تقديم

تقدم مؤسسة إرث الأردن سلسلتها البحثية الجديدة المتعلقة بالإرث الغذائي والإنتاجي الأردني تزامناً مع افتتاح مطعم إرث الأردن والذي جاء ليتوّج جهود خمس سنوات من العمل والزيارات الميدانية لمختلف المناطق الأردنية لتوثيق الأطباق الأردنية المصنوعة من منتجات محلية، وطرق إعدادها الأصلية كما عكفت على ذلك الجدّات والسيدات الأردنيات لسنين طويلة، بشكل يضمن استدامة هذا الإرث والحفاظ عليه، من خلال حرص المؤسسة على الحصول على المنتجات من السيدات الأردنيات اللاتي ما زلن يحافظن على أصالة هذه الأطباق ويقمن بإنتاج المواد اللازمة لذلك منزلياً في تسع محافظات أردنية، تتناول هذه السلسلة البحثية كافة تفاصيل المطبخ الأردني، وما يلتصق بعملية إعداد وتناول الطعام من أبجديات الضيافة وطقوس اجتماعية تمتد لتاريخ طويل من الإسهام في الإرث الغذائي الإنساني الممتد لأكثر من أربعة عشرة ألف سنة  تاريخ أقدم بقايا خبز تم العثور عليها في العالم على الأرض الأردنية.

تمهيد

ينظر للغذاء بوصفه أداة للتعبير عن الثقافة والهوية، وبكونه أداة وصل لبناء وتوطيد الروابط الاجتماعية والعلاقات الإنسانية، بدءاً من وجبات الطعام اليومية وصولاً لأطعمة المناسبات الاجتماعية والطقوس الدينية والأحداث السياسية وغيرها، ومن خلال الغذاء يمكن الاستدلال على أسلوب الحياة الذي يتبعه مجتمع معيّن، فالأغذية التي تحضّرها وتستهلكها الجماعات الزراعية والرعوية القائمة على الإنتاجية، تعمل على تحديد ملامح شخصية هذه الجماعات وطريقة إدارتها لمواردها وتعاملها مع الظروف المحيطة بها، وبدراسة الهوية الغذائية لهذه الجماعات يمكن فهم وتحديد أوجه التشابه والتباين فيما بينها، وبالتالي يضاف بُعد آخر إضافة للبعد الجغرافي الذي يجمع هذه الجماعات ويصهرها في مزيج متجانس، يقول المفكر الفرنسي “Jean-Anthelme Brillat-Savarin” : (قل لي ماذا تأكل ، أقُل لك من أنت).

لمحة تاريخية

للأردن تاريخ ضارب في القدم يمتد لأكثر من مليون ونصف عام من الوجود الإنساني المسجّل، وانعكس ذلك على المطبخ الأردني الذي تطور عبر مئات السنين ليصل لما هو عليه الآن من تنوع وثراء، ويرتبط المطبخ الأردني ارتباطا مباشراً بميول الأردنيين نحو قيم الإنتاجية والاعتماد على الذات من خلال استثمار كل الموارد المتاحة وأهمها الأرض والتي يعتبرها الكثير من المفكرين وعلماء الاجتماع مصدراً للثروات، وقد كانت الأرض كذلك بالنسبة للأردنيين إذ فهموها وأنشأوا معها علاقة حب وبذل من نوع خاص، فمنحتهم بالمقابل خيراتها التي أحسنوا استغلالها وتدبيرها وكانوا من السبّاقين في إبداع وابتكار الطعام وأساليب تحضيره وتقديمه وتناوله، فالدراسات التي استندت على الأدلة الآثارية والمسوحات الميدانية أكدت جميعها بما لا يدع مجال للشك أن الأردنيين القدماء كانوا أول من قام بتحضير الخبز من خلال طحن البذور وعجنها وخبزها وفقاً لـ أقدم بقايا الخبز مكتشفة في العالم في الأردن ، والتي تم الكشف مؤخراً أنها تعود إلى أكثر من 14 ألف عام ، إضافة لبدايات استغلال الحليب مع بدايات التدجين الأولى، حيث اكتشف وجود بعض الأواني الفخارية التي تعود لفترة العصر الحجري النحاسي (4500-3600 ق.م) والتي يرجّح أنها استخدمت في إعداد الحليب كالمخضة التي عثر عليها في عدة مواقع أثرية في الأردن والتي تعود بتاريخها إلى مرحلة القرى الزراعية والتي تعتبر قرية “عين غزال” أقدمها وأولها، كذلك فيما يتعلق بما خلصت له دراسات مخلّفات بقايا النبات الآثاري،  فمن المرجح أن حبوب القمح المتفحمة قد تكون ناتجة عن عملية إعداد الفريكة.

أركان الهوية الغذائية الأردنية

من هنا نستنتج أن للهوية الغذائية الأردنية ، ثلاثة أركان أساسية:

  1. الحليب ومنتجاته: يعتبر حليب الضأن والماعز والإبل والبقر المقوم الأساسي الثاني في الغذاء الأردني، ومن النادر أن يشرب طازجاً ولكنه يقدم أثناء مواسم الحلب دافئاً ومحلّى أثناء الفطور، ويخضع إلى سلسلة من التحولات في عملية المعالجة، وقد ابتكر الأردنيون عبر العصور أساليب لحفظه واستدامته لاستخدامه طوال العام، فمنه الجميد والكشك والزبدة والسمنة وغير ذلك، وسيتم الشرح عن ذلك بالتفصيل في بحث منفصل.
    الكرك 1933- مضارب أمامها مجموعة من الأغنام، مشهد يوضح نمط الحياة التي اضطرت بعض العشائر الأردنيه لعيشه والاعتماد عليه خلال فترة الاحتلال العثماني بعد تحولها من الاستقرار للتنقل هرباً من بطشه

     

  2.  الحبوب ومنتجاتها بالحبة الكاملة أو المعالجة: تعتبر الحبوب المكوّن الأساسي لعديد من الأطباق في المطبخ الأردني، فقد تخضع لواحدة أو أكثر من عمليات السلق أو التحميص، أو الجرش لحبيبات مختلفة الأحجام، مثل البرغل والفريكة والجريش.
  3.  الخبز: هو في الأساس دقيق الحبوب وتعد صنوفه المختلفة من الخبز المختمر وغير المختمر من القمح أو الشعير أو حتى الذرة، ويؤكل تقريباً مع كافة الوجبات، وللخبز قداسة لدى الأردنيين، فقد استخدمت مفردة “العيش” بمعنى الحياة للدلالة على الخبز، كما يعامل الخبز بعناية فائقة فيحفظ عادة في سجادة الصلاة، ويقطع باليدين بدلاً من السكين، ولا يسمح بسقوط فتاته على الأرض، وفي حال حدث وسقطت كسرة يتم التقاطها ومباركتها، وإذا ما عثر على كسرة منه في الشارع، فإنها تلتقط وتوضع في مكان مرتفع ليأكلها الطير فلا تداس.

وهذه العناصر جميعها واضحة وأساسية في الأطباق الأردنية التي بلغت أكثر من 60 طبق حتى الآن وفقاً لقائمة مطعم إرث الأردن، والتي تم جمعها في رحلة بحثية استمرت أكثر من 4 سنوات من البحث في الأرياف والبوادي والمدن الأردنية لتوثيق الإرث الغذائي.

صورة من الطفيلة عام 1935 يلاحظ في المدى الأراضي الزراعية الممتدة وبيوت الحجر وفي مقدمة الصورة قطيع من الأغنام في شكل يبرز ملامح الهوية الاجتماعية للشخصية الأردنية في اقتصاد انتاجي نصف بدوي نصف فلّاحي

التركيبة الاجتماعية للأردنيين

يستدل بنوع الغذاء ومكوناته في منطقة معينة على نوعية ونمط الحياة التي يعيشها سكان تلك المنطقة، فيرتبط ارتباطاً مباشراً بما ينتجه السكان، وعطفاً على ما تقدم، فقد بقيت الحياة الزراعية مزدهرة في الأردن لقرون طويلة، تزامن مع ذلك استقرار السكان في بيوت دائمة، إلا أن ذلك لم يدم وتغيّر الحال في القرنين السابع عشر والثامن عشر، اللذين شهدا انحساراً كبيراً في الاستقرار والاستيطان البشري نتيجة حالة غياب الدولة واعتماد العثمانيين على أسلوب الحكم بالوكالة والتعامل مع السكان والبلاد كمزرعة لحصد الضرائب والموارد وملاحقة كل من يحاول رفض ذلك الحال، ما أدى بكثير من العشائر الأردنية للتحول من حياة الاستقرار إلى حياة التنقل والترحال هرباً إلى الصحراء بحثاً عن الحرية واحتماءً بها من بطش المحتل وملاحقته ومحاولاته للانتقام، وهنا اكتملت قصة تمازج الأردني مع محيطه، فقد لعبت الجغرافيا دورها، ففي إطار إقليم جبلي صحراوي في منتصف المسافة التي يلتقي فيها البحر والصحراء، الأخضر مع الأصفر، لا بد للأردني أن يكون متكيفاً مع كل تلك الظروف، فتراه يزرع ويرعى في آن واحد، وهو ما نتج عنه شخصية الأردني  نصف البدوي – نصف الفلّاح كما يصفها ناهض حتّر في كتابه “المعزّب ربّاح”، حيث يتّحد عالم البداوة المستقرة منتجاً اللحوم ومشتقات الحليب، مع عالم الزراعة البعلية الذي ينتج الحبوب ومنها الدقيق الذي يجعله الأردني بالحب خبزاً متعدد الأنواع والاستعمالات، ومن هنا يمكن أن نفهم رمزية المنسف الوجبة الرسمية للأردنيين، كطبق ذو رمزية ثقافية يدل على شخصية الأردني الاقتصادية والاجتماعية، فالمنسف لا يمكن أن يكون طبق بدويا في الأساس والمنشأ، نظراً لكون البدوي يعتمد على الإبل ولحمها الذي لا يصلح ليطهى في اللبن، لذلك نجد أن الثريد – لحم النياق المطهو بالماء ويسكب على الخبز الشراك – هو الطبق الأكثر شهرة والأكثر تعبيراً عن العشائر الحجازية وليس الأردنية !، إذاً فالعلامة المعيارية هنا لتصنيف المجتمع إلى مجتمع بدوي أو فلّاحي هي بالاستناد على ماذا ينتج وما هو غذاؤه بدلاً من استقراره أو تنقله، نظراً للكثير من الأسباب التي اضطرت العشائر الأردنية إلى التنقل، فقد ذكر العديد من المؤرخين أن البدو المحليين والفلاحين على حد سواء، قد استغلوا المناطق المنخفضة الدافئة شتاءً والمناطق المرتفعة الباردة صيفاً، إضافة إلى عملية “التعزيب” التي يقوم فيها الفلاح أو البدوي بمغادرة مكان سكنه واستقراره، إلى سكن مؤقت خلال مواسم الحصاد أو الرعي.

السلط 1920 – صورة لعائلة سلطية في أحد بيوت السلط وتعتبر الصورة مرجعا لطبيعة الحياة اليومية لأجدادنا ونظام البناء الداخلي لبيوت السلط القديمة إضافة لوجود أماكن مخصصة لحفظ الحبوب فيما يعرف بالكواير

ثبات ومرونة في آن واحد ، رغم التحولات والظروف

بعد سنوات عجاف استمرت لنحو قرنين، شهدت الحياة الزراعية والإنتاجية في الأردن تحسناً نسبياً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث تنبّه العثمانيون – ما بعد حملة عثمانيي مصر ممثلة بواليهم محمد علي باشا وابنه ابراهيم – لأهمية المنطقة وحاولوا القيام ببعض التحسينات الإدارية، ونشأت في الأردن عدة مناطق حكم محلي، ما سمح ببقاء بعض خير البلاد لأهلها ما شجّع على زيادة الإنتاجية، الأمر الذي جعل مناطق سهول حوران الأردنية تزوّد دمشق بالقمح، وتعدى ذلك لتصدير فائض الإنتاج إلى روما، وفي القرن العشرين شهدت الأردن العديد من التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فالدولة الأردنية الحديثة أصبحت واقعاً، بعد أن كانت حلماً طال انتظاره من الأردنيين الذين حاربوا من أجل الحصول عليه بالنار والحديد، فاستحقوه بعد 400 عام من الثورات المحلية التي تكللت بالثورة العربية الكبرى على أيدي أبناءه من محاربي وفرسان العشائر الأردنية، وتزامن ذلك مع الثورات الصناعية والتحولات الاقتصادية التي شهدها العالم من اقتصاد الكفاف، الاكتفاء الذاتي حيث ينتج المرء حاجة بيته طوال العام، إلى اقتصاد السوق الذي فتح شهية السكّان إلى استهلاك أشياء جديدة واتباع أنماط جديدة من الاستهلاك نظراً لكونها أسهل أو أفضل أو أقل تكلفة أو جميعها معاً، إضافة لما تقدم يتسم المطبخ الأردني وهويته الغذائية بالثبات والمرونة في آن واحد، فمع مرور السنوات ورغم تبدل الحقب التي عاصرها الأردن واختلاف الظروف، حافظت الهوية الغذائية الأردنية على تماسكها، وفي ذات الوقت أظهرت شيئاً من المرونة سمحت بتطورها وتحدثها تجاوباً مع المتغيرات في نزعة فطرية نحو الصمود والبقاء، أو انفتاحاً على الثقافات الأخرى، فعلى سبيل المثال اضطر الأردنيون في فترات الاحتلال العثماني إلى استبدال خبز القمح بخبز الشعير، دليلا على قسوة الظروف في تلك الفترة وقيام سلطات الاحتلال العثماني بمصادرة مخزون القمح بالقوة وإجبار المزارعين على دفعه كضرائب، وقد قيل في ذلك ” إنك تدفع الضرائب قمحا، لكنك تأكل الشعير! “، ومثال آخر على تمازج المطبخ الأردني مع الثقافات الأخرى هو الطبق الأردني الشركسي “أرب قوية شيبس” والذي يعتبر مزيج تلاقح حضاري، حيث تكيّف القادمون الجدد مع موارد الموطن الجديد ، فاستبدلوا الجبنة الشركسية التي لم تكن متوفرة، بالجميد الأردني، فأصبح المعنى الأقرب هو: شيبس جبنة الأردنيين.

جرش 1900 صورة لمختار الشركس وأقاربه في مدينة جرش ويستدل من أريحية لبس الملابس التقليدية علناً على تجذر التناغم الثقافي المجتمعي في المجتمع الأردني

الحفاظ على الهوية الغذائية

 كل تلك العوامل كان لها تأثير سلبي لا يمكن إنكاره، فالجدير بالذكر أن الطرق التقليدية في إعداد الغذاء بدأت بالتلاشي مع دخول الأغذية المستوردة رخيصة الثمن كالدقيق التجاري، والسكر، والأرز، فقد حلت الأطعمة التي اتخذ الأرز والدجاج أساساً لها مكان الوجبات اليومية التقليدية، وأصبح شراء الخبز أمراً اعتيادياً بدلاً من إعداده في المنزل، لوفرة الدقيق التجاري بتكلفة وجهد أقل، كما أصبح زيت الزيتون بديلاً أقل تكلفة للسمنة الحيوانية والتي ما زالت تحظى بالاحترام، ومن هنا بادرت مؤسسة إرث الأردن خلال السنوات الأربع الماضية في رحلة بمختلف المحافظات الأردنية لتوثيق الأطباق الأردنية، من خلال البحث عن سيدات من كبار السن أو ربات منازل ما زلن يقمن بإعداد مثل هذه الأطباق، فتم تصوير طرائق التحضير وتسجيل المكونات بدقة، ثم تم تدريب عدد من الطهاة المحليين على تحضيرها، بالاعتماد على مواد يتم إنتاجها منزلياً، من جميد وكشك وسمن وبرغل ونحو ذلك، لتشجيع السيدات الأردنيات على الاستمرار في إنتاج هذه الأصناف ولحماية هذا الإرث الثقافي من الضياع والاندثار، ومن هنا جاءت فكرة مطعم إرث الأردن ليكون المطعم الأردني المتخصص الأول من نوعه في الأردن والعالم !.

بعض المأكولات الأردنية التي تمزج بين منتجات الحليب والحبوب

علق الرّحالة الإنجليزي “تشارلز مونتاگو داوتي” في رحلته إلى المنطقة أن “بمقدور السيدات إعداد أطباق مميزة من الطعام باستخدام أي نوع من الحبوب، بإضافة القليل من الملح والسمن، ولا شيء غير ذلك”، ويصدق هذا القول على كثير من الوصفات الأردنية  في مختلف المناطق الأردنية، حيث يمكن إعداد تشكيلة واسعة من الأطباق باستخدام عدد ضئيل جداً من المكونات الرئيسة، ونستعرض هنا بعض أهم هذه الأطباق التي تتكون في الأساس من أحد أصناف منتجات الحليب ومنتجات الحبوب:

  • البسيسة: وهي سمن دافئ يعجن بدقيق القمح والسكر أو العسل، والشعير الذي ينقع في الماء ثم يعصر ويغلى في اللبن.
  • الفطيرة: وهي خبز غير مختمر “عويص” يُفت وينقع في اللبن أو في نقوع الجميد “المريسة” مع السمن، وقيل فيها أنها أفضل الطعام بعد اللحم.
  • المجللة: هي أكلة مشابهة للفطيرة من حيث الجوهر تضاف لها صلصة البندورة في بعض المناطق، وتُقدّم في المناسبات الخاصة.
  • الرقاقة (البازينة): وهي عجين يقطّع طولياً بما يشبه المعكرونة، ويطهى في الماء ويمزج بالسمن ليمنح مذاق رائع وشكلاً مشابه للفيتوتشيني الإيطالية.
  • الهيطلية: احدى أشهر أنواع الحلويات الأردنية تتكون من الطحين او نشأ الذرة والحليب مع السمن البلدي.
  • الرشوف: طبق مليء بالطاقة والدفء والحب، تمتزج فيها حبات الفريكة أو الجريشة مع العدس واللبن، وهي شائعة في مواسم البرد.

