فوجهت قوة مخصصة لإبادة العراق وأهلها عن وجه الأرض.

وكعادتهم بالخبث والخسة، تظاهر العثمانيون بأنهم بدخلون العراق بسلام رافعين الرايات البيض بعد بذلك توطئة من قبل بعد أعوانهم من الناطقين بالعربية. دخل المحتل العثماني واتخذوا من الأطفال والنساء دروعاً بشرية داخل احدى المضافات وذلك لإرغام الفرسان على تسليم أنفسهم وهذا ما كان، ليقوموا بعدها بجمع فرسان عشيرة المواجدة بالاضافة لكل ذكر متواجد من عشيرة المواجدة وبعضهم أطفال في أسلوب همجي بدون أي محاكمة مدنية أو عسكرية والتي تعرفه الأمم المتحدة على أنه ابادة عرقية أو تطهير عرقي، وبعد جمعهم تم ربطهم إلى بعضهم وقتلهم بطريقة تفيض بالخسة والغدر والقاء جثثهم في كهف لا زال قائما لليوم شاهدا على افتقاد هذا المحتل لأدنى قيم الإنسانية إذ لم يقم ولم يسمح حتى بدفن جثامينهم بشكل لائق يحفظ لهم كرامتهم بعد إعدامهم. هذا وقد استشهدت النشمية خضرا القرالة لتضاف لسجل الشرف بقائمة نساء الثورة من الشهيدات والبطلات.

2-2
رفات شهداء المواجدة في أحد الكهوف في قرية العراق- المصدر : موسوعة بوح القرى لـلباحث مفلح العدوان
3-3
رفات شهداء المواجدة في أحد الكهوف في قرية العراق- المصدر : موسوعة بوح القرى لـلباحث مفلح العدوان

ارتقت أسراب الشهداء من الأردنيين وفاضت أرواحهم في درب طويل رسمه الأجداد الأردنيون نحو الاستقلال ولعودة الأردن إلى مسارها التاريخي  ومستقبلها التنموي والحضاري.

استشهاد الشيخ مسلم المواجدة

بقي الشيخ البطل مسلم المواجدة مطلوباَ لسلطات الاحتلال العثماني حتى ألقي القبض عليه بمكيدة في صباح يوم 10/1/1911 وسيق الشيخ إلى قلعة الكرك وأجريت له محاكمة صورية كان يرافقه فيها 14 فارس من المواجدة.

وقد حاول العثمانيون دفعه لطلب الاسترحام فرفض الشيخ البطل وآثر الموت شهيداً على أن يعيش ذليلاً تحت الاحتلال العثماني، فتم القاؤه من الجهة الغربية للقلعة، وكان العثمانيون يقيدون كل اثنين من فرسان المواجدة معا ويلقوهم أو يربطون رقابهم إلى حجر كبير ويلقونهم من أعلى أسوار القلعة.

حاول فرسان عشيرة الشمايلة جمع رفاة الشهداء لمدة أربعة ليالي تحت إطلاق النيران من العثمانيين، حتى نجحوا بالحصول على رفاة الأبطال الشهداء وتم دفنهم بالقرب من قرية الشهابية إحدى قرى الكرك.

عدد شهداء الثورة

اختلفت المصادر في حصر عدد شهداء بلدة عراق الكرك أثناء الثورة ولكن جميعها اتفقت على عظم المجزرة التي ارتكبها الاحتلال العثماني والذي يصنف بالإبادة الجماعية.

ويذكر ( الزركلي ) في وصف المرحلة الثالثة من الصدام بين أبناء عراق الكرك والاحتلال العثماني أن شهداء أبناء عراق الكرك يفوق السبعين شهيدًا.

  1. الصدام الأول كما ذكرنا كان عام 1907 وقضى فيه شهيدين أردنيين على عين ماء ترعين.
  2. الصدام الثاني حيث الوقعة الكبيرة في ثورة الكرك عام 1910 وتقسم الى ثلاث مراحل من ارتقاء الشهداء من ابناء عراق الكرك:
  • المرحلة الأولى وتحدد بتاريخ 24/12/1910 حين اشتعال ثورة الكرك واقتحم فيها فرسان عشائر المواجدة مقرّ الحامية العثمانية واستشهد 12 فارسًا أردنيًا من المواجدة وقتل 65 ضابطا وجنديا عثمانيا.
  • المرحلة الثانية وتحدد بتاريخ 10/1/1911 حيث تم القبض على الشيخ مسلم المواجدة ويرافقه 14 فارسًا من المواجدة وتم تنفيذ الإعدام بإلقاء الأبطال من الجهة الغربية للقلعة من أعلى أسوار قلعة الكرك.
  • المرحلة الثالثة بتاريخ 16/1/1911 حيث دخلت كتيبتين من الجيش العثماني المحتل بقيادة وحيد بيك وانطلق الطابورين وحاصروا مدينة العراق ليومين وجمعوا من السكان 70 شخصًا بعضهم من الأطفال كما تظهر هياكلهم العظمية في كهف العراق الشاهد على الابادة العرقية وأعدموهم طعنا وهم مقيدين أو رميًا بالرصاص وهم مقيدين أيضا.
5-5
حمد بن سليمان المواجدة ؛ من مواليد 1898 ، شاهد عيان على مذبحة العراق حينما كان عمره 12 سنة ، و شقيق أحد شهدائها البطل ( محمد بن سليمان بن موسى المواجدة) – المصدر : موسوعة بوح القرى لـلباحث مفلح العدوان

يقول الراحل حمد بن سليمان المواجدة شاهد العيان على مذبحة العراق وأحد الناجين القلائل من هذه الإبادة العرقية في شهادته التي سجلها الباحث خالد المواجدة عام 1981؛ أنه بعد أن طوّق العثمانيون البلدة من جميع الجهات كانوا يمسكون أي شخص يمشي في الطريق فيربطونه ويكتفونه وينزلون به ضربا مبرحا بخيزراناتهم وبطريقة مذلة، ومن ثم قاموا بجمع 84 رجلا من رجال المدينة ووضعوهم في مضافة الوجيه موسى بن عيسى المواجدة، حينها بدؤوا بجمع كل خيول أهل المدينة المشهورة جدا بأصالتها وسرعتها ورشاقتها، ومن ثم نهبوا كل المؤن الموجودة في بيوت المدينة من سمن ولبن وقمح وطحين، وأخرجوا كل الأثاث والفراش وأحرقوه مرة واحدة مشعلين ناراً عظيمة.

يقول الراحل حمد المواجدة في روايته أنه حينما تم جمع الرجال في المضافة كان يجلس في حضن أخيه الشهيد محمد سليمان المواجدة احد شهداء المذبحة، حيث قام جنود الاحتلال العثماني بربط كل رجلين من الرجال مع بعضهم ووجوههم إلى الخارج، فالتقطه أحد الجنود وهو في حضن أخيه وبدأ بضربه ضربا موجعا ومن ثم قذف به كما يرمى الفراش إلى خارج المضافة فمضى باكيا موجوعا حافظا لتفاصيل وجوه القتلة و المجرمين.

ويقول الراحل بعيني الطفل المصدوم من هول الفاجعة أن جنود الاحتلال العثماني أخذوا يدخلون رجال المواجدة رجلين رجلين إلى السراي العثماني كما ربطوهم تماما ويتقابلون عليهم بحراب البنادق (السنجة) فيأخذون بأجسادهم طعنا وهم مربوطين لا حول لهم ولا قوة ومن لم يمت من فورها يطلقون عليه النار حتى لم يبق منهم رجلّ واحد حي، وبعد أن فرغ الجنود العثمانيون من مجزرتهم في السراي خرجوا منها فقابلتهم امرأة تصرخ بهم وتوبخهم على ما فعلوه وتبكي على من فقدته من أقاربها وهي الشهيدة ( خضرا بنت حريثان القرالة ) فأطلقوا عليها النار وغرزوا حرابهم في جسدها الطاهر في دلالة على غريزة الانتقام الحيواني التي تملكت جنود الاحتلال العثماني تجاه الأردنيين وثوراتهم للخلاص من هذا المحتل.

ينهي الراحل حمد بن سليمان المواجدة روايته بالقول ( لقد فقدنا في ساعة واحدة ثمانين لحية وشارب ) كناية عن حديثي السن والشباب الصغار وكبار السن أيضا، ولم يبق من رجال العشيرة إلاّ ( صربة – سربة ) رجال قليلين بينهم الشيخ مسلّم الذي أعدم لاحقا، وعاش من تبقى من المواجدة كأسرة واحدة صغيرة نتضامن ونضمد جراح بعضنا البعض.

ونجد أن مجموع الشهداء يفوق المئة وبذلك يكونون 20,8% من مجموع عدد أبناء عشيرة المواجدة الأربعمائة وثمانون. واذا قمنا بافتراض 5% زيادة سنوية للسكان منذ عام 1910 وحتى 2016 فإن ذرية الشهداء المئة ستتجاوز السبعة عشر ألف اليوم. على صعيد متصل فقد قامت سلطات الاحتلال العثماني بمصادرة جميع خيول المواجدة وباعت أراضيهم لحاشيتها والمتعاونين معها من الخون مما ضرب مصادر عيش العشيرة وناحية العراق في طريقة أخرى للعقاب الجماعي التي تعاقب عليه الأمم المتحدة وكافة المواثيق العالمية اليوم.

وتم حصر أسماء 85 شهيد بالوثائق الرسمية نوردهم في الجدول التالي :

قائمة الشرف من شهداء مدينة عراق الكرك اثناء مقاومة الاحتلال العثماني

اسم الشهيد/ة

الرقم
الشيخ مسلّم بن موسى بن عبدالكريم المواجدة1
عبدالله بن جمعة بن أحمد المواجدة2
الياس بن جمعة بن أحمد المواجدة3
محمد بن سليمان بن موسى المواجدة4
محسن بن محمد بن حمدان المواجدة5
مقبل بن عنيزان بن أحمد المواجدة6
محمود بن عنيزان بن أحمد المواجدة7
ارشود بن صبيح بن جبرائيل المواجدة8
مقبل بن عوده بن مقبل المواجدة9
سلام بن سليمان المواجدة10
سالم بن علي المواجدة11
حسين بن علي بن خليل المواجدة12
محسن بن علي المواجدة13
حسن بن علي المواجدة14
خلف بن خليفة المواجدة15
خليف بن خليفة المواجدة16
عبدالله بن اعوض المواجدة17
عودةالله بن اعوض المواجدة18
ماجد بن محمد المواجدة19
ثنيان بن محمد المواجدة20
خلف بن محمد المواجدة21
ارشود بن محمد المواجدة22
عفنان بن محمد المواجدة23
محسن بن محمد بن فلاح المواجدة24
عقله بن محمد بن فلاح المواجدة25
سلامه بن سليمان المواجدة26
أحمد بن قبلان المواجدة27
أحمد بن عيسى المواجدة28
طعمة بن مريحيل المواجدة29
حسين بن علي المواجدة30
عبدربه بن محمد المواجدة31
عبدالرحمن بن محمد المواجدة32
سليمان بن عبدالرحمن المواجدة33
شحاده بن سلمان المواجدة34
عبدالله بن ابراهيم المواجدة35
حميده بن حمدان المواجدة36
حمود بن حمدان المواجدة37
حسين بن خليل المواجدة38
موسى بن دعمس المواجدة39
محمود بن ابراهيم المواجدة40
عودةالله بن ضيف الله المواجدة41
سالم بن عبالهادي المواجدة42
خليفة بن عبدالرحمن المواجدة43
خلف بن جبريل المواجدة44
سالم بن ابراهيم المواجدة45
مسلم بن فلاح بن اعوض المواجدة46
عبدالقادر بن فلاح بن اعوض المواجدة47
سلامه بن علي بن خليل المواجدة48
حميدان بن ضيف الله المواجدة49
محمود بن حمدان المواجدة50
محمد بن أحمد المواجدة51
سالم بن طعمه المواجدة52
علي بن حسين المواجدة53
اسماعيل بن ابراهيم المواجدة54
محمد بن حمدان المواجدة55
ابراهيم بن صبح المواجدة56
سلمان بن سليمان المواجدة57
ذياب بن خلف المواجدة58
عوض بن اعوض المواجدة59
عوض بن عبدالقادر المواجدة60
مطير بن جمعه المواجدة61
طالب بن جمعة المواجدة62
يوسف بن خليل المواجدة63
حمد بن حمدان المواجدة64
عرار بن سرحان المواجدة65
عبطان بن سرحان المواجدة66
فرهود بن ابراهيم المواجدة67
مرار بن ابراهيم المواجدة68
فهد بن اعطيوي المواجدة69
رشيد بن تركي المواجدة70
عطوي بن فرحان المواجدة71
سليمان بن عبدالرحمن المواجدة72
سلام بن عوده المواجدة73
ياسين بن علي المواجدة74
اعطوي بن خليل المواجدة75
توفيق بن يوسف المواجدة76
عبدالعزيز بن خلف المواجدة77
عطوان بن خلف المواجدة78
عبدالرحمن بن محسن المواجدة79
محيميد بن حمدان المواجدة80
حمد بن سالم المرابحة81
لافي بن شحاده الحرازنة82
غريب الخطبا83
خضرا بنت حريثان القرالة84
سعيد الدرارجة الخرشة85
11070135_10155353979475585_2112803176069787806_n
رفع العلم الأردني على باب كهف الابادة العرقية لعراق الكرك كرمز تذكاري لأرواح الشهداء من قبل فريق عمل إرث الأردن

