مقدمة

إن حضارة الأردن اليوم ما هي إلا ملخص مسيرة الإنسان الأردني عبر التاريخ في حضاراته وثقافاته المتعددة. لقد أدى هذا التراكم الحضاري لثراء غير مسبوق على الصعيد اللغوي والاجتماعي. في هذا البحث سنسلط الضوء على واحد من أهم المشاريع التي تبحث في اللهجات الأردنية، ولهجة عمان العاصمة بشكل خاص. قامت البروفيسورة الأردنية إنعام الور من جامعة اسكس البريطانية بتتبع لهجة عمان وكيفية تشكلها.

تمهيد علمي

تهتم اللغويات الاجتماعية بدراسة نتاج تلاقح وتمازج اللهجات وقد وثقت حالات عديدة على هذا التمازج والتلاقح في مجتمعات مختلفة تعرضت لظروف اجتماعية وسياسية كالهجرة.  تدرس الورقة العلمية التي قامت بإعدادها الدكتورة الور، لهجة عمان من هذا المنطلق. فهي تركز على نتاج تمازج وتلاقح اللهجتين الفلسطينية والأردنية.

الدكتورة إنعام الور المحاضرة في جامعة إسكس

في مثل هذه الدراسات يتوقع الباحثون عددا من الأنماط في  المتغيرات اللغوية Linguistic variants فقد  يطغى متغير في لهجة على متغير آخر في اللهجة الأخرى. وقد تندمج بعض الصفات مشكلة صفات جديدة لا توجد في كلتا اللهجتين. وقد وجدت هذه الحالات في مشروع لهجة عمان الذي أجرته البروفيسورة الور.

في الأبحاث المهتمة بالتغيرات الحاصلة على لهجة ما نتيجة تفاعلها مع لهجة أخرى، نجد أن الباحثين يتعاملون مع لهجة أصلية في المنطقة التي يدرسونها. نتيجة لعدد سكان مستقر ولهجة أصلية يمكنهم قياس التغيرات عليها. ولكن هذا لم يكن ممكنا في مشروع لهجة عمان نتيجة لكون عمان لم تمتلك لهجة أصلية وسكانا ثابتين لمدة جيدة من الزمن فسكان عمان وحتى أولئك الذين ولدوا فيها ينسبون أنفسهم لمدن غيرها فيقولون “أصلي ربداوي” أ يمن إربد، أو “سلطي” من السلط أو “نابلسي” من نابلس. ولكن لا يوجد أي مكون سكاني ينسب نفسه لعمان فيقول “أصلي عمَاني” يعود هذا لفترات الهجران الطويلة التي تعرضت لها عمان عبر التاريخ فبعد أن كانت عاصمة للحضارة الأردنية العمونية ومدينة حظيت بالعناية البطلمية ومدينة ديكابولس شهيرة تم هجرانها بالتدريج عقب دخول المسلمين إلى الأردن وحتى الاحتلال العثماني.

في  الفصل التالي من قراءتنا في بحث البروفيسورة الور سنطالع جغرافية اللهجات في الأردن إضافة لتوزيع السكان.

جغرافية اللهجات في الأردن

مر على الأردن عدة كيانات سياسية كالمملكة العمونية والمؤابية والنبطية والغسانية ولكن الأردن ككيان جغرافي وثقافي كان يتعدى الحدود السياسية التي تم رسمها عام 1921. عرفت الأردن بتسميات كثيرة “جند الأردن” “شرق الأردن/ نهر الأردن” ولكن خلال الاحتلال العثماني وبممارسة سياسيات الإهمال عرفت الأردن ب”مشارف الشام” وألحقت بولاية دمشق. ومن الجدير بالذكر أن الحركة التجارية آنذاك كانت أكثر بين الغرب والشرق لا بين الشمال والجنوب بدلالة العلاقة القوية بين مدينتي السلط ونابلس ومدينتي الخليل والكرك.

في حدود الأردن اليوم، تقسم اللهجات المستخدمة لمجموعتين رئيستين: لهجات شرق وجنوب المملكة وهي لهجة عربية بمتحدثين أقل عددا. والمجموعة الثاني هي اللهجة الشمالية والوسطية وتسمى لهجة مشرقية.

يمكننا تقسيم اللهجة المشرقية في الأردن لقسمين اللهجة الحورانية في شمال المملكة وتمثلها أفضل تمثيل لهجة أهل عجلون. واللهجة البلقاوية في وسط وغرب المملكة وتمثلها لهجة أهل السلط. ويتبقى لدينا لهجة الكرك وهي مشتقة من اللهجة العربية ويعتبرها العالم بالفا Palva لهجة انتقالية بين الشمال والجنوب.

بيوت الشركس في عمان في ختام القرن التاسع عشر

مع العوامل السياسية والاجتماعية ازداد عدد سكان الأردن بشكل عام وعمان بشكل خاص بشكل كبير. عام 1906 كانت عمان مستقرا لخمسة آلاف شركسي فحسب وعام 1930 انتقل الكثير من الأردنيين -خاصة من السلط- إلى عمان وقدر عدد المنتقلين ب5000 فرد. وبسبب الحروب العربية الإسرائيلية تنامى عدد السكان بسبب اللجوء. قرابة 1.5 مليون فلسطيني لجأوا إلى الأردن بين حربي 1948 و 1967. وعام 1990 عقب حرب الخليج، عاد 350 ألف فلسطيني من الكويت إلى الأردن. عام 2003، صار عدد سكان عمان 1.6 مليون متضاعفا 15 مرة عما كان عليه ومشكلا ثلث سكان المملكة.