  • التشَعَاتشيل: بإضافة بعض المنكهات المستخلصة من الأعشاب والتي تعامل معها أجدادنا الأردنيون القدماء بذكاء وخبرة تتطلب معرفة بالأعشاب، إلى اللبن والسمن وأوراق الجعدة أو الدنديلة الجافة بعد سلقها، يمكن إضافة عجينة البيض ودقيق القمح (الطحين) والعدس والبص، تحصل على وجبة مليئة بالعناصر الغذائية المفيدة والصحية.
  • المكمورة: طبقات من العجين يتخللها اللحم والبصل المقلي في السمنة أو زيت الزيتون، تطهى في فرن على نار هادئة طوال الليل وتستكمل مراحل تحضيرها في اليوم التالي في اهتمام واضح من المطبخ الأردني ومراعاة أقصى معايير الجودة والإتقان والإبداع.
  • اللزاقيات: من أشهر أصناف الحلويات الأردنية وأوسعها انتشاراً مع تنوع في طرق التحضير والنكهات وتمزج بين الطحين والسمنة وبقية النكهات.

 

نوعية الغذاء وتوقيته

نؤكد هنا أن الأطعمة المذكورة أعلاه هي على سبيل المثال لا الحصر، بل هي أبرز الأطعمة محدودة الانتشار حالياً التي تولّف بين منتجات الحليب ومنتجات القمح بشكل أساسي في وقت كان فيه اللحم لا يعتبر جزءاً من الوجبات اليومية للأردنيين نظراً لشح الموارد والاستفادة من المواشي كمصادر للإنتاج بدلاً من كونها موضع للاستهلاك، أما طعام الولائم والمناسبات الخاصة فيتضمن اللحم كمكوّن أساسي، كما جاء في بحثنا حول  أبجديات الضيافة في قاموس الكرم الأردني حول أنواع الذبائح، وتختلف  أهمية ورمزية الطعام حسب توقيت تقديمه وموسمه، في يوم ما من السنة، أو من الأسبوع، أو في أي وقت من اليوم، وحالياً تعتبر وجبة الغداء هي الوجبة الرئيسة التي تقدم في منتصف النهار، ويقدم الغداء ساخناً بينما يقدم كل من الفطور والعشاء باردين غالباً.

تنوع وثراء المطبخ الأردني ، صفحة مطعم إرث الأردن على موقع فيسبوك

تحضير الغذاء مسؤولية تشاركية، ولا فرق بين الجنسين

في كل رحلة بحثية نستكشف أصالة النظرة الأردنية المساوية للمرأة مع الرجل، وتأصل قيم احترامها ومعاملتها بدون أي انتقاص أو دونية، وذلك كقيمة راسخة وأصيلة في المجتمع الأردني، فإلى جانب الدور الاجتماعي والسياسي للمرأة الأردنية الذي تم التطرق له سابقاً في دورها كموسيقية وملكة في الفترة النبطية والغسانية، وصولاً لدورها في الثورات المحلية ضد الاحتلال العثماني، فالمرأة الأردنية أيضاً شريكة لزوجها ومؤازرة له في الحقل والعمل، وعليها كما أسلفنا مثل ما عليها من واجب الضيافة للضيف فيما عدا المبيت، ورغم أن كثيراً من المجتمعات المجاورة تنظر للمرأة باعتبارها المسؤول الوحيد عن عملية تحضير الطعام، إلا أن المجتمع الأردني يساوي بينها وبين الرجل في مراحل هذه العملية، ففي إعداد المنسف مثلا فإن الرجال مسؤولون عن عملية الذبح وطهو اللحم، فيما تقوم النساء بذات الوقت بالخبز وطهو الجريش أو الأرز، وتحضير اللبن بالجميد أو اللبن، كما أن الرجال في بعض مناطق جنوب الأردن يعدّون صنفاً من الخبز أثناء رحلاتهم وتنقلهم.

عمان1934- ولائم حفل زفاف الملك طلال – الأمير في حينه – ويظهر دور الرجال في عملية طهو المنسف

المراجع

  • حتّر، ناهض & أبو خليل، أحمد (2014) المعزّب ربّاح، منشورات البنك الأهلي الأردني. عمان:الأردن
  • بالمر، كارول (2008) الفلاحون والبدو في الأردن: دراسة اثنوجرافية في الهوية الغذائية، تعريب عفاف زيادة, مؤسسة أهلنا للعمل الإجتماعي والثقافي.عمان: الأردن
  • العبادي، احمد (1979) المناسبات البدوية ، عمان: الأردن
  • العبادي، أحمد (1994) المناسبات عند العشائر الأردنية، دار البشير.
  • الحوراني، هاني (1978) التركيب الاقتصادي الاجتماعي لشرق الأردن، مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت:لبنان
  • ئتائج المسح الميداني في الكرك القائم على المجتمع المحلي (2013-2016) وزارة القافة الأردنية، عمان:الأردن.
  • نتائج المسح الميداني في البلقاء القائم على المجتمع المحلي (2013-2016) وزارة الثقافة الأردنية، عمان:الأردن
  • نتائج المسح الميداني في الزرقاء القائم على المجتمع المحلي (2013-2016) وزارة الثقافة الأردنية، عمان: الأردن
  • أبو حسّان، محمد (2005) تراث البدو القضائي نظرياً و عملياً، الطبعة الثالثة.
  • عبيدات، سليمان أحمد (1994) عادات وتقاليد المجتمع الأردني ، الأهلية للنشر والتوزيع.
  • صويلح، ياسين (2004) مجلة المأثورات الشعبية ، العدد 71.
  • زيارات ومقابلات، إرث الأردن الميدانية أثناء مرحلة البحث.

 

ديموغرافية الهوية الغذائية الأردنية

مقدمة

تقدم مؤسسة إرث الأردن سلسلتها البحثية الجديدة المتعلقة بالإرث الغذائي والإنتاجي الأردني تزامناً مع افتتاح مطعم إرث الأردن والذي جاء ليتوّج جهود خمس سنوات من العمل والزيارات الميدانية لمختلف المناطق الأردنية لتوثيق الأطباق الأردنية المصنوعة من منتجات محلية، وطرق إعدادها الأصلية كما عكفت على ذلك الجدّات والسيدات الأردنيات لسنين طويلة، بشكل يضمن استدامة هذا الإرث والحفاظ عليه، من خلال حرص المؤسسة على الحصول على المنتجات من السيدات الأردنيات اللاتي ما زلن يحافظن على أصالة هذه الأطباق ويقمن بإنتاج المواد اللازمة لذلك منزلياً في تسع محافظات أردنية، تتناول هذه السلسلة البحثية كافة تفاصيل المطبخ الأردني، وما يلتصق بعملية إعداد وتناول الطعام من أبجديات الضيافة وطقوس اجتماعية تمتد لتاريخ طويل من الإسهام في الإرث الغذائي الإنساني الممتد لأكثر من أربعة عشرة ألف سنة تاريخ أقدم بقايا خبز تم العثور عليها في العالم على الأرض الأردنية.

 خلفية تاريخية

عرف أجدادنا الأردنيون القدماء قيمة الأرض وأولوها اهتماماً كبيراً منذ القدم فمنحوها جهدهم وحصدوا بالمقابل ثمار تعبهم فاستحقوا مكانتهم الراسخة في الإرث الإنساني، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من كون منطقة “عين غزال”  أول قرية زراعية في التاريخ الإنساني المسجّل، وأكدت العديد من المسوحات الكشفية أن المنطقة كانت تبذر فيها الحبوب وتحصد المحاصيل بتخطيط لم يشهده العالم من قبل، بعد أن كان يتم في السابق جمع الحبوب البريّة واستعمالها، وترتبط الزراعة والأرض بالضرورة بمجتمعات متحضرة ومستقرة وقادرة على إدارة وتنظيم شؤونها، وهو ما تؤكده الشواهد الآثارية التي ما زالت ماثلة حتى الآن وتعرض في المتاحف العالمية وعلى رأسها متحفي اللوفر في باريس وأبو ظبي، بالتشارك مع متحف الأردن.

واستمر الاهتمام بالأرض وتطوير نظم إدارتها وقوانين ملكيتها مع تواصل الوجود الإنساني غير المنقطع على الأرض الأردنية، وصولاً لعهد الأردنيين الأنباط الذين امتلكوا وحكموا مساحات شاسعة من الأراضي تمتد نحو شبه الجزيرة العربية جنوباً ودمشق شمالاً وصولاً لشواطئ المتوسط غرباً، بما في ذلك من تعقيدات وتنوعات جغرافية وتنوع سكاني، وهو ما استدعى وجود نظام يتم الاحتكام له في ملكية الأراضي وتقسيمها بين أبناء المجتمع الأردني النبطي بما يضمن تحقيق أعلى درجات الاستفادة منها، بحيث كانت السلطة المركزية هي المعنية بتوزيع الأراضي على الأفراد، فقد كان الأردنيون الأنباط ملتصقين ببيئتهم الزراعية ومحبين للتملك، بحيث فرضوا الضرائب على من سعى إلى خراب الأراضي الزراعية، كما كافئوا من حافظ عليها، وقد تناولنا في بحث سابق موضوع ملكية الأراضي عند الأردنيين الأنباط بشكل مفصّل.

وبقيت الأمور على هذا النحو حتى ما بعد الفترة الأردنية النبطية، وازدهرت أشكال متعددة من الزراعة خلال الفترات التالية، من إنتاج القمح وتصديره للمناطق المجاورة وصولاً لروما، بالتوازي مع انتشار أنواع مختلفة من الزراعة أبرزها قصب السكر خلال الفترة المملوكية والتي ترافقت بالتوازي مع ازدهار في الصناعة والتجارة فبرز سكر مونتريال كأول ماركة تجارية مسجلة في العالم اجتاحت الأسواق الأوروبية التي لم تكن تعرف السكر قبل ذلك الوقت، وما تزال الشواهد الآثارية قائمة حتى اليوم تشهد على عظمة الإنسان الأردني وإبداعه وإسهامه في الإرث الإنساني، وأبرزها معاصر السكر في الشوبك وطبقة فحل وبقية مناطق الأغوار الأردنية، ويمكن الاطلاع على بحثنا السابق عن تاريخ صناعة السكر في الأردن للاستزادة في هذا الموضوع.

مناخ وطبوغرافية الأرض الأردنية

تمتاز الأرض الأردنية بمزيج متنوع ما بين مناخي حوض البحر الأبيض المتوسط والصحراء القاحلة، حيث يسود مناخ حوض المتوسط في المناطق الشمالية والغربية من البلاد، بينما يسود المناخ المداري الجاف في وادي الأردن، فيما يسود المناخ الصحراوي في المناطق الجنوبية الشرقية. وبشكل عام، فإن الطقس حار وجاف في الصيف، ولطيف ورطب في الشتاء، ومن ناحية طبوغرافية فالتنوع أيضاً حاضر، ما بين سهول حوران الأردنية شمالاً الخصبة جداً لزراعة القمح والبقوليات، وجبال عجلون والسلط المشهورة بكروم العنب والزيتون والرمان، وصولاً للأغوار الأردنية، والغور هي مفردة تدل على التسمية المحلية لوادي الأردن الأدنى وتعني الأرض الهابطة والمنخفضة التي تمتد من بحيرة طبرية وحتى البحر الميت، وتعتبر من المناطق المميزة بطبيعتها التي لاءمت الإنسان عبر العصور المختلفة لخصوبة أرضها ووفرة مياهها، وعلى جنباتها يؤرخ لبدايات الوجود الإنساني المسجل بعد العصور الجليدية، وأصبحت منطقة زراعية منفردة اشتهرت بزراعات متعددة ومتنوعة كقصب السكر، والموز، والنخيل، والأرز ومختلف أنواع الخضار والفواكه وأجودها، وينظر للأغوار كسلة الغذاء، ليس للأردن فقط بل للمناطق المجاورة، سواء في الجزيرة العربية جنوباً حيث الجفاف والحر الشديد، وحتى أكثر المناطق خصوبة في سوريا لا تستطيع إنتاج بعض الأصناف خلال فترات البرد القارس شتاءً، بينما تتمكن الأغوار الأردنية من تصدير أطنان المنتجات الزراعية طوال العام.

1900 م- رجال من الشوبك بكامل أناقتهم على إحدى القمم الجبلية حيث تتميز المنطقة بمناخ مميز وماطر لوقوعها بين مناخين جغرافيين متداخلين

نقطة تحوّل ومنعطفات حرجة

شهدت الزراعة والاهتمام في الأرض تراجعاً ملموساً خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر مع دخول العثمانيين للمنطقة وإدخالها في نفق مظلم، من خلال احتلالهم غصباً للأراضي الأردنية واستيلائهم عليها وإعادة توزيعها على النظام الإقطاعي من جهة، ومن خلال سياسات الحصار الاقتصادي والتضييق التي تم اتباعها لتجويع الأردنيين ومحاصرتهم اقتصادياً لتجفيف منابع القوة التي كانت تؤرق السلطة الحاكمة في ذلك الوقت والتي أشعلت العديد من الاحتجاجات ضد الحكم الخارجي منذ أنفاسه الأولى، فما بين مطرقة الضرائب المبالغ فيها بدون أدنى عائد ومقابل، وسنديان غياب الأمن، غابت الملكية الخاصة وبذلك يغيب الدافع الأول للإنتاج، من هنا تحول جزء كبير من السكان من حياة الاستقرار في متجمعات زراعية منتجة مكتفية، وتصدر ما يزيد عن الحاجة أو تبادله بسلع أخرى، إلى مجتمعات أقل استقراراً تبحث عن نفسها وتحاول تأمين قوتها من خلال أساليب أخرى قد تكون قاسية وعلى حساب بعضها البعض، مع الأخذ بعين الاعتبار عامل تأجيج الفتن والتحريض المستمر على سياسة فرق تسد، ومع ذلك تعامل الأردنيون مع الظروف بحنكة ودهاء، فأوجدوا البدائل، وطوروا الأدوات، ونوعوا في الأساليب واستطاعوا بالقليل من الموارد الصمود والبقاء والاستمرار.

جرش 1900 – شارع الأعمدة في جرش وآثار الخراب والتهميش واضح على أهم اجزاء المدينة التاريخية

نهاية الفترة العثمانية، بداية الاهتمام

بعد تمرد الوالي العثماني في مصر محمد علي باشا وحملته التي كادت أن تطيح بالدولة العثمانية لولا تدخل فرنسا وبريطانيا دفاعاً عن العثمانيين، تنبه العثمانيون لأهمية منطقة الأردن وبدأوا بعض المحاولات لتحسينات إدارية محدودة، واستفاد الأردنيون من تلك الظروف ومن ثوراتهم المستمرة ضد العثمانيين ومحمد علي باشا في الحصول على مناطق حكم محلي خاصة بهم من خلال اختيار زعامات يضمنون حقوقهم ويديرون شؤونهم، وهو ما نتج عنه عودة للحياة الزراعية وتحسن ملحوظ في الإنتاجية بعد شعور السكان بأن هناك قيمة وجدوى لتعبهم وكدحهم قبل أن تعود الأمور للتدهور من جديد مع توريط العثمانيين لأنفسهم في حروب محكوم عليها بالفشل، زادت من حالة من التوحش في استهلاك موارد المنطقة وفق عقلية المزرعة، وسنتعرض تالياً أهم جوانب عملية الزراعة وملكية الأرض خلال تلك الفترة:

أصناف الأراضي نهايات الفترة العثمانية:

  1. الأراضي المملوكة: وهي كما حددها قانون الأراضي العثماني لعام 1858م أربعة أنواع:
  • العرصات” وهي الأراضي الموجودة ضمن المناطق السكنية في المدن والقرى ولا تزيد مساحة الواحدة منها على نصف دونم.
  • الأراضي الأميرية التي تحولت إلى ملك خاص بعد إتمام فرزها ومنحها حسب رغبات سلطات الاحتلال العثماني.
  • الأراضي العشرية: وهي تلك التي تم توزيعها وتمليكها للمقاتلين بعد احتلال مناطق جديدة لتوسيع النفوذ العثماني تحت مسمى “الفاتحين”.
  • الأراضي الخراجية، وهي الأراضي التي تقرر تركها لأصحابها غير المسلمين شريطة مشاركتهم عوائد استثمارها، بطريقتين، الأولى حراج مقاسمة يتراوح بين عُشر إلى نصف ناتج الأرض حسب درجة خصوبتها، والثاني خراج الموظف، وهو مقدار معين ثابت من المال يؤخذ بشكل مقطوع على الأراضي.
  1. الأراضي الأميرية، وهي أراضي تم استملاكها والاستيلاء عليها من قبل الاحتلال العثماني تحت مسمى “بيت مال المسلمين”، وغالباً كانت من أفضل الأراضي وأكثرها موارد مثل المزارع والمراعي والمصائف والمشاتي والمحاطب، وكانت توضع تحت تصرّف الإقطاعيين الذين عزز من وجودهم النظام العثماني وهم نوعين : الزعامة والتيمار.

    • الزعامة: الإقطاع الذي يدر ربحاً سنوياً يتراوح ما بين 20 – 100 الف أقجة عثمانية و “يمنح لمن أبدى قدرات فائقة في خدمة الدولة العثمانية” وفق نص القانون، وفي الواقع يقوم بدفع مبلغ معين للحاكم العثماني، مقابل أن يقوم باستغلال الناس واستعبادهم للعمل بالسخرة لجمع هذا المبلغ مضافاً إليه ربحه الشخصي.
    • التيمار: شكل مصغّر عن الزعامة، حيث يدر ريعاً سنوياً يتراوح ما بين (2000 – 19999) أقجة.