أهازيج ما بعد الجريمة

توالت أعوام الوجع على الفقد العظيم لكتلة من نخبة فرسان الأردن ورجالها بعد مجزرة الإبادة العرقية الذي مارسها المحتل العثماني، فكانت الأهازيج الكركية تنادي ( بزمزمة الفنجان ) أي بمنع القهوة في إشارة لتوقف كل مظاهر راحة البال والكيف حداداً على عظيم المصاب واستمرار النزف للجرح الذي لن يبرأ، وكان أهل عراق الكرك يسمون أسماء الشهداء وينادونهم بأهازيجهم توجداً في ترويد يحمل كل أوصاف الفجيعة، ويتموُّن الأهازيج بفضح من تواطأ مع المحتل العثماني بالصياح على حامل القهوة بأن ( لا تصبها لفلان ) وفلان هو بالذاكرة الجمعية يمثل كل من تواطأ بالغدر بأهله وعمل مع المحتل العثماني أثناء ثورات تحرير الأردن من عصور الظلام.

وينص مقطع من الترويدة على ما يلي:

” زمزم الفنجان يا بي يا الولد زمزم الفنجان…

ولا تصبوا لفلان يا وجه القشل لا تصبوا لفلان… “

قائمة المراجع

  1. نوفان رجا السوارية و محمد سالم الطراونة ،اضاءات جديدة على ثورة الكرك (1328هـ/1910م)، ط1 ،الأردن، الكرك، دار رند للنشر والتوزيع، 2000 ، ص1
  2. د.سعد ابو دية ،ثورة الكرك 1910 “الهية”.
  3. سجل محكمة شرعية الكرك(1) ، حجة 13،13 جمادى الثاني هـ/ 1912 م،ص 35-36.
  4. الريس،منير الريس،الكتاب الذهبي للثورات الوطنية في المشرق العربي،ط1 1969،ص32
  5. المقتبس، ع649(12 نيسان 1911)م
  6. البشير ع2006 (2شباط 1911م) ص3
  7. مقابلة فريق ارث الأردن مع كل من : الدكتور خالد المواجدة ، الباحث مصطفى المواجدة، عبدالصمد المواجدة، المؤرخ حامد النوايسة، المؤرخ فرّاس دميثان المجالي 9/2016م ، مدينة الكرك.
  8. موسوعة القرية الاردنية ( بوح القرى )، مفلح العدوان، مركز الرأي للدراسات ، عمان ، 2008.

الابادة العرقية لعشيرة المواجدة 1910\11


سلالة من ذهب ( الخيل الأردنية في العصر القديم )

لم يستطع المؤرخون حسم  بيئة انطلاق الخيول الأولى ولكنهم نظرياً يعيدونها إلى آسيا الوسطى حيث امتدت إلى أنحاء الجغرافيا العالمية في ثلاث موجات كبيرة.

ينسب للعرق الذي استقر على سواحل اليونان باقي الأنساب من الخيل فيما عدا ما استوطن الصين وشرق آسيا ومنذ ذلك التاريخ باتت الخيل رديف وجود الإنسان أينما استوطن وتقدم دور هذا الكائن الجميل حتى بات ركيزة في معادلة الحب والحرب، وغير بعيد عن حضارة الأمم كان أجدادنا الأردنيين الأنباط يتربعون على قمة هرم أهم حضارات التاريخ فوطنوا الجواد واقتنوه لينطلق بعدها عهد طويل بين الأردنيين والجياد امتد إلى يومنا الحاضر ووصل إلى جعل الحصان رمزاً للأصالة والعراقة والنبل، فحيكت ميثولوجيا الريح الجنوبية التي عجنتها الآلهة ليخرج من رحمها الحصان ومنه عرف بلقب ( ابن الريح )، وأكملت المدن الأردنية التاريخية السبعة من أصل عشرة الديكابوليس – أثناء فترة الاستقلال الذاتي في العهد الروماني – عملية توطين الخيل وتسخيره في بناء حضارة الأردن التاريخية فكان عهد الفروسية والمجد، وعلى ذلك العهد تابع الحفدة رواية العشق لهذا المخلوق النبيل فكوّن الأردنيون مخزونا من المفردات وقاموسًا غزيرًا يتعلق بالخيل يختصون به عن باقي المحيط، حتى نضج واكتمل هذا الإرث الخاص بالخيول الأردنية فبات إرثا وطنيا أردنيا مكتمل الأركان.

سلالة من ذهب (الخيل الأردنية في العصر الحديث )

 

9.indd
فارس أردني يمتطي حصانه الأصيل ويحمل حربته في الفترة التي شهدت مجموعة واسعة من الثورات الصغرى ضد الاحتلال العثماني

مرّ تاريخ الخيول في الأردن كما أسلفنا بمراحل سطوع وأفول كان الحفاظ على الإرث يحتاج إلى تكيف ومرونة فانتقل الأجداد من حالة استخدام الخيول في جيوش نظامية إلى مرحلة فرسان العشائر – عبر عمليات الكر و الفر سريعة التأثير-  التي تكيفت لمواجهة حالة الاحتلال العثماني، الذي استهدف وجود الأردن بتغيير خطوط التجارة التاريخية ليتحول المجتمع الأردني من مساحة البناء الحضري الثابت الى المرن المترحّل السلس الحركة، كوسيلة دفاع في فترة حرب التوحش التي قادها العثمانيون تحت ستار الدين .

نجح فرسان العشائر الأردنية بتكوين معادلة البقاء القائمة على الترحال المرن، وكان رديفهم في تلك المعركة المصيرية الطويلة مع الاحتلال العثماني هو الخيل، وشاع صيت الفرس الأردنية الأصيلة نظراً لثبات الأردنيين في معاركهم التي وصلت إلى ما يقارب الـ ( 53 ) ثورة ضد الاحتلال العثماني على مدار 400 عام، ما دفع الكثير من الجيوش الطامحة بالمجد لبعث ارساليات بحثية ورحّالة للحصول على سلالات الخيل الأردنية، وفي عام 1773 استطاع الانجليز الحصول على فرس من سلالات خيل قبيلة بني صخر وقدمت كهدية للملك جورج الثالث ونجد في كتاب سمو الأميرة عالية بنت الحسين (قصة الخيول الأردنية العربية) سرد شيق لتفاصيل تاريخية دقيقة عن تاريخ الخيل الأردنية والدول التي أرسلت في أثر سلالات الخيل الأردنية ومنها بولندا وروسيا وهنغاريا وايطاليا وفرنسا واسبانيا وغيرها وتفاصيل هذه البعثات .

9.indd
عدد من المقاتلين من فرسان العشائر الأردنية يمتطون خيولهم و رافعين لرماحهم في فترة تصاعد الثورات الأردنية ضد العثمانيين
9.indd
أحد وجهاء مدينة السلط و فرسانها يمتطي فرسه، و يتضح في الصورة جم اكرام الخيل و الاعتناء بها و تزيينها لدى الأردنيين

ويورد بيتر اوبتون في الفصل الثاني من كتاب ( قصة الخيول الأردنية) سلسلة للروايات التاريخية عن الشغف الذي دار في القرون الوسطى للحصول على فحول الخيل الأردنية لنقل سلالاتها لأوروبا، حيث يسجل لاسطبلات ( بابولنا ) في هنغاريا (المجر) حصولها على ما يقارب عشرين رأس خيل أردنية خلال الفترة ما بين 1843-1897 م، فيما حصلت اسطبلات ( شيرباتوف وستروجانوف) في روسيا القيصرية في حينها على سلالة ( الكحيلان ) الأردنية في عام 1888، وفي عام 1889 حصلت بولندا على رسن كحيلان العجوز الأردني واشتهرت خيول فرسان العشائر الأردنية من الصخور والعدوان والدعجة وبني عطية وبني حميدة والحويطات في القرن السادس عشر وحتى ما بعد التخلص من الاحتلال العثماني، فيما كانت خيول الكرك والبلقاء وعجلون إحدى أهم كنوز حرب الإفرنج في فترة الغزو الإفرنجي للأردن ومحيطه وكان لخيل الأردن الدور الأبرز في ميدان الفصل في معارك عجلون والكرك التي حسمت الحرب مع الإفرنج لصالح الأردنيين.

وهو ما توارثه الأردنيون عن آبائهم الغساسنة من فروسية، سبقهم إليها أجدادهم الأردنيين في مدن الأردن السبعة من أصل عشرة الديكابوليس في رحلة طويلة بعمق التاريخ تمر بالمؤسسين الأردنيين الأنباط ولا تنتهي معهم، كما كان للخيل الأردنية جولات الفروسية الطويلة بعد أن اعتلاها فرسان العشائر الأردنية في 20 مسرا رئيسيا و فاصلا في معارك الثورة العربية الكبرى وقادوا من خلالها عمليات التحرير و التطهير للأرض الأردنية من الاحتلال العثماني من العقبة جنوبا حتى دخلوا بها مدينة دمشق ليمدوا كف الخير العون و المساندة من نواصي خيلهم لتحرير أرض الجيران و الأشقاء.

2.indd
أحد فرسان العشائر الأردنية و أحد أبنائه يمتطون خيولهم خلال العمليات العسكرية للثورة العربية الكبرى في عمان
2.indd
عدد من مقاتلي و فرسان العشائر الأردنية يمتطون خيولهم متأهبين للعمليات العسكرية للثورة العربية الكبرى و تطهير عمان من الاحتلال العثماني
0.indd
عدد من مقاتلي و فرسان العشائر الأردنية يمتطون خيولهم أثناء مسيرهم في العمليات العسكرية للثورة العربية الكبرى و تطهير عمان من الاحتلال العثماني

وفي عصر النهضة بعد انتهاء عصر الظلام العثماني وعودة الأردن الى سياقه التاريخي تم مأسسة الحفاظ على هذا الكم الضخم من الإرث عبر انشاء الاسطبلات الملكية

5

وتذكر الوثائق التاريخية إهداء الشيخ مخيمر أبو جاموس الدعجة الخيل كرمز لأصالة العلاقة وعراقة الإرث الأردني والهاشمي للملك عبدالله المؤسس فيما كانت الفرس (جميلة) أغلى الهدايا التي أحبها الراحل الملك الحسين بن طلال والتي قدمها له الراحل المشير حابس المجالي قائد الجيش الأردني في أحلك منعطفات تاريخ الأردن الحديث .

dsd
الملك الراحل الحسين بن طلال يمتطي فرسه الغالية ( جميلة ) و التي أهداها له المشير البطل حابس المجالي

صفات الخيل الأردنية الأصيلة

 امتازت الخيول الأردنية بثلاثية ( الجمال، الرشاقة، والوفاء ) قابلها الأردنيون  بثلاثية ( النبل، الفروسية، والأصالة)، ونظرا لهبة الجغرافيا الأردنية التي أدرك أسلافنا عمقها، كانت المرونة والديناميكية أمرًا لا يجب اغفاله  في ذهنية البنائين الأوائل من أجدادنا الذين طمحوا للوجود بعين الحضارة لا على هامشها، وهكذا كان حيث تركوا الشواهد في كل جنبات الأرض الأردنية التي تروي الأردن بعين العمالقة الأوائل، وكانت الخيل جزءًا من هذه الوسائل التي تمنح المرونة والرشاقة في ركائز البناء الحضري بدءا من النقل، ولا تتوقف عند تكوين الجيوش في الدفاع عن المنجز، فمرّت الأردن تاريخيا بظروف متباينة ما قبل التاريخ بين سطوع مبهر لنجم الحضارة وأفول دون انطفاء، تنوّع خلاله التعاطي مع الخيل من جيوش منظمة وكراديس وكتائب كما في عهد الأردنيين الغساسنة إلى فرق وفرسان وخيالة تناضل للتحرير كما في عهد أبطال الثورات الصغرى ضد الاحتلال العثماني.