العوامل الاجتماعية والسياسية وتأثيرها

عرف تاريخيا أن اللهجات السائدة في المنطقة هي لهجة أهل “المدينة” والمدينة هي بقعة جغرافية بمجتمع ثابت ذي أساس تجاري وصناعي. في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كانت السلط تمثل هذه المدينة. حيث كانت السلط أكبر المدن الأردنية حتى ثلاثينات القرن المنصرم وكانت لهجتها تعتبر “مدنية” بالرغم من العناصر “البدوية” الأصيلة فيها. مع قيام الدولة الحديثة، واعتبار عمان عاصمة الدولة الأردنية، تراجعت مكانة السلط ولكن لهجتها ظلت تؤكد على أنها “أردنية أصيلة” خصوصا مع غياب وجود مكون سكاني ثابت في عمان.

عمان 1922 سيدة تقوم بتحضير اللبن “خض السعن” في وادي السير

مع تنامي روح الهوية الأردنية، بدأت اللهجة السلطية باعتبارها اللهجة التي تمثل “الأصالة الأردنية” بالظهور أكثر وأكثر. وقد ساعد موقع السلط القريب من عمان (25 كلم) على ترسيخ هذه الفكرة. على صعيد آخر، كانت النخبة في عمان آتية من مدن كبيروت ودمشق وحيفا ونابلس والقدس وكلها مدن عرف عنها التقدم الحضاري، وكان لها بالطبع لهجتها الخاصة المتمايزة عن اللهجة الأردنية. ومن الجانب الأردني، كان هنالك عائلات عريقة قدمت السلط وسكنت عمان. إذن، في عمان العاصمة، وجد مكونان سكانيان ولهجتان رئيستان. الفلسطينيون والسوريون من مدن مختلفة، والأردنيون من السلط. وكان لعمان أن تخلق لهجة تمزج بين هذين العنصرين.

سلط 1900 اطلالة خلابة على عراقة مدينة السلط الأردنية وتفوق سكانها على الظروف الجائرة

في المرحلة الأولى تأثر الأردنيون (القادمون من السلط) بلهجة أهل المدن الفلسطينية والسورية ويعود السبب إلى أمرين الأول هو تقلد السوريين والفلسطينيين للوظائف العامة والأعمال بشكل كبير والثاني هو ارتباط هذه الفئة بمدن ذات بعد حضاري. وقد درس العالم بالفا Palva  لهجة تلك المرحلة وأكد على تأثر اللهجة الأردنية بعناصر من اللهجة السورية والفلسطينية المدنية. عقب الحروب العربية الإسرائيلية لجأ إلى الأردن كما أسلفنا أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين الذي كانوا ينتمون لقرى فلسطين ويمتلكون لهجة تختلف عن سكان المدن. على عكس الفلسطينيين الذين عاشوا في عمان مبكرا، لم يكن لهذه الفئة الكبيرة من اللاجئين أي تأثير على تشكيل لهجة عمان الحديثة.

هنا، يكون من الجيد توضيح الفرق بين المجتمعين الأردني والفلسطيني. يسود في المجمع الفلسطيني التفريق بين سكان المدن “المدنيين” وسكان القرى “الفلاحيين”  وهنالك فرق كبير وواضح بين اللهجتين الفلسطينية المدنية والفلسطينية والفلاحية. أما المجتمع الأردني قبلي. انتقل نظام التقسيم المتبع في المجتمع الفلسطيني إلى عمان بالرغم من أن سكان المدن وسكان القرى صاروا مواطنين في نفس المدينة إلا أن الانقسام لا زال موجودا بين مجتمع المدينة الفلسطيني ومجتمع القرية.

تشكلت الحكومات الأردنية الأولى من السوريين والفلسطينيين و أثار هذا الرأي الأردني العام. وقد طالب الأردنيون وقتها “بأردنة الجهاز الإداري” واعتبر المحللون السياسيون هذه المطالب أول تعبير سياسي حديث للهوية الأردنية. في ستينات وسبعينات القرن الماضي، دخلت الدولة الأردنية في حقبة التطور والتمدن، وشملت الإصلاحات القطاعات الاجتماعية والسياسية وقد أثرت بذلك على الأدوار التي ضلع الفلسطينيون والأردنيون على القيام بها في مجتمع عمان الحديث.

عقب حرب أيلول عام1970، عاودت مطالبات الأردنيين بالأردنة إلى الظهور تحت شعار “إن كانت منظمة التحرير الفلسطينية تمثل الفلسطينيين فإن الأردن يجب أن يمثل الأردنيين” وهكذا بدأ الأردنيون بتقلد مناصب الدولة ووظائف الخدمات الحكومية ومع الوقت صار شكل الهوية الأردنية أكثر تحديدا من أي وقت مضى. لم يكن هذا الأمر ينطبق على العائلات الفلسطينية التي سكنت الأردن ما قبل التأسيس، وعلى العكس فقد كانت العلاقة بين هذه العائلات وبين العائلة الحاكمة قوية وتقلد أبناؤها مناصب عليا في ستينات وسبعينات القرن الماضي.