كما تم منح بعض هذه الأراضي لغايات إعادة توطين المهاجرين الشراكسة، والشيشان، والطاغستان، واللازكي، والتركمان في محاولات لخلق مجتمعات وبيئات حاضنة وموالية وأكثر تقبلاً للعثمانيين في وسط المناطق الأردنية.

  1. الأراضي الموقوفة: وهي الأراضي التي أوقفها أصحابها لغايات استثمارها لبناء دور عبادة من مساجد وكنائس وأديرة أو مدارس وأضرحة للصحابة والأولياء، وكثيراً ما كان يتم الاستيلاء عليها وتحويلها لغير أهدافها.
  2. الأراضي المتروكة: وتشمل الأراضي الخالية التي تركت لعموم الناس مثل الطرق العامة غير المؤهلة وغير المخططة، إلى جانب المراعي والبيادر والأحراش.
  3. الأراضي الموات: الأراضي الخالية التي تبعد عن العمران مسافة لا تقل عن ميل ونصف تخميناً أو مسير نصف ساعة مثل الجبال والأودية.
  4. الأراضي المشاع: وهي الأراضي التي تعود ملكيتها للجماعة من أهالي قرية أو عشيرة معينة وتقسم على العائلات بالتساوي بغض النظر عن عدد الأفراد، ويتم إعادة التوزيع كل سنتين أو ثلاث سنوات ويتولى ذلك شيوخ القرية أو العشيرة.
  5. الأراضي المحلولة: وهي الأراضي التي تؤول ملكيتها الفعلية للحكام والولاة التابعين للاحتلال العثماني بوفاة أصحابها دون ورثة شرعيين، أو الأراضي التي تركها أصحابها مدة تزيد على ثلاث سنوات متتالية من دون “عذر شرعي”، وكان يتم تأجيرها للأهالي بمزايدة علنية مقابل مبلغ من المال.
  6. الأراضي المدورة: وعي الأراضي التي كانت ملكيتها للسلطان عبد الحميد قبل خلعه عن العرش ثم تحولت ملكيتها لصالح خزينة الاحتلال العثماني

صورة تعود الى 1890 لسيدات واطفال من قبيلة العدوان الأردنية أثناء ترحالهم الموسمي بعيداً عن سطوة الضرائب العثمانية الجائرة التي تبتدأ ب25% على الدخل
  • طرق استثمار الأراضي الزراعية:

عرفت المنطقة خلال تلك الفترة طرقاً متعددة لاستثمار الأراضي الزراعية وبعضها ما يزال معمولاً به حتى اليوم بين المزارعين، ومن هذه الطرق:

  1. الاستثمار المباشر : أن يقوم صاحب الأرض باستثمار أرضه بمساعدة أفراد أسرته.
  2. المزارعة : من الطرق القديمة في استغلال الأراضي، يتمثل في الشراكة بحيث تكون الأراضي من طرف والعمل من طرف آخر وهي ثلاثة أنواع :
  • الشراكة: بحيث يقدم المالك الأرض ويقدم الفلاح الجهد والعمل ويتقاسمان التكاليف والنفقات، ويحصل كل منهما على نصف الغلّة 50%.
  • المرابعة: بحيث يقدم المالك الأرض ويتكفل بكامل النفقات والتكاليف، وإقامة وطعام الفلاح، بينما يقدم الفلاح العمل مقابل حصوله على ربع الغلّة 25%.
  • الخُمس: ويقدم بموجبه المالك الأرض وجميع النفقات واللوازم، في حين يقدم الفلاح عمله وكون نصيبه خمس الناتج 20%.
  1. التأجير: تأجير الأرض لمدة طويلة قد تصل لعشر سنوات مقابل مبلغ معلوم ومتفق عليه من المال، أو نسبة من الغلّة.
  2. المغارسة: يقوم المزارع بزراعة البستان بالأشجار المثمرة لفترة زمنية محددة بالسنوات، مقابل تقاسم الناتج ما بين المالك والمزارع وورثتهما حتى نهاية فترة العقد.
  3. الضمان: من طرق استثمار الأشجار المثمرة بعد ظهور الثمر، بحيث يدفع المستأجر مبلغاً من المال لصاحب البستان للاستفادة من الثمر وقطفه وينتهي العقد بنهاية موسم جني الثمر.

المنتجات الزراعية ومناطقها:

كما تقدّم ، أدى موقع الأردن المتوسط ما بين إقليم حوض البحر المتوسط والإقليم الصحراوي، وتباين التضاريس الطبيعية وتنوع مناخها إلى تنوع المنتجات الزراعية وأدوات الإنتاج، ونلخص هنا أبرز هذه المنتجات:

  1. المحاصيل الزراعية:

–          القمح والشعير: تعتبر حبوب القمح والشعير جزء أساسي من الهوية الغذائية الأردنية، وكانت تعتبر أهم المحاصيل من حيث المساحة المزروعة والناتج، وذلك لاعتماد السكان عليها في غذاءهم وفي غذاء حيواناتهم التي كانت مصادر للإنتاج، وانتشرت زراعة هذه المحاصيل في كل أرجاء الأردن خصوصاٌ في اربد والسلط، وتكثر زراعة القمح في المناطق السهلية والمنحدرات الجبلية  لخصوبة تربتها ووفرة أمطارها، وأما الشعير فغالباً ما كان يزرع في المناطق التي تقل فيها خصوبة التربة ومياه الأمطار لقدرته على تحمل العطش، وتتضح لنا من كثرة  الطواحين الماثلة حتى الآن وفرة إنتاج المناطق الأردنية من هذين المحصولين اللذين كانت تصدر كميات كبيرة منهما من حوران الأردنية إلى المناطق المجاورة، وصولاً لدمشق وأبعد من ذلك إلى روما منذ عهد الامبراطورية الرومانية وحتى فترات حديثة في بداية القرن العشرين.

صورة لسهول حوران الأردنية في اربد عام 1900 وتظهر المساحات الشاسعة  من الأرض التي كانت تزرع بالقمح وفي المدى تل الحصن ، حيث يلاحظ من النمط العمراني في المدن والبلدات الأردنية بناء السكان لمساكنهم في المناطق الجبلية للاستفادة من الأراضي المنبسطة في الزراعة

 

اليادودة 1914 وتكتل عمراني مميز وبه عناصر دفاعية نتيجة لغياب الأمن في تلك الحقبة ويلاحظ أيضاً استعمال الأراضي المنبسطة لغايات الزراعة والبناء في المناطق المرتفعة للاستفادة من الجغرافيا وتطويعها لأسباب اقتصادية وسياسية حيث كانت الجغرافيا حليف الأردنيين وصديقهم الدائم في مواجهة الاخطار والاستعمار

 

–           البقوليات: تتنوع سلة الغذاء الأردنية بشكل يوضح سبب غٍنى المطبخ الأردني بالأطباق المتنوعة، ونجد أن اهتمام المزارع الأردني تعدى المواد الأساسية لتشمل زراعة البقول بأنواعها والتي احتلت المكانة الثانية بعد زراعة الحبوب، كالعدس والكرسنة، والحمص والجلبانة والنعمانة الشبيهة بالفاصولياء، حيث زرعت هذه المحاصيل على نطاق واسع في قضاء السلط، واليادودة، ووادي السير، والرميمين، وقرية الرمان وفي سهول مأدبا والكرك.

–           كما تنوعت المحاصيل ما بين صيفية وشتوية بشكل يضمن استمرار الإنتاجية، ومن المحاصيل الصيفية السمسم والذرة ، إضافة للتبغ (الدخان/ التتن / الهيشي) ، ويذكر الرحالة والكاتب الفرنسي أنطون جاسان أن الدخان كان يزرع في الطفيلة والكرك، كما زُرع في أراضي السلط وقراها.

  1. الخضروات والمقاثي:

اهتم السكان بزراعة مختلف أنواع الخضار في المناطق المرويّة لتكتمل لوحة الألوان المنسجمة والمتنوعة في المطبخ الأردني، وذلك نظراً لخصوبة التربة وملاءمة المناخ، ومن هذه الخضروات: البندورة والبصل والثوم والبامية والباذنجان، والكوسا، وتشتهر مناطق اربد وعجلون وجرش والسلط والأغوارالأردنية وصولاً للمناطق الجنوبية بانتاج وتصدير أفضل أنواع الخضروات والمقاثي في المنطقة، نظراً لاستفادتها من الأغوار الأردنية ودفئ طقسها حتى في أصعب الظروف الجويّة، وقد اهتم الأردنيون العديد بثراء وتنوع أطباقهم فمزجوا الخضار والمقاثي مع منتجات الحبوب والألبان مما أكسب المطبخ الأردني قيمة غذائية عالية من خلال توفر كامل العناصر التي يحتاجها الجسم من فيتامينات ومعادن وحديد الى جانب الطاقة، ومن أبرز هذه الأطباق الأردنية السفرجلية ، والفناقش والمحاشي البردقانية.

  1. الأشجار المثمرة:

 اهتم الأردنيون بزراعة أنواع مختلفة من الأشجار المثمرة، وأهمها العنب الذي يعتبر من أهم تلك الأشجار نظراً لإمكانية استغلال أوراقه في تحضير الأطباق، وحبوبه التي تؤكل طازجة أو تستغل ليصنع منها الزبيب أو النبيذ حيث عثر على العديد من المعاصر التاريخية لتصنيع أجود أنواع النبيذ للاستهلاك المحلي وتصديره للمناطق المجاورة حيث تشير التقديرات أن 15% من الناتج المحلي من العنب يذهب لصناعة النبيذ، وتكثر كروم العنب في السلط وعجلون خصوصاً كما تتم زراعة العنب في اربد ومأدبا ووادي الكرك، وفي الطفيلة وقصبة معان والشوبك ووادي موسى.

كما عرفت زراعة الزيتون في المنطقة لنفس الأهداف فزيته وحبوبه تعد مكون من عناصر الهوية الغذائية الأردنية واستخدمت مؤخراً كبدائل لعناصر أخرى مثل السمنة البلدية، كما اشتهرت زراعة الرمان الذي يستهلك حباً وعصيراً ويصنع منه الدبس، ولا تكاد تخلو محافظة أردنية من أودية وبساتين الرمان، وكان الباعة المتجولين في دمشق ينادون : معاني يا رمان ، أردني يا رمان ، في إشارة لجودته وطعمه المميز، كذلك اشتهرت زراعة التين، والدراق، والسفرجل، والأجاص، والمشمش، والخوخ، والتفاح، والليمون، والتوت.

ومن الجدير ذكره أن الأهالي في قضاء الطفيلة في عام 1911 قاموا بتأسيس شركة زراعية من أجل جلب أشجار التوت وزراعتها في القضاء والاستثمار في هذا المجال، إلا أن محاولات الحصول على ترخيص من الاحتلال العثماني باءت بالرفض وحكم على المشروع الريادي بالفشل والإجهاض ككثير من أحلام الأردنيين في ذلك الوقت.

وخلال سنوات النهضة التي تلت تأسيس الدولة الأردنية الحديثة ازدهرت الزراعة بشكل واضح، وفرضت صادرات الفواكه الأردنية مكاناً لها في أسواق الدول المجاورة، فوفقاً لأرقام 1943 فإن الأردن صدّر إلى السوق الفلسطيني 500 طن من الزبيب و 2420 طن من العنب، و 1850 طن من الفواكه الأخرى.

  1. الأشجار الحرجية:

تشكل الأشجار الحرجية جزء مهم من الغطاء النباتي للأردن، حيث كانت تغطي معظم مناطق الأردن في المرتفعات الجبلية وبطون الأودية وخاصة مناطق مجاري المياه، وتعتبر أشجار البلوط والسنديان والصنوبر والسرو والبطم والدفلى والحور والصفصاف والطلح والطرفاء من أهم أشجار المنطقة، وكان السكان يعتمدون عليها مصدراً للدفء ويستفيدون من أخشابها والجذوع المتكسرة منها بشكل يضمن استدامة هذه الفائدة، ولكن كثافة هذه الغابات أغرت العثمانيين وأثارت شهوتهم للاستهلاك النهم والمتوحش، فقاموا بنهبها وتقطيعها بشكل واسع لاستغلالها وقوداً للقطارات العسكرية، حيث بلغ فيهم الأمر إلى مد خط فرعي من سكة القطار العسكري العثماني لوسط منطقة الهيشة في الشوبك التي سميت بذلك نظراً لتشابك الغابات فيها نتيجة كثافتها وذلك لتسهيل عملية قطع الأشجار منها ونقل الخشب إلى مناطق أخرى ما حوّل الهيشة حينها إلى أرض جرداء.

الزرقاء 1903 وتظهر الكميات المهولة للخشب الذي قطِع باشراف مهندسين ألمان لاستكمال بناء سكة حديد القطار العسكري لنقل الجيوش العثمانية والألمانية ومؤنها وتسريع قمع الثورات الأردنية الصغرى، كنموذج عن عقلية التوحش في استهلاك موارد المنطقة خلال فترة الاحتلال العثماني
  1. النباتات البرّية:

عرف الأردنيون كيفية الاستفادة من كل ما تقدمه الطبيعة الأم، لأنهم فهموها ودرسوها بعناية حتى تمكنوا من فهم أسرارها، فانتقوا المفيد منها بعين الخبير وميزوه عن الضار ، فأنتجوا أفضل أنواع المنكهات للأطعمة، ومن أهم هذه النباتات الحندقوق ، والسماق الذي يكثر في البلقاء، والنيلة في غور الصافي، وتضاف بعض الأعشاب للجميد لإضفاء نكهات مميزة له، كما كان ينمو نبات السمح الذي يثمر قروناً كبيرة فيها بذور، تجمع القرون وتوضع بالماء حتى تتفتح وتصعد القشور إلى السطح في حين تغوص البذور في القاع، لتجمع وتجفف وتطحن دقيقاً يصنع منه خبز لذيذ الطعم، كما تستعمل الكثير من الأعشاب في الطب الشعبي الأردني، أو حتى كوصفات منزلية بسيطة لمشاكل البرد وارتفاع الضغط وغير ذلك من الأمراض الموسمية.

المراجع:

o          حتّر، ناهض & أبو خليل، أحمد (2014) المعزّب ربّاح، منشورات البنك الأهلي الأردني. عمان: الأردن

o          بالمر، كارول (2008) الفلاحون والبدو في الأردن: دراسة اثنوجرافية في الهوية الغذائية، تعريب عفاف زيادة, مؤسسة أهلنا للعمل الاجتماعي والثقافي. عمان: الأردن

o          العبادي، احمد (1979) المناسبات البدوية ، عمان: الأردن

o          العبادي، أحمد (1994) المناسبات عند العشائر الأردنية، دار البشير.

o          الحوراني، هاني (1978) التركيب الاقتصادي الاجتماعي لشرق الأردن، مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت: لبنان

o          نتائج المسح الميداني في الكرك القائم على المجتمع المحلي (2013-2016) وزارة القافة الأردنية، عمان: الأردن.

o          نتائج المسح الميداني في البلقاء القائم على المجتمع المحلي (2013-2016) وزارة الثقافة الأردنية، عمان: الأردن

o          نتائج المسح الميداني في الزرقاء القائم على المجتمع المحلي (2013-2016) وزارة الثقافة الأردنية، عمان: الأردن

o          أبو حسّان، محمد (2005) تراث البدو القضائي نظرياً و عملياً، الطبعة الثالثة.

o          عبيدات، سليمان أحمد (1994) عادات وتقاليد المجتمع الأردني ، الأهلية للنشر والتوزيع.

o          صويلح،  ياسين (2004) مجلة المأثورات الشعبية ، العدد 71.

o          زيارات ومقابلات، إرث الأردن الميدانية أثناء مرحلة البحث.

o          أحمد أبو خليل، موقع زمانكم، قسم مفردات مصوّرة، مقالة بعنوان: القَرَنْ”: أي ربط حيوانين أو أكثر واستخدامهما معاً في أعمال الزراعة.

ملكية وإدارة الأرض وتجذّر قيم الإنتاجية عند الأردنيين

تقديم

تقدم مؤسسة إرث الأردن سلسلتها البحثية الجديدة المتعلقة بالإرث الغذائي والإنتاجي الأردني تزامناً مع افتتاح مطعم إرث الأردن والذي جاء ليتوّج جهود خمس سنوات من العمل والزيارات الميدانية لمختلف المناطق الأردنية لتوثيق الأطباق الأردنية المصنوعة من منتجات محلية، وطرق إعدادها الأصلية كما عكفت على ذلك الجدّات والسيدات الأردنيات لسنين طويلة، بشكل يضمن استدامة هذا الإرث والحفاظ عليه، من خلال حرص المؤسسة على الحصول على المنتجات من السيدات الأردنيات اللاتي ما زلن يحافظن على أصالة هذه الأطباق ويقمن بإنتاج المواد اللازمة لذلك منزلياً في تسع محافظات أردنية، تتناول هذه السلسلة البحثية كافة تفاصيل المطبخ الأردني، وما يلتصق بعملية إعداد وتناول الطعام من أبجديات الضيافة وطقوس اجتماعية تمتد لتاريخ طويل من الإسهام في الإرث الغذائي الإنساني الممتد لأكثر من أربعة عشرة ألف سنة تاريخ أقدم بقايا خبز تم العثور عليها في العالم على الأرض الأردنية.