2.indd
قوات الخيالة الأردنية أثناء مرافقتها للشهيد الملك المؤسس ( الأمير حينها ) عبدالله الأول بن الحسين إبان عهد تأسيس الدولة الأردنية

وتحمل الخيول الأردنية الأصيلة صفات متقاربة من الجمال يمكن ايجازها بما يلي :

3
الفرس الأردني الشهير ( هليّل رمضان ) بطل العالم لمرات متعددة في مساباقات السرعة و الرشاقة و الجمال
  • صدر واسع يمنح الرئتين مساحة أكبر تدعم قدرة السرعة والتحمل .
  • عيون صافية وواسعة تضفي جمالاَ مع منح قدرة على الإحاطة بكل تفاصيل المدى.
  • رأس معتدل يميل إلى الدقة والصغر .
  • اعتدالٌ في الوقوف يضفي جمالاً على التكوين.
  • سعةٌ في فتحات الأنف تسهل عملية التنفس أثناء العدو السريع وتتناسب مع سعة الرئة.
  • فيما نجد أن الذيل يكمل جمال الصورة بطوله .
  • كما تتميز الفرس الأردنية الأصيلة بملمسها الناعم الدّال على نبالة السلالة والأصل ومدى تكريم الفرس تاريخيا في الأردن.
  • يكتمل المشهد بعنق طويل كان رمزاَ للجمال في أشعار الأردنيين الغزلية.
1
الفرس الأردني ( هلال العيد ) بطل عالمي ونموذج لتفوق الخيل الأردنية في المسابقات العالمية للسرعة و الرشاقة و الجمال

المراجع

  • روكس بن زائد العزيزي ، الخيل فـي حياة الأرادنة
  • الأميرة عالية بنت الحسين وبيتر اوبتون، قصة الخيول الأردنية العربية،المدينة للنشر،2011.
  • الملك عبدالله الأول بن الحسين، جواب السائل عن الخيل الأصائل، وزارة الثقافة، 2011.
  • مجموعة من المقابلات الميدانية مع عدد من الباحثين و المؤرخين من قبل فريق إرث الأردن ، 2016

تاريخ الخيل الأردنية

مقدمة

بات من الواضح للمؤرخين بأن نضال الأردنيين نحو الاستقلال بحكم مركزي  قد بدأ منذ فترة طويلة خاصة بعد أن أثبت أنه الأفضل في ترجمة تطلعات وطموحات الشعب بمختلف الحقب الإسلامية، وقد امتدت سلسلة  الثورات الصغرى  في تاريخ الاردنيين النضالي لأمد طويل، واندلعت الثورات بتسارع  وظلت مستمرة ومتقطعة جيلاً بعد جيل، وتارة لاستعادة الاستقلال الذي ظل حلماً قريباً تحول دونه قوى خارجية. وبعد كل ثورة كان تخضع قوى الحكم الخارجي للإرادة الأردنية أو يتم كبح جماح الثورات الأردنية عبر إبادات جماعية و بسط للسيطرة و النفوذ بقوة الجيوش الجرارة التي تم توجيهها على العشائر الأردنية لمرات لا يمكن حصرها .

لكن رغم كل هذه الظروف و التحولات التاريخية القاسية ظلت النزعة الاستقلالية موجودة وبعثت العشائر الأردنية ما مفاده أن الأردن لن تحكم من خارجها واستمرت العشائر الأردنية بمقاومة السلطة الخارجية من الثورات الصغرى و الوسطى حتى كللّت طموحها الجمعي بالاستقلال عبر الثورة العربية الكبرى .

 

قدمنا في البحث الماضي سردا تاريخيا موجزا واضاءة معرفية على واحدة من الثورات الأردنية الصغرى (ثورة الأردنيين عام 1670 )، في هذا البحث نستكمل مسيرة توثيقنا واستعراضنا للثورات الصغرى بالحديث عن ثورة الزعيم الأردني كليب الفواز ومعركة الجابية.

السياق الاقتصادي السياسي

 كانت الأردن تعيش حالة من الحكم الذاتي المستقل لأغلب الحقبة الاسلامية المتوسطة (الأيوبية المملوكية) وعند خيانة ولاة المماليك وتسليمهم الولايات للعثمانيين التي كانوا يحكمونها مما أدى لتبلور الخيانة في معركة مرج دابق، وجد العثمانيين رفضاً لحكمهم بالأردن وما عرف بثورة 1519 التي نشرنا تفاصيلها سابقاً، فما كان من العثمانيين الا أن نقلوا طريق الحج من الطريق الملوكي الى الشرق منه في خطة تهدف لكسر البنية الاقتصادية الحاضنة للنزعة الاستقلالية الرافضة للهيمنة الخارجية. وبالتفاصيل فان الخط القديم كان يحوي على محطات خدمات للحجاج كل 50 كيلو متراً (وهي مقدار المسافة التي تسيرها الابل في يوم واحد) على الخط، فكان الحجاج والتجار والرحالة يستأجرون الابل ويطعمونها ويبيتون في هذه المحطات التي كانت تسمى مفردةً بالخان، وكان الأمن مستتباً في ظل توازن واستقرار المصالح الاقتصادية والروابط الاجتماعية والتاريخية بين الأردنيين على طول الطريق الملوكي. أما خطة العثمانيين فكانت تهدف لأن يتم تقليل عدد هذه الخانات من  فتتحارب العشائر الأردنية فيما بينها على الفرق ويضيع الأمن وتسخر الثروة في الحروب البينية. لكن خطة العثمانيين بائت بالفشل الى حد كبير حيث أن الزعامات الأردنية كانت تخرج بعد كل فتنة كان يخلقها العثمانيون فتقوم هذه الزعامة على عمل تحالف عشائري تضمن زعامة محلية وتوزيع عادل للاقتصاد بين المناطق.

لكن هذا النموذج من ريادة الأعمال والاستقلالية الاقتصادية لا يتماشى مع عقلية الباب العالي حيث كانت الاستراتيجية تتلخص بالنقاط التالية:

– تحويل بؤر الانتاج الخدمية على طريق الحج والتجارة الى مراكز تحصيل ضريبة جائرة تجبر الأردنيين على انتظار المعونة من وزير الحج لتعويض النقص. ومن ثم  تحويل الأردنيين من مقدمي خدمات الحجاج الى موفرين للأمن من أردنيين آخرين خسروا مهنتهم المتوارثة على طريق الملوك قبل نقله وتقليص عدد مراكزه عام 1519 وهذا ما عرف لاحقاً بنظام “الصرة”

  • خلق حالة نزاع دائمة بين عشائر وصلت لتفاهمات على مراكز خدمات الحجاج لآلاف السنين.

– تفتيت التمثيل من تمثيل كامل مناطق الأردن لتمثيل منطقة محددة أو قبيلة بعينها بحيث يسهل الاستفراد بها.

  • الضرائب الجائرة والتي تبتدأ ب25% على الدخل و10% على المبيعات في خانات الحج

ولكن وما إن تستقر هذه الزعامة حتى يعمل العثمانيين على تدميرها لأن استقرار الأمور كان يعني نمو قوة الأردنيين وقدرتهم على الاستقلال. وبالتالي تتكرر الفتن والثورات المناوئة على طول الأربعمائة عام من الاحتلال العثماني المباشر وبالوكالة للأردن وكما حصل غير مرة مع زعامة الفواز للثورات الأردنية الصغرى.

ثورة الزعيم كليب الفواز ومعركة الجابية

بعد سلسلة الثورات الصغرى التي استعرضناها سلفا جاء الشيخ كليب بن حمد بن إرشيد الفواز خلفا لوالده الشيخ حمد، واعتبر الشيخ كليب كواحد من أقوى الزعامات الأردنية التاريخية، من حيث قوة شخصيته وقوة جيشه وزعامته ومكانته، ويعود أول ظهور له  في المراجع لعام 1690.

استمرت زعامته لعشيرة السردية وتحالفها مع باقي العشائر الأردنية حتى عام 1709، حيث امتدت زعامته لتحالف العشائر الأردنية من المزيريب شمال درعا وصولاً للمناطق الشمالية من المدينة المنورة ومن الجوف شرقاً وحتى الشريعة (نهر الأردن) غرباً، وقد امتلك كليب الفواز كافة أسباب المنعة والقوة من جيش قوي وشخصية مهابة وتحالفات قوية، وهو جزء مما ورثه عن والده حمد الذي قتله الوالي العثماني، وجده ارشيد الذي عرف أنه أشهر من قام بالتحالفات العشائرية الأردنية في ذلك الوقت، كل هذه الأسباب جعلت منه خصماً ونداُ قوياً للعثمانيين ومصدر قلق ورعب وإزعاج لولاتهم وسلاطينهم.

حاول الفواز عام 1700 المضي بنموذج العثمانيين الاقتصادي المعتمد على توفير الأمن بعيداً عن دور الأردنيين التاريخي بتقديم خدمات النقل والمبيت فجهز قوة كبيرة من العشائر الأردنية واختار خيار السلم مع العثمانيين على أن تبقى الأردن تحكم محلياً وتورد منها الضرائب بالوكالة بحسب تقدير أبنائها. لكن مخطط العثمانيين كان يهدف بالدرجة الأولى لتفتيت قوة المنطقة ولذلك وحتى عندما قبل الأردنيين بدفع الضرائب الجائرة  والتحول لدور توفير الأمن منه للانتاج الزراعي والاقتصادي الخدمي، تخلف العثمانيون عن الوفاء بجزئتهم من الاتفاق ولم يرسلوا “الصرة” للفواز لينفقها على كوادر الأمن من فرسان العشائر الأردنية فما كان من الفواز الا تعليق الاتفاق واعلان الطريق عبر الأردن غير نافذ. وقد كان اغلاق الطريق وسيلة احتجاجية ناجعة حيث أنها غير مكلفة، وتوقف دفع الضرائب، وتستدعي رداً عسكرياً أو مالياً مكلفاً للخصم العثماني المعتمد على الاتجار بالدين لتخدير الشعوب عن المطالبة بحقوقهم الاقتصادية والسياسية. .