ولكن ما علاقة كل هذه العوامل بلهجة عمان؟  ساعد تنامي روح الهوية الأردنية على تمثل اللهجة الأردنية (التي تمثلها هنا اللهجة السلطية) باعتبارها اللهجة الأصيلة التي تمثل الأردنيين. فحتى الرجال الفلسطينيين الذين تقلدوا المناصب كانوا يستخدمون هذه اللهجة.

أما المرأة الأردنية فقد كانت مقصاة تماما من المشهد الإصلاحي والتجديدي في الستينات والسبعينات. فلم تكن تتقلد المناصب التي قد تستدعي استخدام اللهجة الأردنية ولهذا فقد بقيت بعيدة عنها. اقتصر عمل المرأة على التعليم والطب والخدمات العامة وهي ذات القطاعات التي كان الفلسطينيون والسوريون يعملون بها بكثرة. جذبت المرأة أكثر إلى اللهجة المدنية للسوريين والفلسطينيين.

في اللغويات الاجتماعية، لابد من استعراض العوامل الاجتماعية والسياسية التي تخلق اللهجة وتعيد تشكيلها كما أسلفنا. تاليا سنناقش مشروع لهجة عمان الذي قامت به البروفيسورة إنعام الور.

مشروع لهجة عمان

يدرس المشروع لهجة “العمانيين” عبر استخدام طرق البحث المعتمدة في اللغويات الاجتماعية كالمقابلات. يتم بعدها تفريغ المقابلات وتحليلها باستخدام أحدث التقنيات. قابلت البروفيسورة إنعام الور  المشتركين في الدراسة من أربع عائلات اثنتان منهما سلطية والأخيرتان نابلسية وجميعهم يعيشون في عمان.

سجلت البروفيسورة 25 ساعة مع المشتركين في الدراسة كعينة، كان أكبر المشتركين عمرا يبلغ 78 سنة وأصغرهم 12 سنة. مثلت العينة ثلاثة أجيال (الأجداد، والآباء، والأحفاد) وتقسم العينة إلى 8 أجداد مشتركين،و8 أبناء، و14 من الأحفاد (6 ذكور و8 إناث) لم تكتفي البروفيسورة بهذه العينات فحسب إنما أخذت المزيد من خارج عمان، من السلط ومن نابلس لتحصل على كمية بيانات جيدة تكفي لعقد المقارنات.

من الجدير بالذكر بأن العائلات السلطية والنابلسية الأصل يسكنون عمان الغربية. وتعزو الباحثة اختيار هذه العينة، كون عمان الشرقية تتميز بعلاقات أسرية أقوى ويسود فيها نمط العائلات الممتدة، أما العائلات في غرب عمان فالأبناء والأحفاد فيها لا يقضون في الكثير من الوقت مع ذويهم ولهذا سيكون الجيل الثالث (الأحفاد) أكثر اختلاطا بأقرانهم.

عقب تحليل البيانات خلصت الدراسة لوجود عملية أطلق عليها العالم ترودغيل Trudgill  الrudimentary levelling  وهي عملية تقليل الفوارق بين لهجتين عبر تمازجهما، فإما تسود صفة على أخرى أو تنتج صفات أخرى.

في الجيل الأول (الأجداد) من العائلة السلطية الأصل وجدت ظاهرة rudimentary levelling   على صفات صوتية محددة ولكن كان من السهل معرفة مسقط رأس المتحدث من لهجته. في هذا الجيل بدأ اختفاء الصوت /تش/ وهو صوت /ك/ بعد أصوات العلة مثل /كيف= تشيف/. أما بالنسبة للعائلة النابلسية الأصل فقد بدأ الإمالة في بعض أحرف العلة بالاختفاء /سيعة=ساعة/، /امبيرح=امبارح/ وقد ظل هذا التغير ثابتا حتى الجيل الثالث.

من التغيرات الأخرى التي رصدتها الباحثة على الجيل الأول (الأجداد) كانت على النساء السلطيات واللاتي بدأن باستبدال صوت /ث/ بصوت /ت/، وصوت /ذ/ بصوت /د/ واستبدال صوت /ج/ بالهمزة. أما الرجال ذوي الأصل النابلسي فقد استخدموا صوت /ج[1]/ بدلا من الهمزة. وكما أسلفنا، فإن تغير في لهجة السيدات السلطيات نابع من العزلة عن المناصب ومن التأثر بلهجة الفلسطينيات والسوريات القادمات من مراكز الحضارة العربية آنذاك. أما الرجال النابلسيين فقد كان التغير نابعا من تمثلهم للهجة التي تمثل الهوية الأردنية التي تتقلد المناصب والوظائف العامة.

صورة لنهر عمان – المصدر: مكتبة الكونغرس

توصف لهجة الجيل الثاني (جيل الأبناء) ببعض العشوائية والخلط غير المنتظم بين اللهجتين الفلسطينية النابلسية والأردنية السلطية. حيث استخدم أفراد هذا الجيل الضمائر بشكل مختلط مثل الضمير (احنا) في اللهجة الأردنية و (نحنا) في الفلسطينية  والمقاطع المضافة إلى نهاية الكلمات مثل (كلامكو) و(كلامكن)

في الجيل الثالث والذي أسمته البروفيسورة (جيل العمانيين) تقلصت العشوائية والفروقات التي لوحظت في الجيل السابق بشكل كبير. وبدأت لهجة أكثر نظيما وتحديدا بالتشكل. وهنا نستطيع القول بأن لهجة عمان قد تشكلت وصار بإمكاننا الحكم على لهجة الفرد إن كانت عمانية أم لا.