تمهيد

تطور المجتمع الأردني عبر آلاف السنين في عملية مستمرة منذ بدايات ظهور الانسان الأول على الأرض الأردنية قبل نحو مليون ونصف عام من الآن، وذلك  بعد الحركات الأرضية العنيفة التي أدت لظهور حفرة الانهدام لتكون جزيرة رطبة ودافئة صالحة للحياة خلال العصور الجليدية، وبقي هذا المجتمع يبني نفسه على مر العصور مشكلاً هويته المتماسكة في منطقة وسطى ما بين الصحراء وما يختبئ فيها والبحر وما قد يأتي عبره، في تناغم جمع الإنسان مع المكان والظروف المحيطة، وجعله يطوّع الطبيعة لخدمته ويتكيف مع التضاريس المتنوعة من حوله، ما بين حفرة انهدام وسهول غورية وشفا غورية غرباً، وسهول خصبة شمالاً ومرتفعات جبلية تمتد على طول الخريطة، وصحراء ممتدة شرقاً، عوامل كلها ساهمت في رسم الملامح العامة لشخصية المجتمع وهويته وأنماط الإنتاج والغذاء والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية ما بين أبنائه، فكانت عين غزال أول قرية زراعية في تاريخ الإنسانية على ضفاف نهر الزرقاء المزدهر في ذلك الحين، وفيها بدايات ظهور المساكن الدائرية متعددة الطبقات والتي تشير لمجتمعات مستقرة تمارس الزراعة وتقوم بتدجين الحيوانات والمواشي وتعتمد عليها كمصادر في الإنتاج.

وتؤكد نتائج العديد من الدراسات البحثية والكشفيات الأثرية إلى إسهام الأردنيين القدماء في تطور السلوك الغذائي للبشرية، حيث كان آخرها دراسة بإشراف جامعة كوبنهاجن بين عامي 2012 – 2015، خلصت نتائجها لاكتشاف أقدم بقايا للخبز في العالم تعود إلى 14.400 عام، إلى جانب مواقد دائرية وبقايا طعام أخرى تضمنت لحوم غزلان وأرانب وبقايا نباتات إضافة للكثير من الأدوات الحجرية، حيث فسّر بعض الباحثين وجود هذا الخبز إضافة للجعة في المجتمعات الإنسانية القديمة كحالة من الترف والرفاهية وبارتباطه بالولائم الاجتماعية أو الطقوس الخاصة، وهو علاوة على ذلك أمر يتطلب معرفة في زراعة الحبوب وحصادها أو التقاطها في حال كانت برية، ومعرفة بالنباتات الصالحة للأكل وغير الضارة، ثم طحنها ومزجها وعجنها، ولاحقاً خبزها، وهذه عملية انتاجية زراعية صناعية تتطلب وجود أدوات خاصة بتلك العمليات وهي ذات الأدوات التي تم العثور عليها في الموقع البحثي، وهذا ما جعلنا في مؤسسة إرث الأردن نسلط الضوء في هذه السلسلة من أبحاثنا على كيفية تشكل الهوية الغذائية الأردنية وربطها بالأنماط الإنتاجية والاستهلاكية، ودراستها من ناحية اقتصادية اجتماعية وتأثيرها على أنماط العلاقة بين الأردنيين فيما بينهم أو حتى مع غيرهم على مر العصور وصولاً ليومنا هذا.

للمزيد حول هذه الدراسة راجع تقريرنا المفصّل : من رحم الأرض الأردنية، تفاصيل ودلالات اكتشاف بقايا خبز عمره أكثر من 14 ألف سنة.

جذور الضيافة والكرم في المجتمع الأردني

يرى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، أن الضيافة قانون إنساني مطلق وغير مشروط ويتسم بالغلوّ؛ وهي أنْ نعطي للقادم كل مأواه وذاته وخصوصيته وخصوصيتنا من غير أن نطلب منه اسمه أو أي مقابل، إنما في تناقض (مستمر ومستحيل) مع قوانين الضيافة ذاتها التي تجعلها مشروطة بتفصيلات معقدة، ولكن كيف ينظر الأردني للضيافة وما هي الضيافة وجذورها وقانونها في قاموس الضيافة الأردني؟

وادي السرحان ١٩٢٦ – الأردنيون يقدمون واجب الضيافة لسلطان باشا الاطرش وأعيان جبل العرب بعد لجوئهم إلى الأردن خلال فترة مقاومتهم ضد الاحتلال الفرنسي لسوريا ( مجموعة إرث الأردن الصورية)

تعامل الإنسان الأردني تاريخياً وبحكم نمط الحياة الاجتماعية السائد في ذلك الوقت بشكل تعاوني مع محيطه، من خلال نظام القرى الزراعية التي اعتمدت على العمل الجماعي لإنتاج الغذاء وبناء المساكن المتجاورة، والحياة ضمن منظومة عشائرية تضمن له الحصول على ما يكفيه من طعامه من خلال التعاون وتوزيع العمل وتشارك مصادر الإنتاج، إلى جانب ضمان الحماية من تعدي غيره على حياته أو ممتلكاته وانتاجه، وهذا يتطلب حالة من الوعي بالمصير المشترك ووجوب تحمّل المسؤولية من خلال أن يصبح الفرد جزءاً مسؤولا في المجتمع الذي يعيش فيه، بحيث يلتزم بالعمل لإنتاج ما يحتاجه وأسرته من طعام بدلاً من البقاء عالة على من حوله، وفي حالة الحرب والخطر يلتزم بالدفاع عن مجتمعه بما يضمن أمنهم وحمايتهم، في ما قد يمكن اعتباره جذور ما يعرف اليوم بالعقد الاجتماعي، وهو الأمر الذي يتطلب علاوة على ما سبق نوعاً من الالتزام الأخلاقي من هذا الفرد تجاه المجتمع الذي يعيش فيه، والقناعة والاكتفاء خلال أوقات المواسم الجيدة، وإظهار التكافل والتضامن مع أبناء مجتمعه الذين لم ينجح موسمهم، والبذل والتضحية والتحمّل خلال مواسم القحط والجفاف والظروف غير المعتادة من حرب وترحال وعدم استقرار، فلا نتائج أكيدة ومضمونة في عملية الزراعة، بل محتملة ومعرّضة للخطر ولكن لا خوف على الذات والعائلة من الجوع والفشل في ظل النظام التضامني، وهذا ما جعل العلاقة بين أبناء المجتمع محكومة بالعديد من العادات والأعراف التي شكّلت مع مرور الوقت قانوناً اجتماعياً وأصبحت جزءاً من ثقافة المجتمع وأخلاقياته وأسلوب الحياة فيه.

كادر مطعم إرث الأردن مدرّب ومتخصص في الضيافة على الأصول الأردنية

ومن جملة هذه الأخلاقيات والقوانين والقيم، تجلّت الضيافة كقيمة مترسخة في المجتمع الأردني، في تعامل الأردنيين واحتكاكهم بسكان المناطق المجاورة، من خلال وجودهم على أهم طرق التجارة العالمية، وطريق الحج لاحقاً، فتشير الدلائل أن “بترا” كانت مركزاً للتجارة العالمية وجسراً بين المشرق والمغرب وخزانة لكنوز الشعوب وثرواتهم ورأس مالهم، فيما يمكن اعتباره سويسرا الشرق في ذلك الزمن، كما استفاد الأردنيون من ازدهار الطريق الملوكي، فطوّروا أساليب الحياة الخاصة بهم على أسس اقتصادية تضمن لهم استدامة الدخل طوال العام مستفيدين من أشهر الحج ورحلته التي كانت تمتد لعدة أشهر والتي كانت رحلة دينية وتجارية في آن واحد، فنرى أن العشائر الأردنية تولّت مهمة تنظيم قوافل الحج وحمايتها، من خلال استلام الحجاج من مناطق “المزيريب” في شمال حوران الأردنية وصولاً للمدينة المنوّرة، فأنشؤوا شبكة نقل مكوّنة من الجمال والهوادج، وشبكات حماية تضمن سلامة الحجاج في ظل حالة غياب الدولة إبان الاحتلال العثماني، إلى جانب التكفل بإقامة الحجاج وإطعامهم وسقايتهم، حيث أقيمت الاستراحات والخانات على امتداد هذه المسافة الجغرافية، يفصل بين التجمّع والآخر مسافة 50 كم تقريباً، وهي المسافة التي يقطعها الجمل خلال مسير يوم واحد، مما يجعل الضيافة نوعاً من أنواع العبادة وجزءاً من عقيدة الأردنيين.

أركان الضيافة

ومن أهم هذه الأخلاقيات ما يتعلق بالكرم أو الضيافة، فهي انعكاس يمكن من خلاله قياس مدى قدرة الإنسان على التعامل والتعاطي مع محيطه، وقدرته على البذل والعطاء بدون انتظار المقابل، ومن أهم أركان هذه العملية ، المعزّب : ويقصد به المُضيف، والضيف، وترتبط كلمة المعزّب هنا بالأرض، فقد جرت العادة أن تبنى البيوت في مكان واحد وغالباً في المناطق المرتفعة لأسباب أمنية من خلال توفير الحماية في حالات الغزو والأطماع الخارجية، في حين تترك السهول والأراضي المنبسطة والخصبة ليتم الاستفادة منها زراعياً في ارتباط وثيق يرسخ أهمية قيم الإنتاجية عند الأردنيين، وهو ما يستدعي إقامة مساكن مؤقتة في الكروم والمزارع إبان أوقات الحصاد للاستفادة من أكبر وقت ممكن من اليوم بدلاً من التنقل ما بين مكان السكن وبين العمل صباحاً ومساءً وأوقات وجبات الطعام، خاصة في حالة الاستفادة من مجهود كامل أفراد العائلة في عملية القطف والحصاد والتي تتطلب جهود الجميع لإنهاء المهمة في الوقت اللازم، وتعرف هذه المساكن المؤقتة شعبياً بـ “العزبة” وتسمّى هذه العملية بالتعزيب، وتحصل كذلك في حال جمع الناس مواشيهم مع راعِ واحد مقابل أجرة متفق عليها، فإنه يعزب في الأغنام ويرعاها في المناطق الرعوية وأماكن الحصيدة، أما في عملية الضيافة فسنتعرف تالياً على أهم أركان وعناصر هذه العملية :

أولاً: المعزّب

نخلص مما تقدّم أن من يقيم في هذا المسكن المؤقت هو ركن الضيافة الأول “المعزّب” وجمعه “المعازيب”، وهو المضيف الجاهز دائماً لاستقبال عابر سبيل، أو شخص جاء يتفقده ويطمئن عليه، إذاً فالمعزّب هو المُضيف وعليه يقع عاتقها وله شرف القيام بها، ويقع على عاتقه مهمة استقبال الضيف وإكرامه ضمن أعراف المجتمع الأردني، كما سيتم تناولها لاحقاً، وقد تغنّى الموروث الشعبي بالمعزّب، فنجده حاضراً في الأهازيج الشعبية، وأشهر الأمثلة على ذلك ما يردد من أبيات في رقصة الدحيّة والسامر:

حنّا جيناكم سريّة لا علمٍ ولا دريَّة

لولا معزّبنا ما جينا، ولا قطعنا وادينا

جيناكم يالمعازيب ياللي تعِزُّون الغريب

جيناكم يا هل الشومة، سمعنا بطاري العزومة

وهذا يوضح أهمية دور المعزّب في تخفيف عناء ومشقة السفر، خصوصاً في وقت لم تكن رفاهية وسائل النقل الحديثة متوفرة، واستعداده الدائم لاستقبال الضيوف بدون استعداد أو تحضير مسبق، أو طلب منهم، فهي مهمّة مقدّسة ومطلقة، يقول الكاتب والمفكّر الأردني ناهض حتّر في كتابه “المعزّب ربّاح” والذي ندين له بالفضل في كثير مما جاء في هذا البحث، أن المعزّب يكون رابحاً، بل ربّاحاً لأنه:

  1. يستجيب للواجب المطلق ويربح كرامته الإنسانية في مجتمع يلتئم على الضيافة.
  2. يربح التكريم المعنوي.
  3. يربح التكريم الفعلي حين ينقلب بدوره إلى ضيف، ليس على أمل السداد ولكن في سياق مطلق أيضاً.
  4. وعلى المستوى العملي يربح المعزّب، اطعام أهل بيته وعزوته وجيرته.

 

في مطعم إرث الأردن كلنا معزّيين نحرص على تأدية واجب الضيافة على أكمل وجه

واجبات المعزّب – حقوق الضيف :

  • التهلّي والترحيب بالضيوف واستقبالهم حتى لو كانوا على خصومة أو عداوة مع المعزّب
  • ربط الخيل وتقديم العلف لها، إذ للخيل رمزية خاصة في المجتمع الأردني، فهي مرتبطة بالرجولة والشجاعة، والرجل يحب فرسه ويهتمّ بها، والاهتمام بالخيل جزء من عملية الضيافة ومن إكرام الضيف.
  • بسط الفراش، ويتم إكرام الضيف وتوجيبه بتوجيهه للجلوس في صدر المجلس، وعلى الضيف الاستجابة لرغبة المعزّب في مكان الجلوس، فهو أعلم بزوايا بيته، ويضمن الترتيبات اللازمة لضمان الموازنة بين راحة الضيف وحماية خصوصية البيت.
  • تقديم القهوة، يقدمها المعزّب للضيف حال وصولهم وللقهوة أدبيات خاصة تم تناولها في بحث كامل ومختص على موقعنا.
  • تقديم الطعام، يقدم للضيف بعد وصوله وشرب القهوة، بغض النظر عن وقت حضوره، فيذبح له ويولم ويدعو الأهل والجيران لمشاركته تناول المنسف، والضيافة إحدى المناسبات القليلة التي يتم ذبح الخراف فيها، حيث لا ذبيحة في التقليد الغذائي الأردني إلاّ بمناسبة حياتية، كالزواج والولادة والوفاة والسكن ( النزالة للجيران الجدد ) وغير ذلك، وفي قمة هذه المناسبات تقع الضيافة، وذلك في اقتصاد انتاجي يتعامل مع الحلال كوسيلة إنتاج، لا وسيلة استهلاك، وحين يدعو المعزّب الضيوف لتناول الطعام يلتزم أدباً وحرصاً منه على الاعتذار عن التقصير، فيقول: “اعذرونا من القصور”.

  • الإكرام والمساواة بين الضيوف، وعدم تمييز بعضهم عن بعض، فأسوأ ما يفعله المعزّب هو إكرام بعض الضيوف وإهمال بعضهم، يقول الشاعر في هذا:

“أول السبع التلوف                         عزلك ضيوف عن ضيوف”

وفي ذات الوقت تؤخذ الأولوية والتراتبية في عين الاعتبار، فالضيف مقدّم على من سواه، ومعه كبار السن والقدر.

  • تلبية الطلب، لا يسأل الضيف عن حاجته وسبب زيارته، ولكن في حال كانت الزيارة بنية طلب شيء ما، فعلى المعزّب تلبية هذا الطلب قدر الإمكان.
  • قبول الاستجارة والدخالة والطنابة، وهذه مواضيع تتعلق بإغاثة الضيف وحمايته ونصرته وسيتم تناولها في أبحاث مخصصة ضمن حقل إرث القضاء العشائري، كما يكون للمعزّب إزاء الآخرين ما يسمى بـ “حق الملحة”، وهي الاعتراف المعنوي بالحماية الشاملة التي يضمنها المعزّب للضيف، فلا يُهان الأخير ولا يُطلب ولا يُؤذى طالما هو في ضيافة المعزّب، والممالحة في الأصل نسبة الى الحليب وهو من معاني الملح، ولكنها تعني أن من أكل لقمة أو شرب لبناً أو ماءً في بيت، فله حينها حق الحماية من قبل المضيف، ولا ينتهي هذا الحق إلاّ حين يمالح الضيف بيتاً آخر.
  • المعزّب لا يأكل، وإنما يخدم ضيفه ويعمل على راحته خلال تقديم الطعام، كما أنه ملزم بالآداب المرافقة للضيافة، فيتكلم للضيف بما تميل له نفسه، ولا يشكو الزمن أو ينظر للساعة أو يسأل عن الوقت أمام الضيف، ولا يشكو الفقر أو المرض ولا يتثاءب أو ينعس أو يبدي غضباً لئلا يفهم من تصرفه هذا تثاقلاً او تهرّباً من واجب الضيافة.

ثانياً: الضيف

أوضحنا فيما تقدم أهمية الضيافة وكونها نوعاً من أنواع العبادة وجزءاّ من عقيدة الأردنيين، فالضيف في أبجديات الضيافة الأردنية هو “ضيف الله”، وإكرامه هو واجب مقدّس، ويقال في الموروث الشعبي : الضيف أميرٌ إذا أقبل، فله الاستقبال الحسن، وأسير إذا جلس، فهو ملزم بالأدب والحشمة والالتزام بالعادات والقيم المتعلقة بالمجلس والكلام والطعام، وهو شاعر إذا رحل، يتكلّم بالخير عند مغادرة المعزبين ويمتدح ما لاقاه في ضيافتهم من حفاوة وإكرام، وكما للضيف من حقوق والتزامات يضمنها له المعزّب، دون شرط أو مقابل، فعليه واجبات أخلاقية ينتظر منه الالتزام بها بالمقابل.

واجبات الضيف – حقوق المعزّب :

  • عدم استغلال كرم المعزّب وقانون الضيافة كي يطيل الإقامة رغماً عن رغبة المعزّب، ما يعرف بـ “اللحز”، فيصبح “ملحزاً” أو “ملحزة”.
  • عدم رفض تناول الطعام وغالباً هو المنسف، حيث يُقال للضيف “أفلِح” وهي دعوة لبدء تناول الطعام، يقال في الموروث الشعبي: “الفلاح لا يلطم”، أي أن الدعوة لا ترد، ورفضها يعادل صفع صاحب الدعوة، وهي من أكبر الكبائر في قاموس الضيافة الأردني.
عمان ١٩٣٥ – ضيوف حفل زفاف الأمير طلال (الملك لاحقاً) ، يتناولون طعام القرى في بيوت شعر نصبت لاستقبالهم بجوار قصر رغدان العامر

ومن محظورات أكل الطعام عموما والمنسف تحديدا  :

  • اللهمطة: السرعة وعدم التركيز
  • الفغم: أكل الخضار بصوت مرتفع
  • اللغ: سكب اللبن بسرعة ولهوجة
  • الفنش: التغميس بلا أدب
  • اللشوطة: التعجّل على الأكل الحار (الساخن)
  • اللش: كثرة الاكل
  • مسح اليد بطرف الطبق
  • إعادة اللقمة أو بعضها بعد أخذها

رابعاً: دور المرأة الأردنية في الضيافة

لا يميز قانون الضيافة الأردني بين رجل وامرأة في منح الضيف حقوقه، وهذه قيمة أصيلة مترسخة تعبّر عن دور المرأة الأردنية التاريخي في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية، فعلى المرأة في مهمّة الضيافة المقدسة مثل ما على الرجل، والمرأة تشارك زوجها هذه المسؤولية التي تتسع لتصبح مسؤولية العائلة بأكملها، وقد تتعدى ذلك لتصبح مسؤولية العشيرة وفقاً لاتساع دائرة الضيوف، والمرأة هي أيضاً معزبة لبيتها وزوجها، وهي مسؤولة عن عملية الضيافة بكافة أركانها في حال كان زوجها غائباً، فللضيف على المرأة إذاً حقوق الإكرام، والطعام، والقهوة والذبيحة والمنسف، ولكن دون حق المبيت.