 وفي عام 1701 اقتنع العثمانيون بأن صف الأردنيين كان مرصوص ولا مجال لاختراقهم بفتنة، وأن قوة الأردنيين بزعامة الفواز لا يمكن هزيمتها عسكرياً، فأرسلوا بطلب الفواز وهادنوه وتم صرف المستحقات المالية لكوادر الأمن وخيلهم وعتادهم فخرج الفواز على رأس قوافل الحجاج عام 1702 وعاد بها سالمة، كما استطاع تخليص جردة الحج عندما تعرضت للهجوم في ذاك العام[1] ، وفي العام التالي 1703 عادت قوافل الحج سالمة بفضل كليب الفوّاز الذي تكفل هو والعشائر المتحالفة معه بحماية الحج. وفي عام 1704، أتت سنة محل على المناطق الأردنية المتخمة بالضرائب الجائرة والتي أضعفت بها قطاعات الاقتصاد الخدمية التي خلقت استدامة بالسنوات العجاف زراعياً فحاول الشيخ كليب الفواز تخفيف العبئ الضريبي الذي تم تحميله للأردنيين لتلك السنة خاصة وأن الضرائب كانت بمقدار 25% على الدخل و10% على خانات الحج. لكن العثمانيين تعنتوا وحاولوا ارسال حملة عسكرية لجلب الضرائب بالقوة، لكنها لم تستطع دخول حدود الزعامة الأردنية على حدود درعا. وعند وصول الخبر للسلطان تبدى له أنه يستطيع تعيين حاكم للمنطقة من خارجها واعلان الشيخ كليب الفواز “باغي على شرع الله وحكمه” لترويج أحقاده من خلال الستار الديني. وعلى اثر ذلك أعلن الشيخ الفواز نهاية الاتفاق السابق وبدأ الثورة. وقد تم الوصول لـ 23 وثيقة عثمانية تعود لعام 1704 يكتب فيها السلطان العثماني بكامل “قوته وعظمته”، ويوجه جميع الحكام والقادة الموجودين في المنطقة الممتدة من شمال حلب وصولاً لغزة، يناشدهم فيها القضاء على ما وصفه بـ “الباغي كليب”.

kleeb0001

kleeb0002

kleeb0004

kleeb0003

جانب من الوثائق الـ 23 التي وجهها السلطان العثماني في حينه الى الولاة في مختلف المناطق المجاورة تنص معظمها على :

“أمير أمراء الشام محمد دام إقباله مأمور بهذه الخدمة الجلية، ولقد أمرت والي الرقة وزيري يوسف باشا بأن يودع أمر ونظام ولايته لكتخداه ويتوجه هو مع كامل رجال قصره الى مناطق جنوب الشام لدفع شر الباغي كليب، الذي كان شيخاً لها، وسلك طرق العصيان والتمرد مع أشرار العشائر الذين هم على هواه وشاكلته، ويسعى الآن للإضرار بقواتنا في المنطقة، وليقوم الوزير المشار اليه بحماية مناطق الشام، كما أمرنا والي صيدا بيروت وزير محمد باشا بارسال خمسمائة من الرجال، وأمرنا مصطفى متصرف نابلس على وجه التخصيص التوجه بنفسه مع أعداد وفيرة من رجالك الى حيث يوجد الوزير المشار اليه وتكون من جردته لتبذل كل ما في وسعك لتحقيق خدماتي العلية وفق رأيه الصائب في دفع شر كليب والبغاة، ولتبذل كل جهدك لتحقيق خدمتي العلية على أحسن وجه، وهذا أمري عالي الشان في كل ذلك”

 

معركة الجابية : الأردنيون يقتلون الوالي العثماني

وفي 1705 كان الوالي العثماني على دمشق وهو حسين باشا الفراري مصراً على القضاء على الأردنيين، رغم نصح مستشاريه له بأن يتخلى عن استخدام القوة ضد الشيخ كليب وجيشه من فرسان العشائر الأردنية أحفاد القوات المقاتلة التي أذاقت المماليك الويلات سابقاً. قام الشيخ كليب الفواز بارسال كلمته المشهورة ان ” احقنوا دماء أهالي المنطقة” لخطباء المساجد ليحثوا أبناء دمشق وجوارها على أن لا يلتحقوا بالحرب على جيرانهم الأردنيين منبهاً أن هذه الحرب هي مع الأتراك العثمانيين وأعوانهم فقط، وقد كان لدى كليب من الحكمة اللازمة لأخذ المبادرة في ذلك، وهو يواجه السلطة العثمانية الراغبة بكسر قوة العشائر الأردنية في المنطقة المتمثلة في كليب والملتفة حوله في ذلك الوقت. حشد كليب جيشاً من العشائر الأردنية المساندة له كان قوامه 20 ألف مقاتل من فرسان العشائر الأردنية بينهم 4000 فارس على خيول، منهم 700 فارس من أرباب الدروع المصفحين، وسار لملاقاة جيش الاحتلال العثماني الذي وصل تعداده لـ 30 ألف مقاتل، عندها أرسل الوالي العثماني إلى أمير الجردة حسين باشا بن القواس الذي كان مخيماً بالقرب من قرية شقحب ومعه حوالي عشرين بيرقاً لمعاونته على قتال كليب، لكنه بقي مكانه لأنه كان قد تعاهد مع كليب على حقن دماء أبناء المنطقة، وكان كليب يتقدم كل يوم نحو معسكر الوالي العثماني وقواته، وبنفس الوقت يرسل إليهم من يناشدهم حقن دماء الناس، فكان الوالي يقوم بسجن رسل كليب وزجهم في قفص حديدي، وكان الجميع في دمشق ينصح الوالي بالصلح، إلا أنه رفض ذلك غير آبه بمصير الآلاف من جيشه وما تم جمعه من مرتزقة لمعاونته . [2]

وقد طلب كليب من قاضي دمشق التوسط بحل هذه القضية وبقي ينتظر رده فلم يرد له جواب، وكان مضمون رسالة كليب لهم: “إن قتالي كان على وجه شرعي لأني أطالب بحقوق شعبي، وإني سوف أقاتلهم، أرجوا أن تبينوا لي فأنتم علماء وأهل فتوى، أو اسعوا في الصلح لحقن دماء أهل المنطقة”.[3]

وقد كان كل هذا في إطار المحاولات الدبلوماسية لتدارك الأمور قبل أن تصل لحد القتال وقد قام علماء دمشق وقاضيها بعرض هذه الدعوة للصلح على الباشا فلم يوافق عليها وكان قاضي دمشق يميل للصلح وأرسل جماعته ليرسلوا له عرضاً مكتوباً في صلح كليب، وقالوا : “نريد اجراء الصلح وحقن الدماء” وكان كليب ينتظر الجواب الا أن أتاه رد الوالي العثماني بأن خيول جيش العثمانيين ستعود لاستنبول وبأرجلها رؤوس جيش كليب. فما كان من جيش الأردنيين أمام هذه العجرفة المعتدة بالعدد وسواد الخنوع في مناطق أخرى الا أن تزحف باتجاه معسكرات الجيش العثماني، حيث أرسل كليب نذره إلى الوالي يتوعده في الصباح. وكان بعض مرافقي الوالي أشاروا عليه بمهاجمة كليب قبل أن يقوم بمهاجمتهم، إلا أنه رفض. وفي الصباح أرسل كليب ثلاثة آلاف جندي الى معسكر الوالي المتخم بثلاثين ألف فقاموا بالهجوم على عسكر الوالي وأخذوا أحمالا لهم فقام العسكر والوالي باللحاق بهم، فلما وصلوا إلى جبل خرج عليهم كليب وقواته من بين ثنايا الوديان، فقتلوا منهم الآلاف وأسروا الكثير بحثاً عن الوالي الذي توعد الأردنيين بجر رؤوسهم بأرجل الخيل الى استنبول. كان الوالي في المؤخرة، فتم الهجوم عليه وقتله ورميه أرضاً ووضعه برجل جمل، وتعرض العسكر العثماني إلى قتل شديد وتم تجريدهم من كل شيء معهم، فلم يرجعوا إلى دمشق بشيء من الجمال والخيول والدواب، وبقيت جثة الوالي معلقة بقدم أحد الجمال لمدة ثلاثة أيام بالقرب من قرية الجابية وهي منطقة قرب درعا شمال حوران الأردنية دون أن يتمكن أحد من الجنود العثمانيين من أخذها، فقد فر معظمهم مشياً على اقدامهم لدمشق وقد كان ذلك رداً على توعد الأردنيين بالاذلال وربط رؤوس قادتهم بحواف الخيل. صعق السلطان العثماني من نبأ قتل واليه وأغلب جيشه ووصل حقد العثمانيين على العشائر الأردنية وعلى كليب الفواز خاصة الى حدود غير مسبوقة حيث أن خبر كسر هيمنة السلطان بدأ يثير طموحات الشعوب المحتلة الأخرى على الثورة.

غضب عثماني وانتقام من حلفاء كليب

ونلاحظ مما سبق أن كليب حاول حل الموضوع دبلوماسياً خلال كافة المراحل التي سبقت القتال وقد استمرت المناوشات لمدة ثلاثة أيام، وحتى مع بداية القتال نفسه، فقد أرسل الرسل قبل وصوله، وأرسل الرسل ليلة المعركة، وإمكانية تدارك ذلك إلا أن الوالي العثماني أخذه الغرور والتعنت ولم يرتدع وقرر جعل الأردنيين عبرة لمن يفكر بالثورة على الاحتلال العثماني، وكان ما كان من نصر لكليب والأردنيين، نتيجة للحنكة العسكرية الواضحة في إدارة المعركة، بل حتى في الاستعداد الاعلامي الاستراتيجي لها، فما كان لأحد أن يجمع هذا العدد من الجيش لو لم يمتلك الأسباب العادلة والكافية لذلك، وهي التي دفعت معظم عشائر الأردن للتحالف معه بالاضافة لتمكنه من استمالة العلماء والتجار في دمشق. وبعد الهزيمة النكراء حاول العثمانيون الانتقام من المتحالفين مع كليب ومن لم يتحالفوا معهم ضد كليب، فقد قاموا بنهب قرية “شقحب” والتنكيل بأهل القرية الموالية لابن قواس جزاء رفضه المشاركة في محاربة العثمانيين للأردنيين، بينما المفارقة أن كليب المنتصر قام بالعفو عن من خانه وتحالف مع العثمانيين، فقد خرج حاكم القدس لمساندة قوات حسين باشا، وتحصن في مكان يسمى الخربة، بها عمارة وعليها حصن وفيها بئر ماء فتحصنوا بها، وأخذت قواته تضرب قوات الشيخ كليب التي كانت تحاصرهم، وقد حاول هؤلاء المحاصرين طلب الإمدادات من العثمانيين، فلما وصلتهم الأنباء أن الوالي العثماني قتل، عرضوا على كليب أن يطلق سراحهم ففعل على أن يتعهدوا بعدم موالاة أي غازي عثماني على الأردن، ذلك لأن رجولته وملامح شخصيته الأردنية لم تكن لتسمح له بالاستقواء على المهزوم فاتخذ العفو بدلا عن سياسة التنكيل العثماني.

أسباب ومبادئ تحالف الأردنيين وثوراتهم المتتالية ضد العثمانيين

تشكل معركة الجابية التي شارك بها الأردنيون تحت قيادة الزعيم كليب الفواز، إلى جانب غيرها من الثورات التي سبقت ذلك والثورات اللاحقة، حالة أخرى من النزعة الوطنية التاريخية نحو الاستقلال والتحرر من أي سلطة خارجية تحاول أن تمارس الوصاية على أسلوب الحياة الاقتصادي والاجتماعي، ورفض الاتجار بالدين لتسويق الظلم، الأمر الذي يدفع كل المكونات الاجتماعية للوقوف في صف واحد، سيما مع إهمال العثمانيين للمنطقة والتعامل معها كمزرعة لجمع الضرائب فقط.

وكانت العلاقة السائدة في تلك الفترة هي علاقة تحالفات، فطريق الحج الممتد من جنوب دمشق حتى أطراف المدينة يستحيل على قبيلة واحدة أن تشرف عليه بمفردها فقد كان عدد الحجاج في الموسم يتراوح ما بين 13-14 ألف حاج، كل منهم بحاجة لجمل أو اثنين مع المتاع، فعرفت عن العشائر الأردنية قدرتها الكبيرة على إقامة التحالفات لضمان مصالحها ووجدت عدة مراكز لإدارة وحماية طريق الحج أهمها عجلون، والسلط، والكرك، إلى جانب العقبة، وعملت على تأمين الجمال للحجاج الذين كانت تستلمهم قرب نبع ماء في منطقة المزيريب شمال درعا، وتضمن حماية قوافلهم وصولاً للمدينة المنورة، وتعدى ذلك لسن مواثيق وعهود تنظم عملية الإشراف على طريق الحج حتى أن توزيع الخانات بما تشمله من مرافق وأسواق كان منظماً بحيث يقام خان كل 50 كم وهي مسافة سير الجمل لمدة نهار كامل، وكان من ضمن تلك التحالفات قبائل أردنية أخرى منها على سبيل المثال لا الحصر : العمرو، وبني عطية وغيرها، وقد كان من أشهر الأمثلة على تلك التحالفات ما عرف بحلف الفحيلي الذي كان يتكون من السرحان والسردية والعيسى، ثم تشكل لاحقاً حلف جديد يضم العشائر المنطوية في حلف الفحيلي وصار يعرف بحلف أبناء الشمال بعد انضمام بني صخر، ونرى أثر هذه التحالفات في معركة الجابية، فيستحيل على كليب الفواز جمع 20 ألف مقاتل من قبيلة واحدة فذلك يعني أن عدد أفراد تلك القبيلة سيكون 100-200 ألف على أقل تقدير ولم تكن تتواجد قبيلة بهذا العدد في ذلك الوقت مما يثبت أن القوات المحاربة مع كليب الفواز كانت من أبناء كافة العشائر الأردنية المنضوية في الحلف ، حيث يذكر المؤرخون أن العشائر المتحالفة مع كليب كانت تسير باتجاهه ثلاثة أيام للوصول اليه والانضمام لقواته ودعمه في الوقوف بوجه العثمانيين في ذلك الحين[4].