إن المثير في حالة الجيل الثالث بأن صوتان رئيسان يميزان اللهجتين الفلسطينية والأردنية بقيا على حالها ولكن أعيد تشكيل لقواعد التي تحكم استخدامهما وهما الجيم غير المعطشة /ج/ والهمزة. تسمى هذه العملية social reallocation  وقد لوحظت بكثرة عند الأحفاد العمانيين. إن أهم القواعد التي بات يحتكم إليها استخدام هذين الصوتين هو جنس المتحدث وجنس المتلقي. وقد لخصت البروفيسورة إنعام الور حالات استخدام هذين الصوتين كما يلي:

المتحدثات الإناث: تستخدم الإناث الهمزة دائما، بغض النظر عن اللهجة الأصلية سواء كانت أردنية أو فلسطينية.

المتحدثون الذكور: عند المتحدثين الذكور طيف أوسع من الاستخدامات المرتبطة بهذي الصوتين.

  • يستخدم الذكور الفلسطينيون الهمزة عند الحديث مع بعضهم.
  • يستخدم الذكور الأردنيون صوت /ج غير المعطشة/ عند الحديث مع بعضهم.
  • يستخدم الذكور الأردنيون والفلسطينيون الهمزة عند الحديث مع الإناث.
  • في مجموعة مختلطة (فلسطينيون وأردنيون) يستخدم الجميع صوت /ج غير المعطشة/

من السهل ربط هذه الحالات بالسياق الاجتماعي، فكما أسلفنا ارتبطت الجيم غير المعطشة بالبداوة والقسوة، إضافة لارتباطها بالهوية الأردنية التي تتقلد المناصب -سياسيا-.

تغيرات أخرى رصدتها الدراسة تتعلق بلفظ أحرف العلة نهايات الكلمات المؤنثة خصوصا. في اللهجة الأردنية ينطق حرف العلة الأخير مفتوحا مثل (حلوَة) أو (مقلوبَة) أما في اللهجة الفلسطينية فيمال للكسر ليصبح (حلوِة) و (مقلوبِة) وقد استخدم الجيل الثالث مزيجا من طريقتي اللفظ هاتين.

أما التغير الأخير فقد كان على المخاطب فالعمانيون اليوم يقولون (بيوتكم -سألناكم) سواء للذكور أو للإناث ولم يكن الحال هكذا، في اللهجة الأردنية تخاطب النساء بإضافة (كِن) فيقال (بيوتكِن) ويخاطب الرجال بإضافة (كو) فيقال (بيوتكو). أما في اللهجة الفلسطينية تضاف (كَن أو كَن) للإناث والذكور على حد سواء. إن استخدام (كم) لمخاطبة كلا الجنسين علامة فارقة نتجت عن طريق تلاقح اللهجتين.

خاتمة

 مشروع لهجة عمان الذي قادته البروفيسورة الأردنية إنعام الور لدراسة التغير الحاصل في لهجة عمان. وتلخيصا لهذا المشروع يمكننا أن نقول بأن لهجة عمان نضجت على ثلاث مراحل. المرحلة الأولى: الجيل الأول/ الأجداد الذين وصلوا لعمان بالغين وتحدثوا باللهجة التي اكتسبوها أطفالا.  الجيل الثاني/ الأبناء وقد ولدوا في عمان ولم يتعرضوا فقط للهجة ذويهم إنما كان أمامهم طيف أوسع من اللهجات الأخرى التي تأثروا بها وقد وصفت لهجتهم بأنها غير ثابتة أو مستقرة الصفات. والجيل الثالث/ الأحفاد وقد ولدوا في عمان وهنا كانت لهجة عمان قد نضجت وتطورت وخلقت لنفسها صفات جديدة ومستقرة.

____________

 إنعام الور.. أستاذ مشارك في قسم اللغات واللغويات في جامعة اسكس، المملكة المتحدة وعملت سابقا في جامعة كمبردج وكلية بيركبك، جامعة لندن، وجامعة فيلادلفيا الأردنية. الور باحثة متخصصة في علم اللغة الاجتماعي. تركز أبحاثها على التباين والتغير اللغوي في اللهجات الأردنية، التقليدية منها والحديثة ترأس حاليا ، بالتعاون مع بروفيسور عباس بن مأمون، تحرير سلسلة كتب متخصصة في مجال اللغويات العربية، تُنشر كتب هذه السلسلة تباعاً من قبل دار بنجامِن للنشر كما ولها العديد من الكتب والأبحاث والمقالات المنشورة. دكتورة إنعام الور هي أيضاً مؤسِسة “رواق العربية” في المملكة المتحدة، وتقوم على إدارة برنامجي دراسات عليا في مجال علم اللغة الاجتماعي في جامعة اسكس.