الضيافة في مطعم إرث الأردن

بخبرة قرون طويلة من الإسهام في الحضارة الإنسانية من قبل الأردنيين الأوائل، وسنوات من البحث في الإرث الأردني بكافة حقوله قادها فريق عمل مؤسسة إرث الأردن، تم افتتاح مطعم إرث الأردن على اكتاف جبل اللويبدة في قلب العاصمة عمان ليحافظ على استمرارية الهوية الغذائية الأردنية وليمنح الزائر فرصة تجربة أكثر من 60 طبق من المطبخ الأردني الغني والمتنوّع، بمكوّنات ومنتجات صنعتها سيدات من مختلف المناطق والمحافظات الأردنية، ويتم تحضيرها بأيدي كادر عمل محترف ومتميّز من جميع هذه المحافظات، في أجواء أردنية تتيح للزائرين الاطلاع على معرض للصور التاريخية، والتعرف أكثر على الأطباق ورحلة توثيقها، واكتشاف الأردن مع كل طبق.

مطعم إرث الأردن في جبل اللويبدة بالعاصمة الأردنية عمان

المراجع:

o        حتّر، ناهض & أبو خليل، أحمد (2014) المعزّب ربّاح، منشورات البنك الأهلي الأردني. عمان:الأردن

o        بالمر، كارول (2008) الفلاحون والبدو في الأردن: دراسة اثنوجرافية في الهوية الغذائية، تعريب عفاف زيادة, مؤسسة أهلنا للعمل الإجتماعي والثقافي.عمان: الأردن

o        العبادي، أحمد (1994) المناسبات عند العشائر الأردنية، دار البشير.

o        عبيدات، سليمان أحمد (1994) عادات وتقاليد المجتمع الأردني ، الأهلية للنشر والتوزيع.

o        صويلح،  ياسين (2004) مجلة المأثورات الشعبية ، العدد 71.

o    Ramsy and others, Archeological evidence reveals the origins of bread, 14.400 years ago in northeastern Jordan, University of Copenhagen, PIANS Articles.

أبجديات الضيافة في قاموس الكرم الأردني

مقدّمة 

ثمّن أجدادنا الأردنيون الضيافة غالياً، ومن مظاهرها و أعمدتها القهوة، حيث يشرب المعزب ، الفنجان الأول على الملأ ، ليتأكد من سلامة القهوة ومذاقها وجودتها.

وفي العقود الماضية كان لدى شيوخ العشائر الأردنية وبعضهم ما زال لديه حتى الآن، عامل متخصص بصنع القهوة أو قهوجي متخصـص يدعى ( الفداوي )  وهو إضافة إلى إتقانه صانع القهوة، لا بدّ له من أن يتقن العزف بالمهباش في الجرن (الوعاء المخصص لطحن القهوة ) . وجرن الشيوخ مصنوع عادة من خشب البطم أو الزيتون المشغول والمزخرف بمسامير نحاسية ، طوله بين 50-60 سم، والفداوي الذي يكسر النجر أثناء دق المهباش، يستحق عند الشيخ مكافأة خاصة هي عبارة عن رداء يسمى ( لبسة الجرن)، وذلك لأن كسره دليل على كرم الشيخ الذي لا تنطفئُ ناره ولا يتوقف دق المهابيش في داره .

نار القهوة وأدوات تحضيرها في بيت شعر أردني

القهوة أداة للتعبير عند الأردنيين

مع مرور الزمن أصبحت القهوة جزءاً من التركيب الاجتماعي للمجتمع الأردني، وحاضرة في كل المناسبات والعادات، وإحدى وسائل التعبير عن كرم صاحب البيت أو عن الدعوة لتناول الطعام أوعن إجابة الطلب بطريق السماح، إضافة للتعبير عن الحزن أو الفرح، وارتبطت بطقوس مختلفة مثل الشعر والقصيد وأمسيات بيت الشعر والربابة، وهناك الكثير من القصائد والأهازيج التي تتغنى بالقهوة، والتي أصبحت رمزاً للكرم ونارها مضرباً للأمثال، كركن من أهم أركان عملية الضيافة، والتي أوضحنا في بحثنا المفصل عن أبجديات الضيافة أنها ضرب من ضروب العبادة بالنسبة للأردنيين.


القهوة وفن التفاوض عند الأردنيين

ترتبط القهوة بالعديد من التقاليد والمناسبات الاجتماعية، وتنعقد على أدبيات القهوة القرارات الحاسمة، وأهمها الزواج في الجاهة التي يرسلها أهل العريس لأهل العروس لطلب موافقتهم تكون القهوة بداية الحديث وخاتمته، فعندما يقدّم المعازيب (أهل الفتاة) القهوة للضيوف (أهل الخاطب) يضعها الضيوف أمامهم على الأرض، فلا يشربونها، وهذا بحد ذاته لفت نظر للمعازيب أن هناك أمر ما، ذلك أنه عادة ما تقدم القهوة لمجموعة، فإنها تقدم باستخدام ثلاثة فناجين، وحين الانتهاء من صب الفنجان الثالث يتم العودة لأخذ الفنجان الأول فيجده الصبّاب على الأرض، فيفهم أن الأمور تقترن بالطلب، فيأخذ حينها دلته ويعيدها الى جانب النار، وهذا في نفس الوقت تنبيه للحاضرين بأن هناك شيء تريد الجاهة طلبه، مع ما في كل ذلك من تفصيلات ودلالات، ويقوم المعني بالأمر من المعزبين أو من يمثلهم ، ويلقي التحيّة، ويسألهم المعزّب عن سبب عدم شربهم لقهوتهم، ويجيبون بأنهم لن يشربوها حتى تتم تلبية طلبهم، وتبدأ سجالات وجولات عديدة ، قبل الوصول للمرحلة الخاتمة والتي تحضر القهوة ودلالاتها فيها، فبعد الاتفاق وإجابة الطلب، تبادر الجاهة بالقول: صبوا القهوة، ويرد المعازيب: اشربوا قهوتكو، ويتم افراغ الفناجين السابق صبّها من القهوة من جديد، لأنها أصبحت فاترة (غير حارّة بما يكفي للشرب)، ويقال في مثل هذه السياقات بأن: ” الجاهة الشاطرة قهوتها ما تبرد ” ويقصد هنا أن الجاهة الناجحة والتي يتمتع وجهاؤها من القدرة على التأثير والإقناع، لن تحتاج إلى الكثير من الوقت لإقناع المعزّبين بتلبية طلب الضيوف، فهي بذلك إذاً لا تبرد قهوتها نظراً لقصر الوقت بين الطلب والإجابة.

أدوات تحضير القهوة

حبّات القهوة بعد تحميسها واكتسابها اللون البني

تتكوّن أدوات تحضير القهوة من :

1- المحماسة:

وهي من المعدن، وبالذات من الحديد.بحيث تبدو كصحن مقعر ذي مقبض (عصاة) من الحديد مربوطة بالجسم المقعر بواسطة برغيين يثبتانهما معا، وعند هذا الموضع رجلان، لترتكز عليهما المحماسة، بينما في نهاية المقبض ثقب تخرج منه سلسلة أو زرد خفيف من الحديد يقبض بما يسمى (سواطة المحماسة) وهي مطرق من الحديد ينتهي برأس مرقوق بحجم فوهة كأس الشاي الصغيرة، وبها تحرك حبات القهوة داخل المحماسة وهي على النار.

توضع حبات البن بالمحماسة، وتقلب وتحرك بيد المحماسة حتى يتحول لونها الأخضر إلى أشقر أو المائل للسواد ثم توضع على قطعة قماش أو جلد، حتى يبرد، ثم تدار في المهباش، حيث تدق لتكون مسحوقا يصنع منه القهوة.

وتستعمل (البشعة ) : لتحريك المحماسة وهي على النار مرفوعه على ثلاثة احجار تسمى (لدايا) وتكون على شكل مثلث، كما ان (البشعة) كانت تستخدم لكشف الشخص الكاذب بوضعها على لسانه ولسعه حسب قوانين القضاء العشائري.

2- المهباش:

أما الجُرن (المهباش) فهو أمر يعتز به صاحب البيت ويطرب له ويعتبر في الوقت نفسه وسيلة نداء لمن يسمعه من الجيران أو عابري سبيل للضيافة. ولدق الجُرن نغم يتفنن به كثير من الناس فهو بالإضافة إلى عملية طحن البن والهيل فإن عملية الطحن هذه تتم بإيقاعات متناسقة، وهو المدقة الكبيرة التي يتم فيها دق القهوة بيد خاصة من الخشب أيضًا، (ويمسى النجر، الجرن، وعبدان، الضبوح والعزّام) وهو المصنوع من الخشب وخاصة خشب البطم والزان والبلوط.

واختيار خشب البطم يأتي لكونه قوي وصلب، وسهل النجارة في آن واحد، حيث يمكن لصانع المهابيش النحت والتسوية، والتجميل والزينة فيه كما يشاء، ويمتاز خشب البطم أنه إذا جف لا يتشقق، وعادة يضعون أو يكمرون قطعة الخشب المنوي صنع المهباش منها بعد قطعها مباشرة في الزبل حيث تتوفر رطوبة تعوض عن المفقودة، فيذبل الخشب بدل أن يجف ويتشقق لو بقي في الشمس أو العراء. وصوت النجر من أجمل الأصوات المحببة المقبولة عند الأردنيين. خاصة لمن يجيد دق القهوة فيه.

ويعتبر دق المهباش فناً قائماً بحد ذاته وله أصوله ويستخدم صوته مناديا وداعيا للمجيء والمشاركة في شرب القهوة، وقد تختلف دقاته من شخص إلى آخر وهو فن قليل من يتقنه، وهم المختصون بدق القهوة وتجهيزها.

3- الدلال: مفردها دلة وهي آنية من النحاس واسعة القاعدة والفوهة، ضيقة الوسط، ذات مقبض يدوي ولها (فتحة) كالقناة تصب القهوة منها بالفنجان وهي ثلاثة أحجام، الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، ولكل واحدة دور في صنع القهوة متمم للآخر، ومتفرع عنه إذا صنفناها تنازلياً:

أ. الدلة الكبيرة: وهي التي يوضع فيها الماء عند البدء بصنع القهوة، وتسمى (المطباخ، أو الطباخ) ذلك لأن الماء يغلي مع طبخ حثل القهوة القديم فيها، ويكون حجمها كبيرا قد يبلغ بعضها سعة صفيحة من الماء، أما الثانية فهي الوسطى، التي يوضع فيها مسحوق القهوة، ويصب الماء فيها بعد غليانه بالكبيرة، وذلك فوق القهوة التي يكون دورها بالغليان في الوسطى، وكلما تؤخذ كمية من ماء الكبيرة للوسطى يضاف ماء جديد بدلا منها (وتبقى قريبة من النار) لإضافتها عند الحاجة إلى الدلة الوسطى.

ب. الدلة الوسطى: المسماة (المصفاة أو الثنوة)، لأنها مرحلة وسط، وبها يَصَفَّى الماء المأخوذ من الكبيرة، ليطبخ هنا ويغلي مع القهوة المصحونة حتى يصبح لونها قريب إلى الأشقر أو الاحمرار.

جـ. الدلة الصغيرة (المَصَب): ويوضع فيها البهار، ثم تصب القهوة من الوسطى بعد أن (تصفى، وتركد)، وتترسب المواد العالقة بالسائل، ومن الدلة الصغيرة يتم صب القهوة لشاربيها، وتسمى الصغيرة (البكرج)، وتحتاج البكرج للنار باستمرار لتحافظ على حرارتها.

4- المبرد: وهو وعاء خشبي مجوف يتم  استخدامه لتبريد القهوة، حيث توضع القهوة المحمصة بداخله إلى أن تبرد قبل وضعها في (المهباش).

5- المنقل: يستعمل لإشعال النار من الحطب أو الفحم، لوضع الدلال والبكرج حول النار لتبقى القهوة ساخنة.

6- الظبية: عبارة عن كيس من جلد الغزال تزيّنه خيوط صوفية ملونة والخرز، توضع فيها القهوة ويكون مربوط معها كيس آخر أصغر حجماً يوضع فيه البهار (الهال )، ويصنع من الكيس من جلد الغزال تقديرا للقهوة واحتراما لها وحفاظا على نكهتها من التغيّر والتبدّل .

7- المصفاة والفناجين ( الفناجيل باللهجة الأردنية)، تستعمل المصفاة لتنقية القهوة خلال مراحل إعدادها، وتستخدم الفناجين الزجاجية المزخرفة لتقديم القهوة، وقد كانت في البداية تصنع من الفخار، ثم أصبحت تصنع من الخزف الصيني الأبيض والمنقوش والملون، وقد يزين جدارها الخارجي بنقوش جميلة، ويجب ألاّ يقل عددها عن ثلاثة، ويكون بجانبها وعاء ماء ليجري تنظيفها بين الحين والآخر.

8- المنفاخ: يستعمل لزيادة إشعال النار .

9- الليف: هو الذي يحجب الهيل من النزول في الفنجان عند صبه . 

10- البيق : تمسك به الدلة إن كانت حارة .

 

بعض أدوات تحضير القهوة

عملية تحضير القهوة

تُحمّس القهوة الخضراء بمحماسة من الحديد، ثم توضع على مبراد من خشب، وبعد أن تبرد توضع في المهباش ليتم دقها وطحنها، وتوضع بعد ذلك على المنقل في طبّاخ وتترك لتغلي لفترة طويلة، حتى تصبح فقاعتها بحجم”عين النملة” ثم تدار في الدلة التي تحتوي على البهار المدقوق، ثم تدار في بكرج أصغر من الدلة، وتقدم ساخنة بالفناجين.

اضافة حبّات القهوة الخضراء ليتم تحميسها في المحماسة
حب الهيل يمنح طعم مميز للقهوة الأردنية
دق القهوة بالمهباش في الجرن ليتم طحنها بعد تحميسها
صب القهوة في الدلال “جمع دلّة”

ومن المهم أثناء التحضير وبعد الانتهاء منه أن ينتبه صانع القهوة أو المعزّب لسلامة القهوة من أي عيب خوفا من أن تكون “صايدة” فيلحقه حق كبير، والقهوة الصـايدة هي القهوة التي لحقها الأذى من طعم غريب أو جسم غريب كالحشرات واوراق النباتات العطرية وغيرها أو أن يعملها شخص على نجاسة ذلك أن القهوة تستطيع امتصاص أي رائحة حتى رائحة الانسان، وقد كان أجدادنا يعرفون ويميزون القهوة الصايـدة عن تلك السليمة نظرا لسلامة مذاقهم واعتيادهم على مستوى جودتها الرفيع، وهناك مسمّيات وأوصاف خاصة بالقهوة التي تخالف أصول تحضيرها وجودة تقديمها منها :

  •  القهوة الغْراق : وهي القهوة التي تكون فيها حبات القهوة غير محمصة جيداً مما يؤثر على طعمها .
  • القهوة الحْراق : وهي القهوة التي تكون فيها حبات القهوة قد حُمّصت إلى درجة الاحتراق مما يؤثر على طعمها.
  • القهوة كثيرة الماء : وهي القهوة التي تكون فيها كمية الماء أكثر من القهوة بنسبة مرتفعة .
  • القهوة المسّربه : وهي القهوة المتبقية في نهاية الدلة بعد نفاذ الكمية الموجودة فيها إذ تكون رواسب القهوة أكثر من سائل القهوة .
  •  القهوة الدافيه ( الدافئة ) : وهي القهوة التي انخفضت درجة حرارتها وأصبحت غير مستساغة للشارب .
  • القهوة الشايشة : وهي القهوة التي يقوم المعزب بصبها بعد الغليان مباشرة بحيث تكون المواد الصلبة منتشرة على سطحها في الدله ولم تترسب بعد .

عمليّة تقديم القهوة

كما أشرنا في قواعد التعامل مع القهوة عند الأردنيين فإن من واجب صباب القهوة أن ينحني ليصبح الفنجان أدنى من صدر الضيف وفي متناول يده، وعند صب القهوة في الفنجان ينزل خيطا رفيعا من القهوة مع رفع الدلة عن الفنجان دون قطع الخيط، والغاية من هذه الحركة إمتاع الضيف بمنظر انسكاب القهوة قبل شربها. ويحمل صباب القهوة البكرج بيده اليسرى ويقدم الفنجان باليد اليمنى بعد أن يضرب فوهة الدلة بطرف الفنجان للفت انتباه الضيف الذي يسكب له، وشارب القهوة إن هز فنجانه بعد شربه فيعني أنه اكتفى، وان لم يهزه يبقى صباب القهوة يصب له إلى أن يهزه، وهنا يقول الشارب “عمار” أو “دايمة” أو ” عن وساع ” ويرد الصبّاب : “صحتين”، وفي حالة الترح وتقديم واجب العزاء لأهل الميت تعتبر هزة الفنجان أو شرب أكثر من فنجان أو استخدام لفظة “دايم” من الأمور غير اللائقة واللا مقبولة لأنها جميعاً تعبّر عن الأمل بدوام الحال، وتكرارالمناسبة، وهذه أمنيات مستخدمة ومقبولة في حالة الفرح فقط، لذلك يجب الاكتفاء بوضع اصبعي السبابة والوسطى على الفنجان دون هزّه.