 

 

الحقد العثماني على الأردنيين ما بعد ثورة الجابية :

لم ينسَ العثمانيون ثأرهم، وبقيت منطقة الأردن تعاني مزيداً من الإهمال والتهميش، بعد مقتل حسين باشا الفراري على يد كليب الفواز وقواته عام 1705 ، تم تعيين والي جديد هو سليمان باشا الذي عُرف عنه أنه رجل غير متطرف وليس قمعيا واستجاب لنصح مشايخ دمشق وعلمائها وأصدر عفواً عن كليب الفواز نتيجة حاجة العثمانيين لمن يستطيع ضمان حماية قوافل الحج والتجارة، فقد قام الوالي الجديد بزيارة كليب الذي كان قد تولى درك الحج (حمايته) في عدة مرات سابقا مقابل الحكم المحلي، وأرسل سليمان باشا عرضاً للحكومة بحسن حال كليب وأنه طاهر المجلس، وفي السادس عشر من ذي الحجة ورد فرمان بالعفو عن كليب، وذلك بعرض من والي الشام، فقد كان حماية طريق الحج مقياساً لنجاح الولاة أو فشلهم، ذلك أنه كان يضفي طابعاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وكانت الطريق على درجة عالية من الأهمية الاقتصادية، ذلك أن الكثير من أبناء المنطقة وتجارها، يعملون على توفير متطلبات هذه القافلة لمدة تزيد على شهرين، واجتماعياً حيث تعقد الأفراح عند عودة القوافل والحجاج المهملين بالهدايا والبضائع وغيرها، وسياسياً كانت المناصب والترفيعات تعلن بعد عودة القافلة، وعليه فقد كان هذا الفيصل في نجاح أو فشل الولاة والمناصب الأخرى.

لقد كان سليمان باشا من النوع الدبلوماسي وهو ما يبدو أنه كان سبباً في إنهاء خدماته خلال وقت قصير واستبداله بوالٍ آخر من النوع المتسلّط المفضل للعثمانيين وهو الوالي “نصوح باشا” كما صدرت الأوامر بأن يصبح  والي الشام هو أمير الحج وأن يترأس الحج الشامي الذي تمر طريقه بالأردن فعمل  نصوح هذا على استمالة “محمد الفواز” الابن الثاني لكليب الفواز وأغدق عليه من الهدايا والعطايا، واصطحبه معه في رحلات الحج.

كليب الفواز شهيداً برصاص الغدر العثماني بعد دعوته لخيمة الوالي

 وفي عام 1709 يوافق كليب الفواز على تلبية دعوة الوالي بإلحاح من ابنه محمد الذي تمكن من إقناعه، ويذهب برفقة 40 فارس من السردية، وفور دخوله خيمة الوالي يرديه شهيداً برصاص الغدر والخيانة، فنحروا عنقه وأرسلوا رأسه للقسطنطينية، ومن هنا جاء المثل الشعبي القائل : “جايب رأس كليب” و الدال بالطبع على القيمة العالية جدا لرأس كليب لدى العثمانيين وأهالي بالمنطقة مع اختلاف المشاعر بالطبع، وتقول الوثائق أن نصوح باشا لم يجرؤ على النظر نحو رأس كليب خشية النظر في عيناه، ولم يرد أي ذكر تاريخي لمحمد بن كليب الفواز بعد ذلك، وأغلب الظن كما تشير الروايات الشفوية أنه قضى غدراً إلى جانب والده في تلك الخيمة ذلك اليوم، فقد غدر به الوالي العثماني صديق الأمس وجز رقبته كما جز رقبة أبيه بعد أن غرّر به لاستقدام  والده الشيخ كليب الفواز.

عندما قام العثمانيون بتعيين نصوح باشا الوالي الجديد على بلاد الشام، حاول كليب تحريك حلفائه ضده، بل حاول قتل الوالي الجديد ، واستطاع دخول دمشق سراً وقابل حلفاءه التركمان، الذين لم يستطع نصوح باشا الحاق الأذى بهم مقابل تحالفهم هذا، خوفاً من بطش كليب ، إلا أنه نكل بهم وشتتهم وهدم بيوتهم بعد قتله لكليب عام 1709.

وقد انخدع محمد الكليب الفواز بالقناع الذي يرتديه الوالي العثماني بينما بقي الأب كليب الفواز يشعر بالمؤامرة التي يحيكها العثمانيون ضده للانتقام منه، وظل حذراً في التعامل معهم وكان على وشك القيام بثورة أخرى ضد نصوح باشا وقتله لولا أن ابنه أقنعه بأن الوالي لا يحمل ضده أي ضغينة، فقد عمل نصوح باشا على استمالة ابن كليب وضمه لحاشيته المقربة، وقد كانت هذه الخطة بداية لمقتل كليب، وقد دفع كليب حياته نتيجة لهذا، فقد تزامن هذا الكرم مع استصدار فرمان قبل ذلك بالعفو عن كليب من استنبول، وكانت هذه الخطوة الثانية التي انطلت على كليب واستبعاده لفكرة الغدر والخيانة من الوالي العثماني خاصة بعد صدور العفو، كما أن الأسباب التي دعت كليب  إلى الأمان تتعدى ابنه والعفو، فيضاف لها عامل ثالث هو طول المدة نسبيا بين معركة الجابية ومقتل الوالي العثماني عام 1705م، وبين استشهاد كليب وارسال رأسه إلى اسطنبول عام 1709م، وقد يضاف إليها شخصية كليب نفسه، ذلك أن قوته وكثرة جيشه قد أعطته الثقة بأن الوالي لن يقوم بالمخاطرة بمهاجمته وقتله، و لقد كان كليب الفواز مرهوب الجانب ونداً للعثمانيين بل أنه كان أقوى منهم بتحالفاته واستطاع هزيمتهم في معركة الجابية، بينما لم يقوَ العثمانيين على القضاء عليه إلا بالخيانة والغدر ولو كان في مواجهتهم وجهاً لوجه لاختلفت خاتمة المشهد.

نهاية نصوح باشا بنفس الطريقة التي اختارها لكليب

بقي نصوح باشا في مركزه والياً على دمشق عام 1714 حتى بلغه أنه قد سلبت منه مناصبه، وأن العساكر العثمانية قد وصلت لدمشق لقتاله، فهرب ولحق به العسكر، فقتلوه، ثم جزّوا رأسه، وسلخوه، وأرسلوه إلى أسيادهم، كما أرسل رأس كليب، مع الفارق أن كليب استشهد بطلاً، فقد قضى دفاعا عن الأردنيين وهمومهم ومعاناتهم تحت الاحتلال العثماني، بينما عاش نصوح باشا مجرماً وعميلاً لسلطة ظالمة وفُتك به وهو كذلك.

المراجع :

[1] ابن كنان ، يوميات ، ص 61

[2] ابن كنان  ، يوميات ، ص90-91

[3] ابن كنان ، يوميات ص 92-93

[4] ابن كنان ، يوميات ص 100

مخطوطة تحت النشر لتاريخ عشائر السردية، تأليف و إعداد المؤرخ كليب الفواز ، ص ( 161-179)، 2016.

الثورات الصغرى – معركة الجابية 1705

مقدّمة

يعدّ الشيخ قدر المجالي واحدا من أبرز زعماء العشائر الأردنية الأكثر تأثيرا في مسار الأحداث في الأردن في العصر الحديث، اذ ساهم بإعلان و قيادة واحدة من أشهر الثورات الصغرى – الوسيطة – في الأردن ضد سلطات الاحتلال العثماني، وقاد جهدا تنويريا استقلاليا رافضا لوجود العثمانيين في المنطقة و متحديا لسياساتهم التدميرية و جرائمهم تجاه المواطنين و السكّان العزّل.
لقد مهّد الشيخ قدر المجالي – عبر قيادته لثورة الكرك – الطريق لوجوب قيام ثورة كبرى ضد العثمانيين تتوحد فيها الجهود و يتحقق فيها الطموح الجمعي للأردنيين بالخلاص و الاستقلال من حكم استمر لأربعة قرون كان عنوانه التنكيل و الجباية و الحكم بالوكالة، و يحسب له الفضل الكبير بما تلا ثورة الكرك من صوت بات يعلو شيئا فشيئا بوجوب رحيل العثمانيين بلا عودة .

لا شك أن قدر المجالي كان شخصية فريدة تملؤها التفاصيل المشوقة، لا على مستوى الكاريزما التي حملها فحسب، بل على مستوى جرأة القرارات التي تحملها في مواجهة أعتى قوة عسكرية و آلة إعلامية متاجرة بالدين مرّت على قومه ووطنه، حتى أن حادثة اغتياله بقيت حدثا مليئا بالألغاز مثيرا للآلام و الشجون بين من عرفوه و رافقوه أو سمعوا عنه.

لقد بقيت سيرة حياته أيضا ملاذا و موئلا للباحثين عن الحرية في سبيل وطنهم، فبين ملاحقته لسنوات و التنكيل بأهله و أقاربه و مدينته، وسجن زوجته ومن ثم التحايل عليه و اغتياله ، رسم الشيخ قدر مسارا للثوّار خضبوه بدمائهم حال انطلاق الثورة العربية الكبرى بعد ستة سنوات من الهيّة و بعد أشهر فقط من اغتياله، ليكون بذلك رمزا للحرية التي قدّم روحه من أجلها غير خائف أو متخاذل، و أيقونة للنضال الوطني الأردني في مواجهة قوى الاستعمار و الاحتلال.

الشيخ قدر المجالي

مولده ونشأته:
هو الشيخ قدر بن صالح بن محمد بن عبدالقادر المجالي، ولد في الربة في محافظة الكرك بتاريخ 25/حزيران 1851م، في ليلة 27 رمضان عام 1267هـ وهي ليلة القدر فسمي بهذا الإسم من قبل والده تيمناً بهذه الليلة الفضيلة، و أملا بأن يكون قَدَرا خيّرا لأهله و أرضه.
واجه الشيخ قدر الأمية المتستفحلة حدا بعيدا وتحدّاها رغم الاعتماد الرسمي لسياسة التجهيل من قبل الاحتلال العثماني وما رافقها من أوضاع مادية صعبة بسبب الضرائب وسياسة النهب العثمانية، فتعلم مبادئ القراءة والكتابة على يد شيخ الكّتاب في قريته، في حواضر المعرفة المحلية التي سميت بالكتاتيب في ظل غياب المدارس في الكرك حيث لم تبنَ أو مدرسة في المدينة إلاّ بعد عام 1893م بمبادرة شخصية من أهالي المنطقة، بدلا من انتظار قيام السلطة العثمانية بدورها الذي لم يتم.
أما من كان يطمح من أبناء العشائر الأردنية في تقلد مناصب رسمية في ذلك الوقت فكان عليه مغادرة الوطن الى الخارج من أجل تعلم اللغة التركية ذلك أن المادة 18 من الدستور العثماني تنص على أن معرفة اللغة التركية قراءة وكتابة شرطاً لتقلد وظائف الدولة، اذ اتخذت هذه المادة ذريعة لفرض تعلم اللغة التركية على جميع أبناء العشائر الأردنية الراغبين بالتقدم في المواقع الإدارية و العسكرية، فبقيت عائقا أمام أبناء العشائر الأردنية للخدمة في وظائف الدولة، خاصة في ظل مقاومة الأردنيين لتعلم هذه اللغة بسبب نزعة الاستقلال عن المحتل العثماني. ولهذه الأسباب مجتمعة رفض الشيخ صالح والد الشيخ قدر إرساله خارج الوطن لتعلم اللغة التركية، حيث ابقاه والده بين أهله لكي يتعلم الاعراف والعادات العشائرية الأردنية كمرجع أوفى وأهم للسمو و رفعة القيم.
بلغ الشيخ قدر من العمر 10 سنوات وبدأت تظهر عليه الفطنة وعلامات الذكاء الأمر الذي لفت أنظار جده الشيخ محمد وأخذ يقربه منه وينشئه على مبادئ الانتماء للأرض والعشيرة، وتعلم مبادئ الفروسية وركوب الخيل وعندما بلغ سن 15سنة بدأ يشارك في سباقات الخيل والهجن.
بدأت شخصية الشيخ قدر تبرز فكان الشاب المتواضع والشهم حيث الكبار يتباهون بأخلاقه ورجولته ويتمنون مصاهرته ليس لأنه الشيخ المنتظر لعشيرته بل لأنه صاحب الأخلاق الرفيعة والمتزنة، ولصفاته هذه كانت فتيات الربة تهواه، ويشهد الشاعر الكركي عبد الله العكشة على تنافس بنات الربة على قدر في قصيدة وصفية جميلة يقول في مطلعها:

لا يا قدر يا شوق مسلوب الأبدان   يا شيخ لا ترضى علينا الخرابا

ويقصد العكشة في بيته السابق أنه يستجير بقدر المجالي الذي تهواه جميلات النساء رشيقات الأجسام، ويطلب منه كزعيم و شيخ أن لا يرضى الخراب الذي ينصبُّ على الكرك من العثمانيين.