المراجع:

للاطلاع على الدراسة كاملة: https://www.academia.edu/6670274/The_formation_of_the_dialect_of_Amman_from_chaos_to_order

The formation of the dialect of Amman. In C. Miller, E. Al-Wer, D. Caubet, J. Watson (eds) Arabic in the City. 2007, 55-76. RoutledgeCurzon., 2007

للمزيد من أبحاث ومقابلات الدكتورة إنعام الور:

مقابلة الدكتورة إنعام الور على قناة رؤيا: إرث اللهجات الأردنية http://jordanheritage.jo/1506-2/

رابط محاضرة الدكتورة إنعام الور بالتعاون مع إرث الأردن: إرث اللهجات الأردني http://jordanheritage.jo/1554-2/

مقال قضايا لغوية: الضاد والظاد للبروفيسورة إنعام الور  http://jordanheritage.jo/linguisticheritage1/

 

[1] الجيم غير المعطشة، تقابل صوت ال g  بالإنجليزية كما  في كلمة لعبة game ويختلف رسمها بين ج وغ ك ولكننا اعتمدنا كتابتها  ج.

مشروع لهجة عمان: بأي لهجة يتحدث سكان العاصمة اليوم؟

مقدمة

هل فكرت يوما كيف تتكلم؟ لا أعني كيف يدخل الهواء لرئتيك وبين دخوله وخروجه وبمساعدة فمك وشفتيك تنطق الأصوات التي تكون كلمات وبلحظات ولا وعي تكون جملا تعبر فيها عن حاجاتك ورغباتك ومشاعرك، إنها اللغة! المعجزة التي نقلت البشر إلى مرحلتهم الأكثر تقدما وتحضرا. واللهجة هي اللغة الأم التي يتلقنها الفرد من أمه وهي تهدهده قبل النوم، تلك التي تنطق بها دون جهد يذكر.
قد نظن بأن اللهجة هي أمر لا تحكمه الطبيعة، ولا يخضع لقواعد كقواعد النحو والصرف في اللغة العربية الفصحى؛ ولكن الأبحاث العلمية في اللغويات (علم يبحث في اللغة عند استخدامها) تثبت لنا عكس ذلك. هذه المعجزة التي يمتلكها الجميع دون استثناء تمتلك قواعدها الخاصة. ترصد لنا أبحاث اللغويات أيضا التغيرات التي تلمّ باللهجة.
كان الأردن وما زال ثروة لغوية صب الباحثون اهتمامهم عليها، منذ عشرات العقود والأبحاث المتخصصة تدرس الصفات اللغوية للهجة الأردنية، تربطها بالعوامل المجتمعية، تقارن مراحلها وتطورها وتجيب على أسئلتنا الملحة عن إرثنا اللغوي الغني.
استكمالا لرسالة إرث الأردن، سنقدم قراءة في واحد من أهم البحوث التي تناولت تطور اللهجة الأردنية الحديثة في القرن العشرين. تقدم الباحثة الأردنية إنعام الور المحاضرة في جامعة إسكس البريطانية بالتعاون مع الباحث هيرن برونو استقصاء مثيرا للاهتمام عن “دورة حياة صوت (ق) في الأردن”
ينطق (ج – جيم غير معطشة ) حينا و (أ) حينا آخر وبما قد سمعنا هذا الصوت وهو ينطق (ق) أو (ك). تتعدد طرق نطق هذا الصوت بحسب المنطقة وهذا ما يجعله مميزا جدا كعلامة فارقة لتمييز اللهجات المناطقية. يعد هذا الصوت من أكثر الأصوات دراسة في اللهجات العربية وقد أولاه الباحثون اهتماما خاصا ولكن دراسته في الأردن خاصة لا زالت تعاني من فجوات، فكيف احتلت ال(أ) مكان ال(ج) في اللهجة الأردنية؟ هذا التغير الملحوظ جدا يعزا لعوامل اجتماعية عدة سنناقشها في هذا البحث.
في الفصول القادمة سنستعرض أهم محاور دراسة الور وبرونو بالتركيز على صوت (ق) في لهجة عمان الحديثة ولهجات الأدن الشعبية.

صوت (ق) وحالاته

كما أسلفنا يتميز هذا الصوت بتقلبه وتعدد حالات فتارة يلفظ كهمزة وتارة أخرى يلفظ (ج) أو (ك). ويستخدم هذا الصوت كمميز صارخ وواضح بين اللهجات المشرقية. فاللبنانية والسورية تلفظانه همزة بينما يلفظ (ج) جنوب سورية والأردن وجنوب فلسطين. أما الضفة الغربية فيلفظه الفلسطينيون همزة أو كافا بحسب السكنى (ريفية أو مدنية). في حالات أخرى يستعير المتكلمون ألفاظا تحمل صوتا (ق) مختلفا عن الصوت الأصلي في لهجتهم لدواع عدة. في تلك الحالات لا يكون الصوت متغيرا، حيث يلتزم المتحدثون بنطق الصوت كما هو في لهجتهم وهذا ما لا ينطبق في الحالة التي شهدتها اللهجة الأردنية في القرن العشرين.
لو أصغينا جيدا لوجدنا أن صوت (ق) أمر مختلف بالنسبة للهجة الأردنية فهو ينطق (ج) مثل (gلاية، gلتلك، gميص) وينطق همزة مثل (ألاية وألتلك، أميص) والجدير بالذكر بأن نطق (ق) كالكاف كان موجودا أيضا بحسب دراسة الباحث عبد الجواد للهجة الأردنية عام 1981، فكان القادمون من الضفة الغربية ينطقونها ولكنها سرعان ما تراجعت واختفت على حساب اللفظين الشائعين اليوم (الهمزة و ج).