ومن واجب الضيف أن يتناول الفنجان باليد اليمنى والتصرف بغير ذلك معاكس لقوانين الضيافة الأردنية، فلا يجوز مقابلة اليمين باليسار، لأن ذلك احتقار للمضيف وازدراء له، كما أنه لا يجوز أن يتناول الفنجان وهو متكئ، بل عليه أن يستند وأن يكون جالسا باحترام.

كما أن هنالك العديد من القصائد في اللهجة المحلية التي تمتدح قهوة البن وتصف صنعها وتقاليدها ؛ ومنها :

يا عاملين البن وسط التراميس

 لا تقطعونه من حشا مرضعاتو

ردوه لامات الخشوم المقاييس

 صفر الدلال اللي عليها حلاتو

 ما عاد شفنا البن وسط المحاميس

يحمس وصوت النجر طوّل اسكاتو

القواعد الأردنية في التعامل مع القهوة

و لدى العشائر الأردنية مجموعة من القواعد الرئيسية للتعامل مع القهوة، إذ أنه كما للضيافة قانون، أيضاً للقهوة قوانينها وآدابها التي تحكم الضيف والمضيف معاً؛ وقد ذكرنا بعضها في السياق ونعيد ذكر أبرزها وأهمها تباعاً مع دمجها مع بعضها البعض حسب تشارك مواضيعها ليسهل فهمها للقارئ:

القاعدة الأولى: (القهوة مفتاح السلام و الكلام)، أي أن الضيف و المعزّب لا يأخذان راحتهما بالكلام إلا بعد أن يشرب الضيف فنجان القهوة الأول، فيكون بذلك قد مالَح المعزب وأمن أحدهما الآخر وأخذا حريتهما بالكلام في أمان مطلق، ومن المعروف أن القهوة لا تقدم فاترة أو قليلة الدفء، ومهمة من يقوم بصبّها سواء كان المعزب أو صبّاب القهوة أن يتأكد من حرارتها وسلامتها وجودة مذاقها، ولذلك عليه أن يشرب الفنجان الأول قبل الجميع ويسمّى فنجان الهيف، وواحد من أبرز أسباب ضرورة شرب الفنجان الأول من قبل المعزّب أنه قد تعتريه برودة السطح وبذلك يقدم الفنجان الثاني للضيف ساخناً.

القاعدة الثانية: (القهوة قصّ مش خَصّ لو كان أبو زيد عاليسار) أي أن تقديم القهوة يبدأ من الجالسين على يمين المعزب الذي يقدم القهوة ثم يستمر باتجاه اليسار بغض النظر عن منزلة الشخص الجالس إلى اليسار. و تكسر هذه القاعدة فقط في حال وجود ضيوف غرباء، حيث يبدأ المعزب تقديم القهوة عندهم، وحينها تتحول القاعدة لتصبح ( القهوة أولها خص وثانيها قص )، أما في الجاهات ، يقدّم أول فنجان لكبير الجاهة، ثم لأفرادها، ولكنهم يمتنعون عن شربها، حتى إذا تمّت استجابة المعزب لطلب الجاهة، قال لهم : اشربوا قهوتكو، وهذه القاعدة سنأتي عليها بشيء من التفصيل في عنوان قادم.

القاعدة الثالثة: (فنجان للضيف، فنجان للكيف، و فنجان للسيف) أي أن نِصاب القهوة ثلاثة فناجين. و كان من حق الضيف الداخل إلى بيت أحدهم أن تقدم له القهوة، و إذا لم يحصل ذلك يحق للضيف أن يطالب المعزّب بالحقوق الناجمة عن عدم احترامه.

القاعدة الرابعة: يمسك المعزب أو صبّاب القهوة الدلة بيسراه والفناجين بيده اليمنى، ويصب القهوة وهو واقف ثم يناولها للضيف بيده اليمنى، وتصب بالفنجان كمية قليلة لا تزيد عن حجم ملعقة طعام فالقهوة لغاية الضيافة والكيف وليست لتحصيل الشبع أو الجشع ، ذلك أن الأردنيين يصفون كمية القهوة في الفنجان بـ ( شفَهّ وهَفهّ) أي أنك تَشِفْ شَفَّ ثم تَهُف هَفَّ فتنتهي الكمية في الفنجان ورغم أن هذا معاكسٌ لكرم الأردنيين الذي يقدمون كل شيء بزيادة إلا القهوة فالزيادة تكون فقط بالبهار والهيل وفلسفتهم في ذلك أن الدلة الواحدة يجب أن تكفي عشرات الجالسين كما أن الأشياء العزيزة تكون في شُح والحصول عليها قديما لم يكن بالأمر الهين.كما أن زيادة القهوة في الفنجان تدل امتلاء قلب صبّاب القهوة بالغضب والحقد وهو أمرٌ معيب وشائن بحق الضيف، كما أن عليه أن يراقب القهوة التي يصب منها فلا يقدمها والحثل يندلق في قلب الفنجان، فهذه علامة على نفاذ كمية القهوة ويجب تبديل الدلّة فورا.

القاعدة الخامسة: يجب على الضيف تناول القهوة بيده اليمنى، ثم أن يشرب ويرجع الفنجان إلى صبَّاب القهوة يداً بيد ولا يجوز أن يضع الفنجان جانباً قبل أن يشرب منه إلا في حالات فنجان الجاهة.

القاعدة السادسة: يستمرّ صبَّاب القهوة بتقديم القهوة عن يمينه للضيوف بعدد الفناجيل التي بيده وبعدها يعود لأول ضيف فيأخذ منه فنجاله ويستمر في تقديم القهوة من حيث توقف، وهكذا حتّى آخر ضيف، ومن العيب ترك أحد الضيوف دون أن تُصب له القهوة سهواً، فعيون الذي يصب القهوة عليها أن تكون أحدّ من عيون الصقر، وعليه أن يدور على الضيوف باستقامة وبثبات حتى لا يدلق شيئاً من القهوة على أحدهم.

القاعدة السابعة: من المعتاد أن ينحني صبَّاب القهوة أثناء تقديم الفنجال للضيف، وفي ذلك زيادةٌ في الاحترام للضيف، وعلى الضيف بالمقابل الاستناد أو تعديل جلسته عند تناول القهوة من المعزّب أو الذي يصبها احتراما لضيافته، يقول المؤرخ الدكتور محمد أبوحسّان :”و أَذكر في ذلك أنني كنت ضيفاً عند أحد بيوت منطقة تقع جنوب مطار الملكة علياء الدولي، ولم ينحنِ صبَّاب القهوة عندما قدّم لي الفنجال، فلاحظ ذلك المعزب وقام بصرفه من البيت واعتذر لي اعتذاراً خجلت لشدة صدقه و إلحاحه وأبى إلا أن يقدِّم لي القهوة بيده ويقف أمامي إلى أن فرغت منها وهززت له بفنجالي.

القاعدة الثامنة: إذا كان الضيف مشغولاً بالحديث أو خلاف ذلك ينبهه صَبَّاب القهوة إلى وجوده بأن يدق الفنجال بمقدمة الدلّة، كما أنه من غير اللائق ترك المعزّب أو صبّاب القهوة واقفا لفترة أطول من اللازم، وعلى الضيف أن يهز الفنجال لدى إرجاعه كإشارة إلى أنه لا يرغب بالمزيد، فإذا لم يهزه وجب على الصَّباب أن يعيد الصب.

القاعدة التاسعة : من العيب النفخ على الفنجان إذا كانت القهوة ساخنة، ولكن يمكن تحريك فنجان القهوة باليد قبل شربها للمساعدة على تبريدها، كما يمكن شربها على ثلاث جرعات.

معزّب غانم باللباس الأردني يقوم بتقديم القهوة الصورة بعدسة الصحفي سهم الربابعة

لمن تصب القهوة أولاً ؟

تتنوع حالات وقواعد أولوية صب القهوة، وأهم هذه القواعد والحالات:

  • البدءُ من اليمين: من الآداب الرئيسية لتقديم القهوة عند الأردنيين هي أن تدار من اليمين إلى اليسار، وهم يقولون: ”القهوة قص ما هي خص لو كان أبو زيد على يسارك”، ويعني ذلك أن الأصل في تقديم القهوة أن يناول صبّاب القهوة الفنجان الأول إلى أول شخص على يمينه، ثم يستمر باتجاه اليسار حتى لو كان أبو زيد الهلالي – وهو فارس مشهور ويضرب به المثل – على يساره.
  • البدءُ بصاحب الرأي: في حالات أخرى خاصة لا يجوز تقديم الفنجان الأول لرجل ما لمجرد قعوده في يمين المجلس، حيث يجب أن يكون الفنجان الأول من نصيب صاحب الرأي، وهو الشخص الذي يمتاز برجحان عقله وقوة حكمته، وسداد رأيه، ولا شك أن هذا التقليد يعكس أهمية الرأي عند العشائر الأردنية، واحترامهم للحكمة والعقل وتدبير الأمور .
  • البدءُ بالضيف: إما إذا أعدت القهوة على شرف ضيف قادم من منطقة بعيدة، أو إذا دخل أثناء إعدادها فإن الدور يبدأ به أينما كان مجلسه، ويستمر بمن يجلس عن يمينه حتى ينتهي بمن يجلس عن يساره.
  • البدءُ بكبير السن: إذا كان عدد الضيوف أكثر من واحد فإن الدور يبدأ بأكبرهم سنا، ثم الذي يليه ، وإذا التبس الأمر على ساقي القهوة، فعليه أن يحرك الفناجين بين يديه مصدرا صوتا، إشعارا للضيوف أنه عاجز عن معرفة كبير السن بينهم، وفي هذه الحالة، على الضيوف أن يبينوا له ذلك، ويشيرون عليه بصب القهوة للذي يسمونه من بينهم.

وفي هذا السياق يضيف الباحث الأستاذ سليمان أحمد عبيدات إلى أن من الأخطاء الفادحة عند البعض أن يتجاوز ساقي القهوة أي شخص عند تقديم القهوة، ويعتبر ذلك أكبر إهانة واحتقار له، ولا يُفعل هذا الأمر قصدا وعمدا إلا أن يكون المقصود قد هرب من معركة أو اقترف جرما أخلاقيا، أو قام بعمل مشين لا يؤهله لأن يجلس بين الرجال ويشاركهم شرب القهوة.

دلالات هز الفنجان

بعد أن يرتشف الضيف فنجانا أو عدة فناجين من القهوة عليه أن يناول الفنجان لصباب القهوة بعد أن يهزّه عدة مرات بيده اليمنى الممدودة إلى صباب القهوة ليشعره بأنه اكتفى من شرب القهوة، فيتوقف حينئذ الصباب عن صب القهوة لهذا الرجل والمقصد من عملية هز الفنجان أنها مرتبطة بحركات لغة الإشارة والإيماءات بالوجه واليد والعينين وهنا كحركتين مختلفتين في هذا السياق فإن لهما معاني مختلفة:

  • الحركة الأولى: دفع راحة اليد التي تحمل الفنجان باتجاه خارج الجسم قليلا.
  • الحركة الثانية: رفع راحة اليد المذكورة إلى أعلى والتوقف لحظات مع هز الفنجان.

وهذا يعني في أن الحركة الأولى تعني طلب الابتعاد بالقهوة، أما الحركة الثانية فتعني طلب التوقف عن صب القهوة ، أي الاكتفاء من شرب القهوة عند هذا الحد، سواء كان الشخص قد تناول فنجانا أو أكثر. 

فنجان قهوة أردني بالشكل المتعارف عليه

رمزية عدد الفناجين وترتيبها

أحيط عدد الفناجين التي يشربها الضيف بالدلالات الرمزية، فالقول الشائع أن القهوة ثلاثة فناجين، الأول للضيف والثاني للكيف، والثالث للسيف، فما دلالات هذه التسميات؟ نستعرضها فيما يلي:

  • الفنجان الأول : وهو الفنجان الذي يأتي بعد فنجان الهيف ويسمى فنجان الضيف وهو فنجان الترحيب بالقادم سواء كان معروفا أو غير معروف، وشرب هذا الفنجان لا بد منه إلا لعلة مرضية واضحة، ويمكن للضيف أن يرفض الفنجان الثاني، أما رفض الفنجان الأول فلا يجوز ويحسب إهانة كبيرة بحق المضيف وإنذارا بشر أو طلب صعب.
  • الفنجان الثاني : يسمى فنجان الكيف ويوصف من يشربه أنه صاحب كيف، وهو على استعداد لمسامرة مضيفه ومؤانسته وتبديد وحشته.
  • الفنجان الثالث: يسمى فنجان السيف ويفترض بمن يشربه أن يكون عونا للمضيف في حالة الشدة وأيام الحرب، وهو على استعداد لمشاركة مضيفه في رد أي عدوان يقع عليهم. وهو أشبه ما يكون بعقد تحـالف عسكري وميثاق أمني ما بين الضيف والمضيف وفي هذا الموضوع أورد الاستاذ الباحث ياسين صويلح قصة أحد شيوخ القبائل البدوية وقد اتجه مع رجاله إلى مكان آخر بقصد التجارة، وعند حلول الليل حطوا رحالهم يستريحون، فرأى الشيخ ضوءاً فترك رجاله وقصده لاعتقاده أن الضوء صادر من قرية، لكنه فوجئ بخيمة لأحد المماليك، فأصر المملوك على استضافته، فشرب الشيخ فنجاني قهوة، واعتذر عن الثالث بإصرار، وحين استفسر المملوك عن سبب إصراره ورفضه الفنجان الثالث، أجاب الشيخ بأنه جاء تاجراً وليس محارباً.

وقديما كان هنالك فنجان آخر خاص ونادر التقديم وهو ليس من فناجين الضيف الثلاثة ولا يقدّم أو يشرب إلا في حالة الثأر والحرب ويسمى  فنجـان النشامى أو فنجان الفارس أو فنجان الدم وكلّها سيّان، ويقدّم الفنجان عندما يطلب صاحب الدم أو الثأر في العشيرة ثأره – سواء كان شيخ العشيرة أو رجلا كبيرًا في السن أو إمرأة أو من هو غير قادر على انفاذ ثأره – فيستدعى عقداء الخيل وفرسان العشيرة من قبل صاحب الثأر ويصب القهوة في الفنجان ويرفعه عاليا على رؤوس الأشهاد وأمام الجميع ويقـول :

هــذا فنجـان فـلان بن فـلان – يقصد به الشخص المراد أخذ الثأر منه – من يشربـه ؟، أي من يأخذ حقنا أو ثأرنا أو دمنا منه؟، فيقوم أحد الفرسان ممن يتطوعون لجلب الحق أو أخذ الثأر فيقـول : أنا له ، في تعبير عن قدرته على تعمل مسؤولية وتبعات هذا الفنجان، فيأخذ الفنجـان ويشربـه، ويذهب في طلب هذا الشخص ولا يعـود إلى عشيرته إلا بعد إحضـار البينة على أنه انتقم لصاحب الفنجـال من الشخص المطلوب، وإلا فله أحد خيارين :

  • إما أن يجلي – يرحل – عن مضارب عشيرته ولايعـود لها أبدا لما لحقه من ذل وعار عدم وفاءه بالوعد.
  • وإما أن يعود محملا بالخزي والعار ويصبح مدعاة لسخرية أفراد القبيلة صغيرها وكبيرها رجالا ونساء، فلا يتزوج منها ولا يخرج للحرب مع فرسانها ولا يجلس مجالس الشيوخ والفرسان.

وقد سبق وأن شرب هذا الفنجان عدد واسع من شيوخ وفرسان العشائر الأردنية خلال حروبهم وطلبهم للثأر من جيش الاحتلال العثماني أثناء الثورات الأردنية الصغرى والوسطى، ولعلّ أشهر هذه الحوادث، حادثة شرب الشيخ البطل الشهيد اسماعيل المجالي ( الشوفي ) لفنجان الثأر للشهيدين سيّد وعلي ابنا الشيخ ابراهيم الضمور بعد حرقهما على يد ابراهيم بن محمد علي باشا والي مصر المنقلب على العثمانيين.

  • المراجع:
  • حتّر، ناهض & أبو خليل، أحمد (2014) المعزّب ربّاح، منشورات البنك الأهلي الأردني. عمان:الأردن
  • بالمر، كارول (2008) الفلاحون والبدو في الأردن: دراسة اثنوجرافية في الهوية الغذائية، تعريب عفاف زيادة, مؤسسة أهلنا للعمل الإجتماعي والثقافي.عمان: الأردن
  • العبادي، احمد (1979) المناسبات البدوية ، عمان: الأردن
  • العبادي، أحمد (1994) المناسبات عند العشائر الأردنية، دار البشير.
  • الحوراني، هاني (1978) التركيب الاقتصادي الاجتماعي لشرق الأردن، مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت:لبنان
  • نتائج المسح الميداني في الكرك القائم على المجتمع المحلي (2013-2016) وزارة القافة الأردنية، عمان:الأردن.
  • نتائج المسح الميداني في البلقاء القائم على المجتمع المحلي (2013-2016) وزارة الثقافة الأردنية، عمان:الأردن
  • نتائج المسح الميداني في الزرقاء القائم على المجتمع المحلي (2013-2016) وزارة الثقافة الأردنية، عمان: الأردن
  • أبو حسّان، محمد (2005) تراث البدو القضائي نظرياً و عملياً، الطبعة الثالثة.
  • عبيدات، سليمان أحمد (1994) عادات وتقاليد المجتمع الأردني ، الأهلية للنشر والتوزيع.
  • صويلح، ياسين (2004) مجلة المأثورات الشعبية ، العدد 71.
  • زيارات ومقابلات، إرث الأردن الميدانية أثناء مرحلة البحث.