لقراءة نص القصيدة كاملة يرجى النقر هنا 

أوصافه وهواياته:
تزوج الشيخ قدر من مشخص فارس المجالي وهو ابن 20 عام وجرى سباق خيل في حفل زفافه اشترك فيه فرسان من السلط ومادبا والكرك ومعان .  كان الشيخ قدر متوسط القامة أسود العينين، كثيف اللحية والشارب، يفضل ارتداء العقال من الحرير الطبيعي ذي اللون الاسود ويفضل لبس الدامر والعباءة المقصبة بالذهب، يهوى ركوب الخيل والسباق والصيد، ويحب من الخيل ذات اللون الأبيض ومن الهجن اللون الجملي.  أما عن أسلحته فكان يحمل الخنجر والبندقية والسيف، ويفضل صناعة الكرك من الخناجر والشباري، وهي مشهورة بصناعتها منذ العصر الأيوبي والمملوكي.

تنصيبه شيخا للمشايخ
في السياق التاريخي للتسلسل في مشيخة الكرك، فإن الشيخ يوسف المجالي كان شيخا على منطقة الكرك في بداية القرن التاسع عشر، واستلم بعده المسؤولية الشهيد البطل الشيخ اسماعيل اليوسف المجالي الملقب بالشوفي، وبعده تولى المشيخة الشيخ عبد القادر يوسف اليوسف المجالي ومن ثم ابنه محمد بن عبد القادر المجالي فالشيخ صالح بن محمد بن عبد القادر المجالي شقيق الشيوخ رفيفان المجالي و دليوان و فريوان المجالي.
وبعد وفاة الشيخ صالح بن محمد المجالي تولى ابنه الشيخ قدر بن صالح المجالي المشيخة، ولم ينجب الشيخ قدر أولادًا فانتقلت الشيخة من بعده لأخيه الشيخ اعطوي بن صالح المجالي.
وعندما استلم الشيخ قدر المنصب العشائري في الكرك وحسب العرف العشائري المتبع في الكرك عبر القرون الماضية و ضمن الطقوس المتعارف عليها للتنصيب، قام رجال الدين المسيحيين في الكرك يتقدمهم الأعلى رتبة بينهم وربط منديلاً حول عنق الشيخ قدر دلالة على الاعتراف بزعامته، ومبايعته، وكان من الواجب أن يكون المنديل أحمر اللون كناية أن حياة أبناء العشائر و سلامتهم أمانة في عنقه، ولم يكن لإجراءات التنصيب أن تتم دون اتباع هذه الاجراءات .

شخصية القائد قدر المجالي
تمتع الشيخ قدر المجالي بصوت جهوري وشخصية كارزمية قوية حيث ساهمت الحقبة التي مرّ بها من ثورات أردنية على امتداد الوطن ضد الاحتلال العثماني من صياغة شخصيات فرسان العشائر الأردنية لتكون قادرة على مواجهة أشكال الاضهاد العثماني و التصدي له بدلا من أن تكون لقمة سائغة لولاته و عمّاله، ما جعل من الشيخ قدر واحدا من أبرز فرسان عشيرته اذ تمتع بالقدرة على صناعة القرار الجريء عبر الإرادة الجمعية للأهل والعشيرة والوطن يتفاعل مع القرار بروح القائد الحكيم.

كان قرار التخطيط لإعلان ثورة الكرك التي سميت بثورة الهية عام 1910م. واحدا من أبرز محطات هذا الزعيم الوطني و أكثرها تأثيرا على ساحة الأحداث في المنطقة لاحقا، اذ تحوّلت لتصبح موئلا لكل شيوخ العشائر الأردنية من الحويطات جنوبا حتى السرحان و بني خالد شمالا، في مواجهة الظلم الواقع من الاحتلال العثماني على أهالي الكرك من انظمة السخرى وحملات الإعدام و الإبادة الجماعية والتجنيد الاجباري، فكانت الثورة إحدى القرارات التي حولت مسار المنطقة تماما و ساهمت في قيام ثورات أخرى متتابعة من بعدها تكللت لاحقا بالثورة العربية الكبرى – ثورة الخلاص من منظومة ظلم واستبداد و تجارة بالدين .

هيّـــة الكــرك 
في تأريخ الثورة فمن المعروف أن هية الكرك انطلقت ضد الاحتلال العثماني عام 1910م لعوامل مختلفة تمثلت بازدياد وتيرة الطغيان والاستبداد العثماني من نهب وتخريب وتجنيد اجباري وضرائب شكّلت ثقلا كبيرًا على عشائر الكرك، أدت هذه الأوضاع مدفوعة بالسخط الشعبي الى اجتماع عشائر الكرك للخلاص من هذا القمع ووضع خطط استراتيجية للقضاء على العثمانيين وطردهم من المنطقة، وأسفر الاجتماع على أن يتزعم الثورة وأن يكون القائد العام لها الشيخ قدر المجالي، فقام الشيخ قدر بتحديد موعد انطلاق الثورة في تاريخ 23/11/1910 وبعد هذا القرار قام بجولة ميدانية مع عدد من الشيوخ و الفرسان زار فيها العشائر الكركية من أجل التنسيق على استراتيجات الثورة ضد سلطة الاحتلال.
وأثناء قيامه بالتبليغ والاتفاق مع شيوخ العشائر على خطة الثورة، طلبته الحكومة التركية من أجل أن تضعه في لجان تعداد الأنفس، وما كان من قدر إلا الموافقة من أجل التكتم والتمويه فيما يخص الثورة – كما أشار عليه عمه الشيخ ارفيفان المجالي وبعض زعماء العشائر الأخرى – وبدأ العمل مع اللجنة في تعداد الأنفس.

ولكن بعد أن رأى الشيخ قدر التجاوزات التي تقوم بها لجان التعداد تجاه الأهالي، لم يحتمل هذه الأمر وذهب الى المتصرف وأمير اللواء شاكر باشا وهددهم بالاستقالة إذا استمرت لجان الإحصاء بالتجاوزات وبإهانة شيوخ العشائر، فوعد المتصرف أن يقوم بنفسه بمراقبة أعمال اللجان، ولما علم (خيري بك) مأمور الإحصاء العام بانتقادات الشيخ قدر المجالي زاد من تجاوزاته، فأخذ يتعمد الإساءة للشيخ قدر شخصياً، ويتجاهل وجوده كعضو في اللجنة، وعندما كثرت تحدياته المقصودة للشيخ قدر، تأكد الشعور لدى شيوخ الكرك بأن الحكومة عازمة على الانتقاص من هيبتهم وسلبهم نفوذهم العشائري التقليدي، ولم تكن تصرفات (خيري بك) إلا بداية سوء النوايا تجاه الشيخ قدر وتجاه عشائر الكرك بعامة أخيراً، أمام هذا الوضع المأساوي قرر الشيخ قدر تقديم استقالته رسمياً من لجنة الإحصاء احتجاجاً على تصرفات مأمور الإحصاء العام (خيري بك) وعلى تصرفات أمير اللواء (شاكر باشا) الذي بدلاً من مسايرة وإرضاء مشايخ المنطقة، أرسل قوة من الجندرمة تزيد عن المائة عسكري لتعزيز لجنة الإحصاء في خربة أم الرصاص، ويمكن أن نوجز هذه التجاوزات بــ :

1. كان مأمور الإحصاء يتجاهل رأي ومشورة (العضو الأهلي)، بل كان يشعره بعدم فائدته للجنة الإحصاء، لأن الأوامر تقتضي أن يكون مرافقاً لا أكثر.
2. كان مأمور الإحصاء يبالغ عند تقدير السن، حيث يحسبه ضمن نطاق الخدمة العسكرية، أي بين سن 20 و45 سنة، فالشاب الذي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، يقدر ويسجل سنه بالعشرين عاماً، والشيخ الذي تجاوز سنه 55 عاماً، كان يقدر سنه بـ 45 عاماً، أو بأقل من ذلك وإذا اعترض الشخص على تقدير سنه تعرض للضرب والإهانة من قبل جنود المفرزة المرافقة، وإذا اعترض (العضو الأهلي) على هذه التقديرات غير الصحيحة، لا يقبل اعتراضه حتى ولو كان الشاب ابنه أو شقيقه .
3. قام مأمور الإحصاء المعين لإحصاء نفوس عشائر السلايطة والكعابنة في منطقة (خربة أم الرصاص) بإرهاب الشباب وزرع في أذهانهم الخوف وأبلغهم بصراحة أن الحكومة عازمة على تجنيدهم وسوقهم إلى الجندية ونقلهم إلى السفربرلك في ميادين الحرب في البلقان  وأظهر خشونة مع كبار السن، وقلل أدبه مع مشايخ ووجهاء العشيرتين.

مجريات الهيّة :
وقبل عشرة أيام من قيام الثورة قدم الشيخ قدر استقالته كما ذكرنا سابقاً من عضوية اللجان التي تقوم بإحصاء الأنفس من أجل التجنيد الاجباري وكان الهدف من تقديمه لاستقالته هو التفرغ والتخطيط من أجل الثورة وحتى يعظّم الهدف الوطني و الطموح الجمعي للأردنيين عبر الثورة فقدم قام بالتخطيط مع عشائر الطفيلة و قبيلة الحويطات التي كان لها أعظم الأثر في الثورة عندما قامت بمحاصرة الحامية التركية لمدة 14 يوم من أجل عدم امداد الجند التركي في الكرك من الحاميات التركية في معان.
وبتاريخ 14 من تشرين الثاني عام 1910، عقد الشيخ قدر اجتماعًا مع كل من الشيوخ ساهر المعايطة ومحمود طه الضمور وعبدالقادر المجالي وإبراهيم الضمور وكان اجتماعاً خاصًا بمناقشة مجريات الخطة العسكرية والقضاء على الطوابير العسكرية وتعطيل لجان إحصاء الانفس، وقبل انتهاء الاجتماع اقترح الشيخ قدر أن يتم عرض الخطة والأهداف على باقي العشائر الأخرى وأن يتم الاتفاق على اجتماع موسع ليتم فيه الشرح المفصل لتفاصيل ومجريات الثورة وأن يكون مكان الاجتماع ديوان الشيخ قدر المجالي .