سلط 1900 اطلالة خلابة على عراقة مدينة السلط الأردنية وتفوق سكانها على الظروف الجائرة

عبر احتكاك الأردنيين مع اللاجئين والنازحين من الضفة الغربية ممن ينطقون صوت ال (ق) همزة دخل هذا اللفظ إلى اللهجة الأردنية في عمان تحديدا بوصفه متغيرا جديدا. وبحسب الدراسات فإن انتشار صوت الهمزة كان أفقيا وعاموديا حيث تبناه العديد من الأردنيين وتشير الدراسات التي أجررتها الور عام 2002 على اللهجة الأردنية بأن التحول التام من الجيم غير المعطشة إلى الهمزة قد اكتمل تماما عند الشابات الأردنيات اللاتي تربين في بيئة ناطقة بال (ج) حيث يستعملن الهمزة بشكل مستمر. إذن، كيف نتج هذا الوضع اللغوي؟ ما هي أسبابه وما هي محدداته؟

صوت (ق) في اللهجات الأردنية الشعبية

لقد صنفت السجلات اللغوية (أطلس بيرغستراسر 1915) الأردنيين كناطقين ل (ج – جيم غير معطشة) وقد دعمت هذه السجلات أبحاث أخرى أجريت عام 1987 على السلط وعجلون والكرك وبعض المشاركين في هذه الدراسة كانوا من مواليد عام 1897! ولهذا يمكننا بكل ثقة أن نؤكد حقيقة أن اللهجة الأردنية هي لهجة تنطق صوت (ق) (ج) حتى نهاية سبعينيات القرن الماضي مع عدد قليل ( ثلاثة نساء من أصل 40) نطقن صوت (ق) كهمزة في السلط وهذا التغير في حديث النساء يؤكد فكرة أن التغير في لفظ صوت (ق) في اللهجة الأردنية قد دشنته النساء.

الأمر المثير الآخر هو أن بدايات هذا التغير كان بعيدا عن عمان، في السلط وفي عجلون. أما الجنوب (الكرك) فلم تكن الهمزة خيارا مطروحا. إن هذه الفكرة تتوافق وتاريخ مدينة عمان، ففي ثلاثينات القرن الماضي لم يكن تعداد سكان مدينة عمان يتجاوز العشر آلاف نسمة بينما سكان السلط كانوا قد بلغوا ثلاثة أضعاف هذا الرقم. وكانت التركيبة السكانية لمدينة عمان تتكون الشراكسة الذين يبلغون نصف التعداد ( وكانوا يتحدثون بلغتهم الأصلية الأديغية) والباقي خليط من الأردنيين القادمين من السلط والمدن الأردنية الأخرى ومن نابلس ومن سورية.

عمان 1922 سيدة تقوم بتحضير اللبن “خض السعن” في وادي السير

تضاعف عدد سكان مدينة عمان في الأربعينات عقب النكبة عام 1948 وعاود التضاعف عقب النكسة عام 1967. ومنذ تلك الفترة حتى اندلاع حرب الخليج في بداية التسعينات كانت المدينة تعيش جوا من الاستقرار السكاني. استقبلت عمان لاجئين جدد من الكويت والعراق.
في دراسة أجرتها الباحثة إنعام الور عام 1997 على تطور لهجة السلط، أخذت عينات من الشباب السلطي في العشرينات من عمرهم، بواقع أربعة أفراد من الإناث وأربعة من الذكور. لم يتغير لفظ (ق) عند الذكور وأظهروا استمرارية في نطق هذا الصوت كما هو في اللهجة المحلية الأردنية. أما الإناث الأربع فقد أظهرن تغيرا في نطق هذا الصوت إلى الهمزة وهذا ما يدل على انتشار هذا النطق في عموم المجتمع.
أما آخر بحث في هذا الخصوص فكان الذي بدأه الباحث برونو عام 2005 على لهجة كبار السلط والفحيص (الأقرب إلى عمان) وقد هدفت الدراسة لوضع وصف للهجة المحلية الأصلية للمدينة. ولم تجد الدراسة أي تغير في لفظ صوت (ق) حيث نطقها الجميع في 15 ساعة من التسجيل (ج) كما هي في اللهجة المحلية. وهذا يثبت بأن ظاهرة التغير هي حديثة نسبيا ناتجة عن تفاعل فئات المجتمع الأردني بغيرهم.

مجتمع مدينة عمان واللهجة

على عكس السلط، فإن مجتمع عمان مختلف عن المجتمع المتماسك في السلط والذي أبقى على لهجته متوارثة إلى حد ما. عمان أو ربة عمون عاصمة العمونيين أو فيلادلفيا المدينة الرومانية، هجرت لفترة كبيرة بين القرنين السابع إلى العشرين تقريبا. وعندما أعلنت المدينة كعاصمة لإمارة شرق الأردن كان يسكنها الشراكسة القادمون من القوقاز عام 1876 والذين ظلوا يتحدثون لغتهم الأديغية إلى عقود لاحقة. ولم تؤثر لغتهم الأديغية أو إرثهم الثقافي على تكوين اللهجة الحديثة في عمان.
من المهم معرفة المكونات السكانية وخلفياتهم الثقافية، إن هذا يشبه معرفه الأنهار الصغيرة والجداول التي تصب في النهر الأم. يمكننا إذن تقسيم سكان مدينة عمان الحديثة بحسب المنطقة إلى مجموعتين: الأردنيون القادمون من القرى والبلدات الأردنية الصغيرة والذين يتحدثون اللهجة الأردنية. والمجموعة الثانية هم القادمون من فلسطين. وتقسم المجموعة الثانية إلى مجموعتين. الأولى هي الذين سكنوا الأردن في أوائل القرن العشرين وربما قبله والثانية هم اللاجئون والنازحون القادمون عقب الحروب العربية الإسرائيلية. تظهر اللهجة الفلسطينية فرقا كبيرا بين اللهجة البدوية واللهجة الريفية (الفلاحية) واللهجة المدنية ونستطيع إيجاد الثلاث لهجات في عمان اليوم.