أدبيات التعامل مع القهوة الأردنية

مقدمة تاريخية
تعود معرفة الانسان بقصب السكر لفترة مبكرة تقدر بحوالي ثلاثة الآف سنة قبل الميلاد، حيث استقدم من الهند وانتقلت زراعته إلى بلاد الشرق الأوسط ومن الشرق انتقلت زراعته إلى بلاد الغرب ولقد ذكرت المصادر العربية انتشار قصب السكر في بلاد الهند، ومما قاله القلقشندي ” قصب السكر كثير للغاية في بلاد الهند ومنه نوع أسود صلب المعجم وهو أجود للامتصاص لا الاعتصار، ولا يوجد في غيرها ويعمل من بقية انواعه السكر الكثير..”
ولقد وجد قصب السكر في مختلف بلدان الشرق الأوسط ومنها خوزستان وفي العراق حيث كان يزرع حول البصرة وفي سنجار كما وجد ايضا في اقاليم أخرى من العراق حيث يذكر القلقشندي وفرته في دجلة الأهواز.
أما ذكر السكر في المصادر القديمة فيعود إلى الفترة الهيلينية فقد أشارت إلى القصب الذي ينتج عسلا بدون تدخل أو مساعدة من النحل، بينما قام بعض العلماء بوصف سائل السكر في المعالجات الطبية كما ذكر قصب السكر في المصادر العربية إذ عرف العرب زراعته وصناعته، حيث استخدموه في صناعة الأدوية والعقاقير الطبية، إذ ورد في مخطوطة كتبت في زمن الفاطميين في كتاب ” المرشد إلى جواهر الأغذية وقوى المفردات في الأدوية” عن أهمية السكر في العلاجات الطبية .
وفي أوروبا عرف قصب السكر قديما ولكنه لم يستخدم كثيرا في  البلاد الأوروبية إلا في القرن الثاني عشر الميلادي وما بعده، ويعتبر العرب أول من استعمل السكر في الأدوية وأول من علم الأوروبيين صناعته باتخاذه من القصب، ومن المعروف أن زراعة قصب السكر وصناعته انتقلت إلى أوروبا قبل القرن الثالث عشر ميلادي، فلم تكن أوروبا قبيل هذا التاريخ تعرف زراعة القصب وصناعة السكر، وتؤكد المصادر اللاتينية أنّ أهالي هذه المنطقة كانوا أكثر تقدما من أوروبا في استخدام الطاقة المائية في الصناعة، وبلغت زراعة القصب وصناعة السكر في أوجها في العصريين الأيوبي والمملوكي، فأقيمت معاصر السكر أو طواحين السكر على سواحل البحر الأبيض المتوسط المشرقية.
أما صناعة السكر في الفترة المملوكية فكان حصيلة تطور ناتج عن اهتمام الفاطميين والأيوبيين بها، وفي الفترة المملوكية أصبح السكر من أهم الموارد التي دعمت الإقتصاد المملوكي وتشير المصادر إلى أن أرض غور الأردن الممتد من بحيرة طبرية وحتى البحر الميت كانت مهمة جدا في زراعة قصب السكر وإنتاجه وتصديره وهي البداية الحقيقة لإنتاج السكر المصنوع من قصب السكر والذي أخذ إسم مونتريال لاحقاً.

جغرافية منطقة غور الأردن
إن كلمة الغور تسمية محلية لوادي الأردن الأدنى ويعني الأرض الهابطة والمنخفضة التي تمتد من بحيرة طبرية وحتى البحر الميت.
أما فيما يرتبط بزراعة قصب السكر، فقد جرت في منطقة غور الأردن على نطاق واسع، ومن الجدير بالذكر أن العديد من الجغرافيين القدامى أتوا على ذكر هذه المنطقة  ووصف تضاريسها وأنهارها ومزروعاتها ومما جاء عن الجغرافيين بهذا الصدد ما يلي:
ذكر نهر الأردن باسم الشريعة أو نهر الغور الذي ينبع من بحيرة بانياس ثم يخرج من البحيرة المذكورة ليصب في طبريا، ثم ينحدر جنوبا إلى أن ينتهي في بحيرة زغر المعروفة بالبحر الميت، وينضم إليه في منخفض الغور بعد خروجه من طبرية إلى نهر اليرموك، ونهر الزرقاء من الشرق ونهر الجالود، ووادي الفارعة والمالح من الغرب.
أما منخفض الغور فقد كان من المناطق المميزة بطبيعتها التي لائمت الإنسان عبر العصور المختلفة لخصوبة ارضها ووفرة مياهها واصبحت منطقة زراعية منفردة اشتهرت بزراعات متعددة ومتنوعة كقصب السكر، والموز، والنخيل، والبلسان، الحلفاء، والارز.

المسوحات الأثرية
جاءت المعلومات عن منطقة غور الأردن من خلال المسوحات والحفريات الأثرية التي قام بها عدد من المهتمين بتاريخ المنطقة وآثارها، والتي تعود إلى عام 1887م عندما زار المنطقة  العالم الألماني (Schumacher) وقام بتوثيق عدد من المعالم الأثرية مع إعطاء معلومات عنها، ومن بين المواقع التي قام بزيارتها طبقة فحل موثقا ذلك برسم خارطة توضح المعالم الطبوغرافية والمعالم الأثرية وقد أشار (Schumacher) إلى وجود معصرتين قام بتوثيقهما على الخارطة واكتفى بوصف المعصرة الموجودة في الجهة الغربية والتي تعمل بواسطة المياه التي تأتيها من نبع إلى الجنوب لتصب بعد مرورها عبر قناة مبنية من حجارة إلى وادي الجرم، وقد نسبها شوماخر إلى ما أسماه بالفترة المحمدية مشيرا بذلك إلى الفترة الإسلامية دونما تحديد لتاريخها ووظيفتها.
وقد ذكر معصرة موجودة على الجهة الشمالية من وادي زقلاب، وواحدة وجدت في بلدة وقاص كما أشار إلى معصرة على وادي العرب مشابهة لتلك التي وجدت في طبقة فحل لكنه اكتفى بذكره لهذه المعاصر دونما تحديد لتاريخها ووظيفتها.
وجاء بعده الأمريكي (Albright) في بداية العشرينات حيث قام بمسح اثري في منطقة وادي الأردن مركزا على المواقع التي تعود إلى العصر البرونزي والذي لم يشير إلى اي مواقع بها معاصر.
في حين أن تلميذه (glueck) قام بأكبر عملية مسح للأردن بين عامي 1938-1947 ركز خلاله على مواقع العصر الحديدي، وأشار جلوك إلى وجود مجموعة من المعاصر التي تدار بواسطة المياه في كل من: الساسية، تل الطاحون، ووجود أكثر من معصرة في تل أبو القوس.
وفي منتصف السبعينات قامت دائرة الأثار الأردنية بالاشتراك مع الجامعة الأردنية والمركز الأمريكي للأبحاث الشرقية بعمليات مسح اثري في المنطقة الممتدة من نهر اليرموك شمالا وحتى الزاوية الشمالية الشرقية للبحر الميت، بهدف إعادة النظر في تاريخ المواقع السابقة وتوثيق مواقع جديدة، وقد تم توثيق 224 موقعا خلال موسميين متتاليين في عامي 1975-1976، ويعتبر هذا المسح أول محاولة تناولت الفترات الإسلامية بقدر من التفصيل في المنطقة التي شملها المسح الأثري، وكان من بين نتائج هذا المسح رصد العديد من المنشأت التي يعتقد أنها معاصر للسكر أو ذات علاقة بها، وذلك من خلال البقايا المعمارية التي وجدت في 13 موقعا على طول وادي الأردن هي (تل السكر، الراسية الجنوبية، تل أبو البسة، خربة المرقعة، خربة سليخات، كريمة الجنوبية، تل أبو القوس، ضرار، زمالية، العارضية، سبيرة، تل الطاحون، مصليحي)
إضافة إلى ذلك فقد تم العثور على أواني فخارية أطلق عليها أواني السكر والتي استخدمت لغايات التصنيع في عدد من المواقع منها (دير علا، تل قعدان، تل الطاحونة، أبو عبيدة، تل الشونة الشمالي).

خارطة توضح مواقع معاصر السكر في منطقة غور الأردن

كما نلاحظ أن الخارطة تقف عند وادي الموجب، هذا لأن صورة المعاصر في العصر المملوكي- الأيوبي وفي ذلك الوقت كانت الفرنجة محتلة للمنطقة ما بعد وادي الموجب.

الحفريات الأثرية على مصانع السكر في الأردن
وجدت العديد من الحفريات الأثرية في عدد من المواقع التي أمدتنا بمعلومات جيدة عن هذه الصناعة، ولكنها لم تركز على الكشف عن معاصر السكر فقط، وإنما تمثلت في العثور على آواني فخارية استخدمت لغايات تصنيع السكر، حيث وجدت في كل من طبقة فحل، تل أبو قعدان، وتل أبو صربوط.


طبقة فحل
يقع هذا الموقع على قمة جبل أثري يشرف على وادي الجرم، تقع في لواء الأغوار الشمالية التابع لمحافظة إربد شمال المملكة.، ولقد حظيت طبقة فحل بنصيب وافر من الحفريات المنظمة حيث تقوم بعثة أثرية من جامعتي سدني الأسترالية ووستر الأمريكية بالتنقيب في هذا الموقع منذ سنوات، حيث أظهرت الحفريات استمرار الاستيطان منذ العصور الحجرية وحتى الفترات الاسلامية ( الأموية، العباسية، الفاطمية، الايوبية-المملوكية)، وأرجع هنسي أهمية موقع طبقة فحل في الفترة الأموية، إلى أنها كانت تمثل موقعا عسكريا أمويا يتبع جند الأردن، وذلك لقلة البيوت السكنية ذات النشاطات الزراعية، وفي موسم حفريات 1981 عثر بالموقع على مسجد يعود للفترة المملوكية، وكانت المنطقة خلال “الفترة الإسلامية” من أهم المراكز لتصنيع السكر حيث وجدت الآنية التي استخدمت لأغراض التصنيع وذلك أثناء عمليات التجريف في وسط التل وأصبحت القرية الزراعية قائمة في وسط التل في الفترة المملوكية، حيث كان يتم تزويد المنطقة بقصب السكر من المناطق الزراعية المجاورة في وادي الأردن، ولقد دلت الحفريات الأخيرة في وسط التل وهي منطقة المسجد على وجود قرية مملوكية مبكرة معتمدين في تأريخها على قطع نقدية، اضافة إلى وجود اعداد كبيرة من آواني السكر والتي لم تتم دراستها بعد.
طبقة فحل ءئتاؤعهئ

قناه المياه في طبقة فحل مخطط افقي لطاحونة طبقة فحل

تل أبو قعدان
وفي منطقة الأغوار الوسطى تم العثور على مقابرللمسلمين في تل دير علا، الأمر الذي دعا الى العمل في موقع تل أبو قعدان الذي يقع شمالي دير علا، وقد قام franken  ومحمد جمره عام 1967 بعمل مجس بهدف معرفة تاريخ تقريبي لهذه المقابر التي عثر فيها على قطع فخارية تعود الى الفترات الاسلامية من بينها آواني السكر كما عثر على هذه الآواني اثناء العمل في تل ابو قعدان حيث قام بدراستها franken  و kalsbeek  وركزا في دراستهما على صناعة الفخار وتشكيله، ودون إعطاء تأريخ محدد لهذه القطع واكتفوا بذكر “الفترة الوسيطة”.

تل أبو صربوط
أما حفريات موقع تل أبو صربوط الواقعة إلى الغرب من دير علا، فقد أظهرت نتائجها الاستيطان البشري من الفترة البيزنطية وحتى الأموية، ووجدت هناك فجوة في الاستيطان في الفترة العباسية، وكثافة استيطان في الفترة الأيوبية-المملوكية، وقد تم العثور على كميات كبيرة من الفخار الذي يعود لتلك الفترة بأشكالها وخاماتها المختلفة، ومن ضمنها أن السكر التي وجدت بكميات كبيرة.
وفي موسم حفريات 1990 تم العثور على كسر فخارية بكميات كبيرة من بينها عدد لا بأس به من الأواني التي استخدمت في صناعة السكر، وقد تم العثور على خمس أواني بالإضافة إلى اثنتين عثر عليهما سابقا.

تل السكر
يقع هذا التل على مرتفع طبيعي شمال المشارع، حيث ذكر في المسوحات السابقة التي قام بها جلوك 1924 وقد إكتفى بذكر مصطلح (mediaval period) لتاريخها، بينما أرخها المحيسن 1986 إلى الفترات الاموية، الأيوبية -المملوكية وذلك اعتمادا على البقايا الفخارية التي وجدت وخاصة آواني السكر.
يضم الموقع معصرتين للسكر الأولى في الجهة الشمالية والثانية في الجهة الشمالية الشرقية، وتتكون المعصرة الأولى والتي كانت تدار بواسطة شلال ماء منحدر من طبقة فحل نابع من وادي الجرم من بناء واسع مقوس على ارتفاع يقارب 2 م مبني من الحجارة بشكل جيد لحجر العصر الدائري الشكل وفيها ثقب على جانبه لينزل السائل وآخر في الوسط لتحريك الدولاب.
أما بقايا مجرى المياه فقد وجدت داخل البناء المقوس من زاويته الشرقية، إضافة إلى وجود الترسبات الكلسية المتكونة على الجدار الشرقي الملازم لمجرى المياه، الامر الذي يدل على مرور المياه من هذا الاتجاه.

 رسم توضيحي لآلية عمل مصانع السكر

البناء المقوس والقناة

كريمة الجنوبية
تقع مدينة كريمة على الشارع الرئيسي الممتد عبر الضفة الشرقية لوادي الأردن، وتبعد حوالي 3كم شمالي مقام الصحابي أبي عبيدة، ويقع وادي كفرنجة إلى الشمال من منطقة كريمة الجنوبية، تظهر الجبال في الشرق مع حقول منبسطة في الغرب وتغذي المنطقة مياه وادي كفرنجة بواسطة قنوات إلى الجهة الشمالية.
توجد في الموقع قناة محمولة على قناطر في الجهة الشمالية الشرقية ويقع جزء منه على وادي كفرنجة ويتكون من بناء حجري مع أقواس إضافة إلى معصرة في الجهة الشمالية مبنية بحجارة تظهر مشذبة في أسفلها مع حجارة مشذبة وقد رممت فيما بعد بالإسمنت في محاولة لإصلاح ما تهدم أو بناء ما هو ضروري من خدمات حديثة فشوه البناء الإسمنتي العشوائي طابع البناء وطمس معالمها ولم يبق واضحا منها سوى قنوات المياه والتي تستمر حتى الشرق على الجهة الجنوبية من وادي كفرنجة ولكن اثارها غير واضحة بسبب البناء الحديث في المنطقة والذي غطى على معظم اثارها لذلك كان من الصعب تتبعها لمعرفة طولها.

ضرار
تقع قرية ضرار إلى الجهة الشمالية من دير علا وتبعد 1 كم للجهة الشرقية من الشارع الرئيسي، ويوجد في وسط القرية مقام الصحابي ضرار بن الأزور، حيث نسبت إليه، وقد ذكرت الموقع لأول مرة أثناء المسح الأثري الذي قام به إبراهيم وسور وياسين عام 1976 حيث تم تأريخه إلى الفترة الأيوبية- المملوكية.
وقد وجدت في وسط القرية معصرة قديمة تدار بواسطة شلال من الماء وسط البلد يأتيها من سفح الجبل، ولم يبق من أثرها سوى قناة المياه التي بنيت بشكل منحني من الحجارة الجيرية بطول حوالي 45م لتصب المياه المتدفقة عبر قناة داخلية إلى بناء واسع مقوس غير واضح المعالم بسبب ردمه وإختفاء الكثير من اثاره وذلك أثناء القيام بعمليات فتح الطريق في المنطقة والتي أضاعت الكثير من المعالم وخاصة المعاصر حيث ذكر أهل القرية وجود ثلاث معاصر في الموقع لم يبق منها سوى معصرة واحدة مع بعض الاثار الباقية التي من المعتقد أنها تعود الى بقايا مصنع، وقد استمر استخدامها حتى سنة 1967م، لكن كمطحنة للقمح.

المخطط الأفقي لمعصرة ضرار

الراسية الجنوبية
تل يقع إلى الشمال من المشارع، يبعد حوالي 200م شرق الشارع الرئيسي، يحتوي على أراضي زراعية ومناطق صخرية، ضم الموقع معصرة اسفل تل الغربي حيث وجدت حجارة طحن كبيرة تحت البناء المقوس، وتأتيها الماء من عين في طبقة فحل في الجهة الغربية للموقع، تم تأريخ الموقع إلى الفترة الأيوبية-المملوكية.

الساسية
تل على الجانب الجنوبي من وادي العرب، جنوب غرب تل الشونة الشمالية، يحتوي على أراضي مزروعة عند القمة، ويحيط بالتل مجموعة من البيوت وتأتيها المياه من وادي العرب.
اما الأبنية القديمة فتحتوي على جدار يظهر عند الجزء الشرقي من التل ومن المحتمل أنه كان جزء من معصره وذلك من خلال بقايا القناة الموصلة من وادي العرب، تم تأريخ الموقع إلى الفترة الأيوبية-المملوكية.

تل أبو البسه
تل على مرتفع طبيعي، شرق المنشية بحوالي 2 كم، وقد احتوى الموقع على عدد من الجدران الحجرية، إضافة إلى وجود معصره في أعلى الجزء الجنوبي من المنحدر، من المحتمل انها استعملت للسكر، إضافة إلى جدران حجرية من المحتمل أنها تعود لقناة المياه حيث يأتيها الماء من وادي العرب في الشمال، ووجد بناء مقوس فوقه معصرة بازلتية مثقوبة من الوسط، وهي تشبه في نظامها تلك التي وجدت في الرأسية الجنوبية، تم تأريخ الموقع إلى الفترة الأيوبية-المملوكية.