في تاريخ 16 تشرين ثاني 1910 تم عقد الاجتماع الموسع في ديوان الشيخ قدر وحضره جميع شيوخ ووجهاء العشائر حيث قدم الشيخ قدر الخطوات المقترحة التي يجب اتباعها في الثورة وهي:

  1. ذهاب الشيخ قدر إلى المتصرف من أجل ابلاغه أنه يجب اخراج عدد من الجندرمه التركية مع كل لجنة تعداد وذلك من أجل توفيرالحماية لموظفي التعداد، وعندما ذهب الشيخ قدر الى المتصرف لم يكن الرد من قبله إلاّ : ( كلام صحيح شيخ قدر )، وكانت خطة قدر تقوم على تقليل عدد الجندرمه من الحامية التركية في القلعة من أجل سهولة الدخول عليها من قبل فرسان الكرك والقضاء على الحامية، أما فيما يخص الجنود الذين تم توزيعهم مع لجان التعداد فالقضاء عليهم يكون على كاهل أبناء كل منطقة من مناطق الكرك توجد بها لجنة لتعداد الأنفس.
  2. إعلان روح المهادنة والتظاهر بقبول الإجراءات المرافقة لعملية الإحصاء، خلال زيارة المتصرف وقائد القوات العسكرية وذلك من أجل إبعاد الشبهة عن تحركاتهم بين العشائر، وتأمين وسائل إنجاح الثورة، من سلاح ورجال.
  3. يكون يوم الثلاثاء 23/تشرين الثاني/1910 موعدًا لقيام الثورة، وأن تقوم كل قرية بمهاجمة الجنود المتواجدين فيها، ثم بعد القضاء على الجنود يتم التوجه الى القلعة لتحرير القلعة من أيدي الجنود العثمانيين.

وفي يوم 21 تشرين الثاني زار الشيخ قدر بعض العشائر في بلدة المزار وعقد اجتماعاً عشائرياً من أجل التأكد من إجراءات الثورة حيث بيّن لعشائر الكرك أنه وسّع الخطة الهجومية على العثمانين مع عشائر معان والطفيلة والمفرق والسلط وغيرها من المناطق وبيّن مهمة كل عشيرة من عشائر الكرك في يوم الثورة وبدأ يشحن ويزيد من حماس الرجال، حيث تعالت الأصوات في نهاية الاجتماع من قبل الرجال وهم يلوحون بأسلحتهم: ( طاب الموت يا عربان الكرك .. المنية ولا الدنية )

وعند الانتهاء من الاجتماع والأصوات تتعالى في سماء الكرك  وفي ذات التوقيت مرّت بالمنطقة سرية عثمانية يقودها سعيد بك ووجهتهم الطفيلة فسارع نشامى الكرك من شدة الحماس وقتلوهم في منطقة وادي الفلقة وأخذوا ما يمتلكون من أسلحة وبغال. انتشر الخبر بسرعة فائقة ووصل الخبر إلى الحاكم الاداري وأيقن الحاكم الاداري أنه بدأت ملامح للثورة، وحينها أعلن الشيخ قدر الثورة رغم أنه كان مقررًا لها ان تنطلق في 23/11/1910 ولكنها تسارعت وأعلنت في 21/11/1910. فأمر الشيخ قدر بإرسال الرسل إلى قريتي العراق وخنيزره .
وبدأ اطلاق الرصاص والهجوم على دار الحكومة التركية وقتلوا من فيها من جنود، ومن ثم أصدر قائد الثورة الأوامر بالتوجه إلى السجن وتحرير من فيه من السجناء وأسر الجنود الأتراك القائمين عليه، وتم مصادرة جميع الأوراق و الدفاتر العثمانية الخاصة بالتجنيد الإجباري وإحصاء الأنفس والضرائب من أجل حرقها.

البحث عن قدر المجالي
وحال وصول أخبار الثورة للقيادة العثمانية أرسلت قوات سامي باشا الفاروقي على عجل إلى الكرك ودقّت البيرزان معلنة الحرب على عشائر الكرك، فأعادت احتلال دار الحكومة ( السرايا ) في الكرك، وبعدها طلب قائد الحملة العثمانية اللواء صلاح بك من الأهالي العودة إلى منازلهم ومنعهم من ايواء الثوار وهددهم بإعدام أي شخص يثبت عليه إيواء الثوار، ويعدم حرقاً كل من يعرف معلومات عن الشيخ قدر المجالي ويخفيها.
وفي اليوم التالي من الحملة العثمانية على المدينة في تاريخ 30/11/1910 قام أحد عملاء العثمانيين بإخبار اللواء صلاح بك بأن الشيخ قدر ومعه مجموعة من الشيوخ قد لجأوا إلى مضارب العشائر الأردنية المحيطة بالكرك فجهز سرية من الجنود الأتراك وأعطاهم تعليمات بإحضار الشيخ قدر ومن معه من الزعماء أحياء أم أموات.
حيث ذكرت جريدة المقتبس أن الأهالي رفضوا رفضاً تاماً الإدلاء بأي معلومات تقود الحكومة إلى مكان اختباء الشيخ قدر المجالي، كما ذكرت الجريدة أن قوات الحملة العثمانية قد قامت بمهاجمة مضارب العشائر الأردنية المحيطة بالكرك بعد أن تم اتهامها بالاشتراك بالثورة ومساعدة الشيخ قدر والشيوخ المرافقين له ، كما قامت الحملة بإلقاء القبض على 100 من الثوّار و المدنيين العزّل ونفذت حكم الإعدام بـ 6 من الشيوخ.
أما مجلة العرفان فذكرت في إحدى أعدادها أن قوات الحكومة وأجهزتها من درك وفرسان وجيش ما زالت تبحث عن شيخ مشايخ العشائر الكركية، وقد أخفت العشائر المحيطة بالكرك والعشائر البدوية المعلومات عن الحكومة، لذلك هاجمت قوات الحملة مضارب البدو، ووجهت لهم تهمة تقديم وسائل الدعم المادي والمعنوي للمتمرد على الحكومة الشيخ قدر المجالي، الذي ما زال متوارياً عن الأنظار وتأديباً لتلك العشائر أعدمت الحكومة ستة من شيوخهم.

لم يتوقف الفاروقي عن ملاحقة الشيخ قدر فهو ما زال حراً طليقاً، استقر الشيخ قدر عند قبيلة بني حميدة وعندما وصل الخبر إلى الفاروقي أرسل حملة بقيادة أمير اللواء ناجي باشا إلى مضارب المجالي والحمايدة، وبدأ الاشتباك بين الطرفين وعمليات الملاحقة حيث تمكنت قوات ناجي باشا من قتل 6 رجال وأسر 60 أخرين، الأمر الذي اضطر بعضًا من فرسان المجالي إلى الهرب للشوبك وهنالك تم أسر عدد من النساء وسجنهم في معان وكان من بينهم زوجة الشيخ قدر النشمية مشخص فارس المجالي وشقيقاها بندر وشفق.
وقد أشار المؤرخ أحمد الخطيب في مذكراته ( حركة التنوير العربية ودورها في العمل الوطني ) إلى ثورة الكرك و حيثياتها بقوله :
( شهدت المنطقة حركات تنويرية ثورية بدأت في جبل الدروز في نهاية عام 1910 وامتدت إلى الكرك، وقد نجح قائد ثورة الكرك الشيخ قدر المجالي في توحيد العشائر تحت رايته، ولاحقته سلطات حكومة الاحتلال العثماني الحاقدة، ولكنها لم تفلح بإلقاء القبض عليه على الرغم من تفتيش بيوت ومضارب الكرك ونواحيها بيتاً بيتاً بحثاً عنه، وتجلت الشهامة العشائرية عندما خاطب أحد مشايخ البدو قائد الحملة ناجي باشا بلا خوف على روحه وعلى جماعته بقوله: يا باشا… الشيخ قدر المجالي كبير قومه وعشيرته ونحن نفديه بأرواحنا لو كان عندنا، وحياتنا لا تساوي بعيراً أجرباً، لو كان في إجارتنا ووشينا به، ولكن الشيخ قدر لا يعرف مكانه إلا الذي خلقه، وفشل ناجي باشا كما فشل الذين جاءوا قبله بإلقاء القبض على المجالي).

صورة للمغارة التي اختبئ فيها الشيخ قدر عندما كان ملاحقًا من قوات الاحتلال العثماني في منطقة الياروت في محافظة الكرك

قدر واسم الحركة ( علي):
كان ( علي ) هو الاسم الحركي للشيخ قدر اذ اختاره لنفسه كسياسة دفاعية وقائية ليبعد عيون العدو عنه و ليستطيع ارسال واستقبال الرسائل دون امكانية تعقبها، وبعدها أصبح الاسم متداولًا بين العشائر للحديث عنه أو لتعقب آثاره دون لفت انتباه القوات العثمانية المتربصة بالتقاط أي خيط يقود إليه، وكانت قد استمرت مدة تخفيه ثلاثة سنوات حتى وقت صدور العفو العام السلطاني
وكان الشاعر البدوي سالم أبو الكبائر من عشيرة الشرارات يخاطب الشيخ قدر عندما كان مطارداً من السلطات التركية، تحت اسم علي، تمويهاً وخوفاً من أن تعرف هذه السلطات مكانه.

وتاليا جزءًا من نص قصيدة الشاعر ابو الكباير الذي يؤرخ للحادثة :

انت قدر سميتك علي وانا خاف صيتك شهر قرناس صهراً مطل

تستاهل البيضا على كل مشراف نفعت ناس بالنظام تولي

نديت بشيوخ كاملين الأوصاف ونلت فخرا من وسط العرب والدول

ربابتي خرسا وطرشا بها انقاف وتقول يا هيل الملا ما حصل لي

وهيل الكرك غابوا ولا واحد انشاف ويوم الملازم يا علي ما حدا فطن علي

مار الغرطاف واعتلى فوق مشراف وهبيت يا للي بالملازم تذلي

استحمد الله يا علي خصمكم خاف ذبح العساكر والملا تشهد لي

من حدود سوريا لبلاد الأشراف الظلم زال والمصاعب تولى

وختمت قافي بخالق العين والكاف والخير اللي بالمجلي يهلي

لقراءة القصيدة كاملة انقر هنا

اعدام الشيخ قدر المجالي:
وعندما بدأت بوادر الحرب العالمية الأولى ودخلت القوات الانجليزية إلى مصر تخوفت الدولة العثمانية من الحركات الاستقلالية في المنطقة وخشيت من أن تتظافر جهود هذه الحركات والنزعات الاستقلالية مع وجود القوات البريطانية فأخذت باعتقال الزعماء ووجهاء العشائر وقادة الحركات الاستقلالية في المنطقة عبر استقطابهم و دعوتهم لاجتماعات بمبررات وهمية و أكاذيب، ولأن الكرك كانت تشكل آنذاك مركزاُ مهما ورئيسياً وبؤرة ساخنة لعدد من الثورات الصغرى التي انطلقت ضد الاحتلال العثماني فما كان من الإدارة العثمانية إلاّ أن أصدرت عددا من الأحكام السرية باستدعاء عدد من شيوخ المنطقة بأساليب التفافية ومن ثم اعتقالهم و تنفيذ الإعدام بحقهم للتخلص من الخطر الوشيك لاشتراكهم بالعمليات العسكرية للثورة العربية الكبرى على الأرض الأردنية حال انطلاقها، كما أن أنباء اتصالات الأمير فيصل مع بعض الشيوخ قد نمت إلى المسؤولين الأتراك، فأرادوا الاحتياط لذلك، وقد لبى الدعوة عدد كبير من الزعماء، وبعد أن قضوا مدة في دمشق فوجئوا باعتقال عدد منهم، كالشيخ قدر المجالي، والشيخ حتمل بن زبن، والشيخ تركي بن حيدر الزبن، والشيخ عبطان الفايز والشيخ شهاب الفقير، وقد وجهت إلى المشايخ تهمة الاتصال بالأمير فيصل وقبول هدايا وأسلحة، ونقودًا أرسلها إليهم،  ولم تستطع الحكومة إثبات التهم، فلم تلبث أن أطلقت سراحهم، ولأن الحقد العثماني بقي قائما لم ينس العثمانيون ما فعله الشيخ قدر إبان ثورة الكرك فأصروا على الانتقام حتى لو كان متأخرا، فبعد صدور الأمر بسجنه ومن ثم اطلاق سراحه اختفى الشيخ قدر وانقطعت اخباره .