بيوت الشركس ف عمان في القرن التاسع عشر

بغياب مجتمع ثابت في عمان، لم يكن للمدينة لهجة أم وحتى الثمانينات اتصفت لهجة عمان بافتقارها للهجة متسقة. عام 1998 أجرت الباحثة الور بحثا على ثلاثة عشر خصيصة لغوية وأظهرت النتائج بأن اللهجة بدأت أكثر تركيزا. خلق التلاقح بين اللهجة الأردنية واللهجة المدنية الفلسطينية.

البحث في لهجة عمان

لدراسة اللهجة المتشكلة حديثا في عمان أجرت الباحثة إنعام الور بحثا تضمن الأجيال الثلاثة في عمان من أربعة عائلات، اثنتان منهما تعود أصولهما إلى السلط والأخيرتان من نابلس. حيث تشكل المدينتين 97% من أصول سكان مدينة عمان. وسنستعرض فيما يلي بشكل أكثر تفصيلا هذا البحث وعينة الدراسة.
الجيل الأول:
تكونت العينة في الجيل الأول من ثمانية متحدثين. هذا الجيل كان قد وصل لمدينة عمان كبالغين وأظهرت نتائج تحليل حديثهم لالتزامهم بلهجتهم الأم كما أظهروا ميلا للrudimentary levelling وهي ظاهرة تعني استيعاب ودمج وخلط لهجات معينة.
الجيل الثاني:
تكونت عينة الجيل الثاني من ثمانية متحدثين. وهذا الجيل إما ولد في المدينة أو وصل إليها طفلا صغيرا. وأظهرت نتائج التحليل لهجة مختلطة غير ممنهجة واختلافات كثيرة نتيجة خليط المدخلات من اللهجتين الأردنية والفلسطينية المدنية.

الجيل الثالث:
تكونت هذه العينة من أربعة عشر متحدثا، لقد تقلص الاختلاط الذي وجد في حديث الجيل الثاني. وكانت لهجتهم منظمة في نسق لغوي متسق.

صوت (ق) في عمان

كما أوضحنا آنفا فإن الصوتين الرئيسيين والمتغيرين في لهجة عمان هما الهمزة وال (ج)، تتميز الهمزة بكونها مشتركة وشائعة في كثير من المناطق المشرقية فهي منطوقة في لبنان وسوريا وفلسطين ومقارنة مع ال (ج) في أقل شيوعا وتعد محلية أكثر.
لقد حافظ الجيل الأول في الدراسة التي استعرضناها على اللهجة الأم. فلم يتأثر لفظه لصوت القاف إلى حد ما ولكن ترافق حفاظه على وجود بعض المفردات التي تخالف اللهجة الأصلية. فقد نطق الرجال الفلسطينيون (الذين تنطق لهجتهم الأم بالهمزة) ال (ج ) فقالوا (جالو ولاجينا gallo / lagena ) والاختلاف الآخر وجد لدى النساء الأردنيات اللواتي لفظن بعض الكلمات بالهمزة ( بتسوءي- ئيمي)
أكد تحليل الجيل الثاني على ما كان في الجيل الأول. فقد استمر الجيل بالنطق كما في اللهجة الأصلية على أن الرجال الفلسطينيين والنساء الأردنيات تابعوا تغيير لهجتهم. صار الرجال الفلسطينيون ينطقون أكثر بال (ج) والنساء الأردنيات ينطقن أكثر بالهمزة.
أما الجيل الثالث فقد ظهرت عوامل أخرى على السطح وهي التأثير الاثني والمخاطب. ولخصت الدراسة هذه التأثيرات والعوامل فيما يلي:

• تتحدث الإناث جميعهن بغض النظر عن خلفياتهن بالهمزة، وهذا دلالة على استمرار التغير والتلاقح الحاصل بين اللهجتين في أجيال سابقة.

• أما الذكور فقد أظهروا أنماطا أكثر تعقيدا. فعندما يتحدث الذكر إلى أشخاص من نفس مجموعته الأثنية فإنه سيلتزم بلهجة مجموعته الإثنية. أما عند الحديث مع الإناث فرادى أو مجموعات فإنهم جميعا يستخدمون الهمزة. أما عند الحديث مع مجموعة (كلها ذكور) من خلفيات مختلفة فإنهم جميعا يتحدثون بال (ج)
ومن خلال هذا التحليل نستنتج بأن هنالك عوامل أخرى نظمت هذا التلاقح بين اللهجتين وهي اللهجة الأم للمتحدث، الجنس والسياق.