خربة المرقعة
تل على مرتفع طبيعي، شمال شرق الاسماعيلية بحوالي 1كم، احتوى الموقع على معصرة تأتيها المياه من وادي ابو سعيد في الجنوب، ومن المحتمل أنها استعملت لعصر قصب السكر أو طحن الحبوب.
ولقد وجد في الموقع بناء من الحجارة في الجهة الجنوبية بجانب قناة المياه التي ما زالت بعض اثاره ظاهرة ولكن وظيفة هذا البناء غير واضحة  وتم تأريخ الموقع إلى الفترة الأيوبية-المملوكية.

خربة سليخات
يقع وادي سليخات في الجهة الشمالية من الموقع وتبعد عن الطريق الرئيسي حوالي 4 كم، وقد احتوى الموقع على عدد من المعاصر السكر تظهر منها اثنتان في الجهة الشمالية والغربية واخرى في الجهة الجنوبية الشرقية حيث تصلهم المياه من وادي سليخات ، تم تأريخ الموقع إلى الفترة الأيوبية-المملوكية.

تل أبو القوس
تل مرتفع طبيعي، على الجانب الشمالي من وادي راجب ويبعد 5, كم عن الشارع الرئيسي، يحتوي الموقع على عدد من معاصر السكر، معصرتين على حافة وادي راجب من جهته الغربية، ومعصرة في الجهة الشمالية، ومعصرة في الجهة الجنوبية، تم تأريخ الموقع إلى الفترة الأيوبية-المملوكية.

 إنتاج السكر في الأردن عبر العصور
توالت على الأردن الكثير من العصور كان أهمها في تأريخ انتاج السكر عصر احتلال الفرنجة للمنطقة وفي العصرين الأيوبي والمملوكي وغيرهم، وقد اشتهرت المنطقة بزراعة قصب السكر الذي تقوم عليه صناعة السكرعندما سيطر الفرنج على المنطقة ووجهوا عنايتهم بهذه الصناعة التي ازدهرت بوجه خاص في منطقة غور الصافي قرب الكرك  ومنطقة الأغوار الأردنية التي تمتد من جنوبي بحيرة طبرية حتى البحر الميت وما يقع منها في جنوبه قرب الكرك فهي أيضا من المناطق الزراعية المشهود لها بالخصب ووفرة التلال واشتهرت بزراعات عديدة متنوعة كقصب السكر، الموز والنخيل وشجر النيل ، وتمكنوا من إنتاج صنف جيد اشتهر بنعومته وبياضه سمي بسكر ” مونتريال” أو سكر ” الكرك والشوبك”، إذ يعتقد المؤرخون أن “سكر مونتريال” هو أول علامة تجارية شهدها العالم أو على الأقل من أوائل العلامات التجارية تاريخياً.
“سكر مونتريال” كان اسم السكر الذي أنتج من الشوبك ابتداءً من القرن الأول ميلادي بعد أن التقت شبكة الرومان للإمداد العسكري من أوروبا مع العقل التجاري للأردنيين الأنباط وأراضيهم الخصبة في الشوبك أو مونتريال. ولاهتمام الفرنجة بالسكر قاموا بنقل زراعته وصناعته إلى أوروبا، إذ نقله الامبراطور فردريك الثاني في حملة الفرنج السادسة وحمل معه صُنّاعاً من الأردن وأنزلهم في جزيرة صقلية.
وفي فترة الحكم الأيوبي والمملوكي زاد الإهتمام بزراعة قصب السكر إلى حد أن معظم منطقة الأغوار أصبحت اقطاعات خاصة بالأمراء والسلاطين.
وبلغت زراعة قصب السكر وتصنيعه في الأردن أوجها في عصر دولة المماليك فأقيمت لذلك معاصر السكر ومطابخه في جميع أنحاء النور ويقصد بالنور المكان الذي كان يحتفظ به السلاطين بالسكر، وأصبحت أملاك سلطانية خاصة وصار السلطان يعين لهذه المطابخ ( شادا ) خاصا وهو إسم يطلق على حارس السكر المحفوظ للسلاطين، ويجمع ما يتحصل منها من نقود وأعمال وسكر، وقد أسفرت الأبحاث الأثرية التي أجريت مؤخراً عن كشف مئات المعاصر و أعداد هائلة من الأواني الفخارية التي كانت تستعمل لتجفيف عصير القصب.
وبلغ اهتمام السلاطين بالأغوار الأردنية إلى الحد الذي جعلهم يخصصون لها نائبا سموه في كثير من الأحيان (استدار الأغوار) وهو مصطلح فارسي مركب  ويعني استدار الشخص المسؤول عن قبض المال للإنفاق على مطابخ السلطان أو النائب، ولم يكتف السلاطين بذلك، بل جعلوا مطابخ السكر في القصير (الشونة الشمالية) وبقية الأغوار تحت الإشراف المباشر لنائب دمشق، فكان يخرج بنفسه في فترة قطع  القصب وعصره فيمكث هناك حتى يتم عصر القصب، وكانت فترة إقامته تطول أو تقصر بحسب الموسم، حتى أنه  سنة 1377م أقام مدة شهرين وسبعة عشر يوماَ، أما في سنة 1398م فقد مكث هناك ما يقارب من خمسة أشهر في عمل السكر، وكان قصب السكر في هذا العام كثيراً جداً يتجاوز الحد، كمان أن الفلاح الأردني تأثر في زراعة أرضه كبقية بلاد المنطقة بالنظام الروماني فانتهج في ذلك نظام فلاحة الحقلين، بمعنى أنه يعمد إلى إراحة حقل في الوقت الذي يزرع فيه الحقل الثاني ثم يبدل الحقلين في السنة التالية تجنباً لإجهاد الأرض وتحسيناُ للإنتاج، واستعمل الفلاح الأردني في العصر المملوكي في فلاحته الطرق التقليدية القديمة، فكان يحرث الأرض بآلة مخصصة لذلك تسمى السكة في رأسها حديدة تسمى النصل وهو الذي يشق به التربة ويحرث الأرض وكانت هذه الآلة تنصب على رقبة ثورين يحرثان الأرض يسميان (الفدان).
استأثرت صناعة السكر في شرقي الأردن بإهتمام السلاطين في العصر المملوكي، بسبب جودته ونقائه، ومن هناك لقي طريقه إلى الأسواق الأوروبية، وتشير الوثائق الأوروبية إلى وجود سكر الكرك والشوبك في أسواق فلورنسا بين السلع الشرقية المعروضة في أسواقها بين عامي 1310 إلى 1340 م.
ولما كان السكر من السلع الهامة المطلوبة فقد احتكر سلاطين المماليك تجارته، وأصبح السكر الأردني حكراً على السلطان، يتحكم في أسعاره وتسويقه وكان ذلك يثير مشاعر السخط والتذمر لدى الدول المجاورة بسبب ارتفاع أسعار السكر، فقد رفع سعره من 14 إلى 28 درهما للرطل الواحد ثم زيد إلى 30 ونتيجة لاحتجاج أهال المدن والعواصم المجاورة انفصل الحال فيه عن بيع الرطل بستة عشر درهما وانخفضت كلفته إلى ما يعادل نسبة 50%.
كما أن زراعة قصب السكر انتقلت من مدينة الشوبك إلى مصر، عن طريق اصطحاب الملك الظاهر برقوق للعمال الأردنيين والمزارعين المهرة في زراعة قصب السكر وصناعة السكر من أهالي الشوبك وذلك بعد إعادته إلى حكمه في مصر، حيث أبعد لسنوات في الشوبك، وكانت مصانع تكرير السكر في مصر تعتمد على خبرات أبناء الشوبك.

إضافة إلى أن هؤلاء العمال الوافدين المهرة استطونوا بلدة في منطقة بالقرب من مدينة الزقازيق المصرية وأطلقوا عليها اسم بلدتهم الأصلية (الشوبك) ، ولغاية أيامنا هذه تقطن في البلدة عائلة كبيرة يطلق عليها اسم عائلة الشوبكي.

آليه عمل معاصر السكر في ضوء التنقيبات الأثريَّة

يعتمد مبدأ عمل مصانع السكرعلى المياه التي تحرك الدواليب الأفقيَّة أو العموديَّة لتشغيل حجر الطاحون أو العصر المثبت بها، إما بشكل مباشر أو عن طريق المسننات، وهذا تحدده قوة دفع المياه وسرعتها؛ فحجر الطحن أو العصر يحركه دولاب مياه مصنوع من الخشب الصلب والحديد الذي تحركه بدوره المياه التي تصله بثلاث طرق:
1. الماء المتدفق من فوهة قناة أفقيَّة مرتفعة يختلف ارتفاعها باختلاف مستوى منسوب المياه الذي يأتيها من النبع أو الوادي. وتقع قوة المياه المتدفقة مباشرة على حجر الطحن أو العصر، ويتناسب ارتفاع منسوب المياه تناسبًا طرديًا مع قوة دفع المياه.
2.  المياه المتدفقة من مرتفع ليمر عبر قناة معلقة لتنزل من فوهة القناة مباشرة فوق دولاب المياه المثبت بشكل عمودي.
3. المياه الجارية بقوة عالية في النهر أو الوادي من أسفل دولاب المياه المثبت بشكل عمود
أما قوة المياه المتدفقة في الحالة الثانية أو الثالثة فهي قوة غير مباشرة،حيث تحرك المياه الدولاب العمودي الذي يحرك بدوره حجر العصر عن طريق الدواليب المسننة، وتعتمد سرعة حجر العصر على كميَّة المياه وقوة دفعها وسرعتها، وعلى دواليب المياه ونوعها، ووزن حجر العصر،وحجر العصر حجر دائري من البازلت أو الصخر المنحوت، مثبت إما بشكل أفقي حيث يوضع الحجران فوق بعضهما بعضًا وبحيث يبقى الحجر الأسفل ثابتًا بينما يتحرك الحجر العلوي، وتدخل أعواد القصب فيما بين الحجرين، ويتفاوت مقدار الضغط الذي تتعرض له الأعواد تبعًا لتفاوت درجة اقتراب هذين الحجرين من بعضهما بعضًا. وفي بعض الأحيان، يوضع الحجر العلوي بشكل عمودي، بحيث يكون الحجر السفلي أفقيًا وثابتًا بينما يتحرك الحجر العلوي الذي يكون في وضع عمودي. وفي كثير من الأحيان يوضع حجران عموديان بدلاً من حجر واحد.
ويُستقبل العصير الناتج من هذه العمليَّة في أوعية مخصصة له .ثم ينقل بإحدى الطريقتين اللتين سبق ذكرهما إلى قسم آخرمن أقسام المصنع، حيث يطبخ ويغلى ليصب في النهاية في قوالب مخروطيَّة ليصبح على شكل أقماع السكر.

قوة دفع المياه لتحريك حجر المعصرة

حجر المعصرة الأولى

حجر العصر التابع للمعصرة الثانية

الأواني الفخارية المستخدمة في صناعة السكر ودراستها
1.
شكل الجرة الذي يتصف بأنه واسع في أسفله وضيق في أعلاه، ذو جدران سميكة وعجينة خشنة، لا يحتوي على عراوي وتم تشكيله بواسطة الدولاب واستخدام الايدي للضغط على سطحي الإناء الخارجي والداخلي، اذ كان وظيفة هذا الإناء سكب عصير القصب في مراحله النهائية.

أنية فخارية على شكل جرة1

2. الشكل المخروطي الذي يتسع في أعلاه ويضيق في أسفله، وهو يشبه المخروط وينتهي في الأسفل بقاعده مستديرة مثقوبة، جدرانه سميكة ذو طينة خشنة سطحه الخارجي خشن والداخلي أملس، كما لوحظ وجود زخرفة تحت الحافة ولكن زخرفة هذا النوع لم تكن شائعة  ويعتقد أن وظيفة هذا النوع كانت لتجميد ما يتبقى من عصير القصب ولم يكن هذا النوع ليعمر بسبب تعرضه للكسر أثناء استخلاص السكر المتجمد بداخله.

أنية فخارية على شكل مخروط

3. شكل الجرس الذي وجد في تل السكر، كريمة، ضرار تتصف بالعجينة الخشنة وجيدة الحرق، وتحتوي على شوائب بحجم متوسط من البازلت والحجر الجيري ومنها ما صنع بها شوائب دقيقة بيضاء وصوانية ومنها ما يحتوي على شوائب كبيرة كلسية ، وعليها بطانة من الخارج والداخل، ووجد أيضا بعضها يظهر عليها أثار تحزيز خفيف من الخارج.

كما تم العثور في مخيم الكرامة في  دير علا على كميات كبيرة من الكسر الفخارية التي تعود إلى أواني السكر غير أن اعمال التجريف الحديثة اضاعت الكثير من آثارها.
لم يتمكن الباحثون من إعطاء تاريخ محدد لآواني السكر نظرا لتنوع أشكالها والتطور الذي حصل على تفاصيلها ووجود هذه الأنواع في كافة الطبقات في الموقع.
أما عن الفخار في طبقة فحل الذي عثر عليه في مرحلة مبكرة، فقد اشتملت على عدد من آواني السكر التي اتصفت بجدران سميكة وقاعدة مضغوطة إلى الداخل، ونوع آخر اتصف بقاعدة مثقوبة، اما الفخار الذي تم العثور عليه حديثاً، فلقد تم العثور عليه في منطقة المسجد في المنطقة الوسطى من التل، والتي يتم تصنيفها إلى نوعين: إناء، وعاء.
واشتمل فخار موقع حسبان على كسرة واحدة تعود إلى آنية من آواني السكر.

السكر الأردني والعلاقات التجارية الخارجية
 ارتبط الأردن بعلاقات تجارية وثيقة بكل من مصر، سوريا، فلسطين والحجاز وارتبطت أيضا بعلاقات تجارية مع بغداد ففي القرن السابع الهجري، ونستدل من ذلك على أن عمان كانت في الفترة الأيوبية مركزا تجاريا هاما.
كذلك كانت للأردن صلاتها التجارية عبر البحر الأحمر مع الجنوب الغربي والهند والصين، فقد ذكرت المصادر عن وجود (دار الطعم) في مدينة عجلون أعدت للتجار الأجانب وهذه الدار يوجد شبيه لها في مدينة دمشق وتؤدي نفس عمل الوكالة بالديار المصرية، وتجمع في وظيفتها بين إيواء التجار الأجانب وخزن سلعهم، وتشير بعض الوثائق الأوروبية إلى وجود السكرالكركي والشوبكي التي اشتهرت به المنطقة في أسواق فلورنسا  بين عامي 1310م إلى 1340م.
وكذلك نصت المعاهدة  التجارية التي عقدها السلطان العباسي الملك  المؤيد سيف الدين شيخ مع البندقية على أن يتقيد بنصوصها كل من: نائب الإسكندرية والكرك وصفد وحماة وطرابلس، فأصدر أمره بذلك سنة 1412م  بما تخص التجارة الخارجية وتعتبر  هذه المعاهدة من الوثائق المهمة حول آلية تصدير السكر المصنع في المعاصر التي تم ذكرها سابقاَ.
وهذا دليل أن المدن الأردنية كانت لها علاقات تجارية مع البندقية قبل إبرام هذه المعاهدة إذ عُرف أهل الشوبك بنشاطهم التجاري في صناعة السكر والتكسب عن طريق التجارة مع المدن الأوروبية، والإ لما صدر لهم هذا الأمر السلطاني وذات الأمر يتكرر في فترة قيام السلطان المملوكي الملك الناصر محمد بن قلاوون بالثورة بالكرك في سلطنته الثالثة، وخروجه منها للسيطرة على دمشق.
ولم تقتصر مكاسب هذه المنطقة موضوع الدراسة من هذه الحركة التجارية النشطة عبر مردودها على مجرد الربح المادي العائد على أهلها بل كانت تتابع هذه القوافل والتجارية العابرة مجالا خصبا لالتقاء حضاري وثقافي فالطرق التجارية تعتبر طرقا حيوية لنقل الحضارة والثقافة بين الشعوب، فعن طريقها تنتقل الأخبار وما يستجد من مذاهب و آراء وكانت الأسواق التي تحط فيها عبر الأردن ميدانا لتبادل الفكر والمعرفة.

المراجع

  1. ربى أحمد أبو دلو(1991). معاصر السكر في غور الأردن في القرنين الثاني عشر و الرابع عشر الميلاديين في ضو المصادر التاريخية و المكتشفات الأثرية. رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الأردنية، عمان، الأردن.
  2. الهباهبة، طه(2000)، الشوبك: التاريخ والوجدان الشعبي،(ط2)، عمان: دار الينابيع للنشر والتوزيع.
  3. تاريخ منطقة شرقي الأردن في عصر دولة المماليك الأولى / إعداد يوسف حسن سلامة درويش غوانمة ؛ إشراف السيد عبد العزيز سالم، أحمد مختار العبادي.

تاريخ صناعة السكر في الأردن

كشنة بالطحينية

منطقة الانتشار والخصوصية: العقبة
أكلة عقباوية شعبية معروفة ومرغوبة لدى أهل العقبة
توقيت التقديم: تقليدياً على مدار السنة
مدة التحضير:25دقيقة
تكفي2-3 أشخاص

لمعرفة طريقة التحضير يرجى مشاهدة الفيديو أدناه

كشنة بالطحينية

الكشنة بالكزبرة

منطقة الانتشار والخصوصية:العقبة

أكلة عقباوية شعبية معروفة ومرغوبة لدى سكان العقبة

توقيت التقديم: تقليدياً بموسم سمك الفرس الغزير

مدة التحضير:15 دقيقة

تكفي2-3أشخاص

لمعرفة طريقة التحضير يرجى مشاهدة الفيديو أدناه

كشنة بالكزبرة

Scroll to top