وقد سجل الشعر الشعبي قصيدة رثاء للشاعر غنام المزارقة البطوش قالها في اختفاء الشيخ قدر المجالي شيخ مشايخ الكرك في دمشق عام 1917 م بعد توارد الأقاويل و الأنباء عن اغتياله على يد جمال باشا السفاح لقيامه بثورة الكرك؛ تقول القصيدة :

أمسى الضحى شاديت كورا نجيبه تمشي مع الدّيان مشيه عجيبة

العصر بشيحان ترعى العشيبة والصبح تلفي على دمشق الشام

لطل من بوابة الشام واصيح أصيح صوتا يجرح القلب تجريح

ما قول يا أهل الله يا أهل المساريح يا من يعدل حقنا عند حكام

يبكي اعطوي ودموع عينيه سكيبه على قدر يا نــاس طول المغيبة

مدري مع البدوان فوق النجيبة ولا تكسر مركبه بالبحر عام

جمال باشا ما يهاب الخطية كفار ما يعرفوا صلاة ولا صيام

كنكم تبيعـــوه بالمال نشتريه بالزلم والنسوان ناطي الغلابية

وتشير القصيدة الى الظلم والعسف من قبل الدولة العثمانية على عشائر الكرك وكما تشير على اختفاء قدر وفيها حالة تنبؤية لقدوم الثورة العربية الكبرى.
لقراءة نص القصيدة كاملة انقر هنا

وتورد الروايات الشفوية أيضا أنّ المرافق الشخصي للشيخ قدر في سوريا وهو سليمان السعيد يروي أنه في صبيحة إحدى الأيام قدّمت القهوة للشيخ قدر المجالي وبعدما شربها بساعات ساءت الحالة الصحية للشيخ قدر مع آلام شديدة في بطنه، ثم لم يلبث يومين حتى فارق الحياة فقد تم تسميمه عن طريق فنجان القهوة كما أكد الدكتور الذي أشرف على علاجه.

و الرواية الشفوية الأخرى الي تؤكد هذه الحادثة هي شهادة الشيخ تركي بن حيدر الزبن؛ حيث يقول الشيخ تركي:

بينما كنا في جلسة مع الحاكم التركي في دمشق بعد الإفراج عنا، وعدد من الشيوخ ومن ضمنهم الشيخ قدر المجالي شاهدت عسكرياً عربياً بباب قاعة الاجتماع يؤشر لي بوضع سبابة يده اليسرى على رقبته وتمريرها ويمد يده اليمنى كمن يقدم لي شراباً، وبعد قليل دخل شخص آخر يحمل القهوة العربية وفناجينها، وعندها فهمت إشارة ذلك العسكري، وحاولت جهدي أن ألفت انتباه الشيخ قدر أن يتجنب شرب القهوة إن أمكن إلا أن شربه لفنجان القهوة سبق تمرير فحوى الإشارة، وعندما جاء دوري تظاهرت بشربها، حيث وضعت فنجان القهوة ما بين فتحة ثوبي وصدري بدلاً من شربها .

وبين الشيخ تركي في حديثه لمشايخ الكرك بعد عودته من دمشق ودفن الشيخ قدر في مقبرة الشيخ (رسلان) جنوب شرق دمشق؛ معاناة الشيخ قدر لبضع ساعات بعد تناوله السم، فكان يصرخ بأعلى صوته، ويشد على بطنه، حتى أغمي عليه، وخرج من فمه السائل الأصفر، الممزوج بالقهوة، وعرف الطبيب الذي حاول إنقاذه أن السم انتشر في أحشائه، وأنه لا أمل من إنقاذه .

لم تكن تهمة الاتصالات مع الأمير فيصل هي السبب الوحيد فحسب، بل السبب الأهم هو قيادة الشيخ قدر لثورة الكرك على الأتراك عام 1910م، وكنت أنا وعشيرتي من بني صخر من المؤيدين لها، ودعمناها بالسلاح، لذلك كان محكوما علينا بالموت حتى بعد السنين التي مرّت على الثورة.

و لم يكتف جمال السفاح بهذه الجريمة النكراء بحق الشيخ قدر، بل مارس أساليب الغدر بمشايخ ووجهاء العشائر الأردنية فأمر بإلقاء القبض على مجموعة منهم ونفاهم إلى بلاد القفقاس ولم يعودوا إلا بعد انتصار الثورة العربية الكبرى ورحيل المحتل العثماني،فنفي من وجهاء السلط : صالح خليفة، مطلق المفلح، خليفة عبد المهدي، يعقوب السكر، صالح البخيت واخوانه الثلاثة، مفضي النجداوي، ونفي من وجهاء الكرك : عودة القسوس، خليل العكشة، عبد الله العكشة وغيرهم، ونفي من وجهاء مادبا : يعقوب الشويحات، إبراهيم جمعان، إبراهيم الطوال، يوسف معايعه، وسليم مرار وغيرهم، ونفي من وجهاء العقبة ومعان : عبد الرحمن ماضي، أحمد ماضي، محمد عبد الجواد، وغيرهم إلى مدينة حماة.

وهكذا كُتب لقصة حياة هذا البطل الأردني أن تنتهي بعيدا عن ثرى وطنه، ورغم هذا الغياب المحزن بقي حضوره منقوشا في الذاكرة كزعيم و ثائر أردني لوّع قلوب المحتلين وأوجع جنباتهم، ولم يتنازل لحظة عن مسؤوليته في حفظ كرامة أهله ووطنه، حتى لو كان الثمن حياته بعيدا في سجون ذات المحتل.

المصادر:

بحث منشور لإرث الأردن عن ثورة الكرك 

لقاء من قبل فريق إرث الاردن مع الباحث التاريخي فرّاس دميثان المجالي ،الكرك، تاريخ4-6-2016

ألفاظ وأشعار كركية، فراس دميثان المجالي، مطبعة السفير،2009.

جريدة المقتبس،عدد 651 ،الصادر يوم 15/نيسان/1911

مجلة العرفان، الصادر يوم 2/ كانون الثاني/1916، المجلد الثالث -الجزء الاول

مذكرات المرحوم عودة القسوس، صفحة 55.

كتاب العمليات الحربية، القسم الثاني من الجزء الثاني صفحة 217.

بحث منشور للمؤرخ محمود سعد عبيدات، 2008.

معلمة التراث الأردني، روكس بن زائد العزيزي، مطبعة السفير، الجزء الرابع

الموقع الالكتروني لقبيلة المجالي.

الشيخ قدر المجالي ، مقالة منشورة للدكتور احمد عويدي العبادي، موقع كل الاردن،تاريخ11-8-2015

الشيخ قدر صالح المجالي

تمهيد
أتت هذه القصيدة الرثائية للشاعر غنام المزارقة البطوش كرد فعل على استشهاد الفارس الشيخ قدر المجالي شيخ مشايخ الكرك في دمشق عام 1917 م بعد اغتياله على يد جمال باشا السفاح لقيادته لثورة الكرك عام 1910، وفي القصيدة سرد لحالة الألم و التوجد على رحيل الشيخ قدر اثر ورود أخبار اغتياله من قبل العثمانيين، كما تظهر حالة تنبؤية بقدوم الثورة العربية الكبرى و تطهير الأرض الأردنية من الاحتلال العثماني.

الفارس البطل الشيخ قدر المجالي

يقول الشاعر غنام البطوش في قصيدته :

يبكي عطوي ودموع عينه سكيبه  على قدر يا ناس طول مغيبه

مدري مع البدوان فوق النجيبه  ولا تكسر مركبه بالبحار عام

امسى الضحى شدّيت كورا نجيبه  تمشي مع الديّان مشيه عجيبة

 العصر بشيحان ترعى العشيبة والصبح تلفي على دمشق الشام

لطل من بوابة الشام واصيح أصيح صوتا يجرح القلب تجريح

 ما قول يا أهل الله يا أهل المساريح يا من يعدل حقنا عند حكام

 ما التام لو عارضي بان شيبه ودموع عيني فوق خدي سكيبه

يا مسلمين الله هــذه  مصيبة شفته جاو القفص عند الاردام

قولوا لعمّي لا يبطي علي  حالوا علي الترك مالي جنيه

جمال وأنور ما ايهابوا الخطيّة كفار ما يعرفوا صلاة ولا صيام

كنكم تبيعـــوه بالمال نشريه بالزلم والنسوان ناطي الغلا به

ما نحتسف على مالنا لو غدى بيه تبشّروا هيل الكرك عزنا دام

 والله لو تحطّوا كياس وملايين وتقدموا بيوت الشعر والدواوين

وتقدموا كل البنات المزايين ما هقوتي يطلع لكم قدر بحشام

 يا عـم لـم الـعـز مـن كـل فيه وابني بيوت الحرب للحربجيه

يجيلك ابــو شوكت فوق العبية جمعه كبير ويدهك الترك لقام

 بارود بالحزمان ناره هضية  اخوات حسنة يا شيوخ الشفية

عيال ما يهابون سوم الخطيةّ  ما لكل منهم حامل للبندقية

 يقول لك ذياب عيبا علي  إن كان ما جيناك برواحنا كرام

 باكر يجو البداوي كما السيل داوي ليهم على ظهور النجايب حداوي

يجيلك اخو عليا صبيا نداوي عوده مضـرا للعدا ضد وسطام

علويه داني معتلي فوق حايل في وسط ربعي طالبين النفايل

بايمانهم حدب السيوف الصقايل رفيفان معهم بأول الخيل قدّام

علويه واني متسع بالفضية وعيال عمّي عزوتي فوق خمسمية

في ايمانهم حدب السيوف الرهية لعيون مشخص ندهك الترك ولغام

دليوان ينخى بالعيال السكارى الشور اصبح شور منهو شارا

خلو جموع الترك تفدي دمارا يوم اوقفوا بطريق الدكاكين لحام

معهم سعود فوق صفرا خفيفة سهم البلا متنطحا للرهيفة

طريح أخو نوفه لزوما يخيفه الروح يجلبها على كل سوام

 معهم كريّم شوق بنتًا طموح ومحفل البندق شنيع الجروح

اللي طريحه عالمناكب يلوح يرم اللحم للطير لفه لفا شمام

شفى ان قال المصيح هلا الخيل تحّزموا من عقب ما هم مرافيل

ثاروا على شعث النواحي مغاليل ملكادهم يشبع به الطير لحام

لجن بالفرسان كظ الا عنه يا طالبات المنع ما من محنه

منا ومنهم إبشري يا مجنه يا الله سعوفك يوم روغات الزحام

يا حيف ياريف المناكيف يا حيف يا منوة الخطار يا مكترم الضيف

يا فرزة البولاد يا شـظرة السيف يا قدر ياللي للدخيلات سلام

وجدي عليه بالسنين المحيله لن حط بيته فوق راسه الطويلة

يتقدم الـخـدام عند النفيلة والنجر يضبح للخطاطير عزام

وجدي عليه ليا لفى هاشل الليل يا مقعد الخودان وهن مرافيل

يا قدر يا ذيب النعاج المحاييل يا محلّي لحم السمينات بيدام

اقطع لساني إن كان هالهرج ما يصير يجي من القبلة جموع ودعاثير

باكر يجي فيصل قايدا للطوابير جدّه مأرخ بالورق سيد الإسلام

يبني بيوت الحرب فوق التوانه وحريمهم كل يوم زادت احزانه

تصبح دويلتنا بحال المهانة الله ما أقرد يومها بكل الأيام

تفسير الأعلام :

عطوي : الشيخ عطوي المجالي – شقيق الشيخ قدر المجالي

جمال و أنور : الجنرال التركي جمال باشا السفاح و أنور باشا و زير الحربية التركي

اخوات حسنة : نخوة عشيرة القطاونة الكركية

ذياب : الشيخ ذياب المجالي

أخو عليا : نخوة الفارس الشيخ عودة أبو تايه – أحد فرسان و شيوخ قبيلة الحويطات

رفيفان : الشيخ رفيفان باشا المجالي – عم الشيخ قدر المجالي .

مشخص : مشخص فارس شلاش المجالي، زوجة الشيخ قدر المجالي.

دليوان : عم الشيخ قدر المجالي .

سعود : الفارس سعود المجالي .

كريّم : الشيخ كريّم العطيات أحد فرسان وشيوخ قبيلة بني عطية .

فيصل : الأمير فيصل بن الحسين – الملك لاحقا – قائد الجيش الشمالي للثورة العربية الكبرى .

المصادر:

كتاب الفاظ وأشعار كركية، فرّاس دميثان المجالي، مطبعة السفير2009

قصيدة غنام البطوش في قدر المجالي

Scroll to top