تحليل النتائج

اعتمادا على النتائج التي خلصت إليها الدراسات العديدة وآخرها دراسة الباحثة إنعام الور والباحث هيرن برونو، تطرح عدة أسئلة نفسها. ما الذي أدى بالنساء إلى اعتماد الهمزة؟ وما الذي دفع بالذكور إلى اعتماد لفظ (ج) عبر الأجيال المتعددة؟
لقد ولدت نساء الجيل الثاني اللاتي أظهرن ميلا كبيرا إلى لفظ الهمزة بين 1938-1948 وكانت الأردن وقتها تعيش تأخرا نسبيا مقارنة بالدول العربية المجاورة. فلم تكن المعاهد والجامعات للاستكمال الدراسات العليا قد بنيت على عكس دمشق وبيروت والقاهرة وحيفا وكلها أماكن ناطقة بالهمزة. وقد شهدت هذه الفترة حركة ابتعاث الأردنيين والأردنيات لاستكمال الدراسات العليا في تلك الدول. من ناحية لغوية-اجتماعية ارتبطت الهمزة بالتمدن والتحضر والتقدم العلمي. فمن المفترض أن يجذب هذا الأسلوب في الحديث الرجال والنساء على حد سواء فلماذا نر النساء وحدهن من يمارسن هذا التغير من اللهجة الأم الناطقة بال (ج) إلى اللهجة الناطقة بالهمزة؟ يفسر الباحثان هذا بوضع المرأة في المجتمع في تلك الفترة، حيث كانت مشاركة المرأة الاقتصادية والسياسية معدومة كما كانت المرأة تعتبر في الوضع الأضعف مقارنة بالرجل. ومن هنا دعتها الحاجة إلى تمثل رموز القوة واللغة أهمها.
وتفسيرا لما سبق نقتبس من البحث العلمي المنشور للباحثين: “محرومة من القوة ومن المشاركة في الحياة العامة، اضطرت النساء في عمان لتمثل رموز القوة والتأثير عن طريق تبني طريقة حديث معينة. وعبر ارتباط الهمزة بالمدن الأكثر تحضرا ارتبطت أيضا بوصف متحدثيها مجموعة أكثر قوة وتأثيرا” وعند نطق النساء بازدياد للهمزة ارتبطت بالنعومة والأنوثة، بينما ارتبطت ال (ج) بالرجولة والقوة.

خاتمة

لهجة عمان المعقدة والغنية لا زالت تستقطب الكثير من الدارسين والباحثين بسبب حالتها الفريدة. إن اللهجة إرث لغوي قيم ولا يبدو سؤال كيف تتكلم سهلا الآن.

المصدر:

Al wer, E. Herin, B (2011) The lifecyrcle of Qaf in Jordan,language et societe n 138 -Dec

دورة حياة صوت ال (ق) في الأردن: قراءة في دراسة علمية

مقدمة

إن اللغة هي الواجهة الحضارية للأمم، وإن كانت الحضارة الأردنية النبطية على هذا القدر العالي من التعقيد والتطور مقارنة بغيرها من الحضارات في ذات الفترة فلا بد أن اللغة التي استخدمها أجدادنا عكست عبر خصائصها هذا التطور.

الأردنيون الأنباط، أو كما سموا أنفسهم “نبتو nbtw” نقلوا اللغة والكتابة في المنطقة نقلة نوعية أشاد بها الكثير من الباحثين والمستشرقين. كان الأردنيون الأنباط يسجلون معاملاتهم التجارية كافة إضافة لأمورهم الدينية وقد أدى هذا لتطور الكتابة السريع. في هذا البحث سنناقش كيف مهد الخط (الأبجدية) الأردنية النبطية لظهور الخط العربي الكوفي الذي دونت فيه أولى المخطوطات الإسلامية وكيف أن النقوش النبطية والعربية أظهرت التغيرات والتطورات التي طرأت على أحرف النبطية. كما سنستعرض أهم النقوش الصفوية التي تؤرخ لمراحل هذا التطور والتي أرجعت تاريخ اللغة العربية ثمانية قرون على الأقل.

الكتابة واللغة المحكية

لقد تناولنا في بحث منفصل عن اللغة النبطية الأردنية القديمة موقع اللغة النبطية من خريطة اللغات السامية، وكيف أنها، أي اللغة المحكية النبطية كانت لهجة طورها أجدادنا الأردنيون الأنباط  نتيجة مخالطتهم بالشعوب التي تنطق الآرامية والعربية واليونانية. أما الأبجدية والكتابة النبطية فهي التي تعد ثورة في تلك البقعة من العالم. لقد أدى التراكم الحضاري الرائع الذي صنعه الأردنيون الأنباط إلى تطور اللغة والكتابة بشكل لا يصدق. دعت الحاجات الدينية والدنيوية في ذلك الوقت للتركيز على الأبجدية وابتداع طرق وأساليب جديدة في الكتابة سنأتي عليها بشيء من التفصيل في هذا البحث.

الخط النبطي هو خط آرامي في الأصل ولكن مع الكثير من التحسينات والتطورات في شكل الحروف وتباين مواقعها واستخدامها في الكلمة. ورغم أن النقوش والكتابات النبطية تعد قليلة مقارنة بغيرها إلا أنها أعطتنا معلومات كثيرة. فكان يستدل من النقش على المدفن كل من اسم الميت ومهنته وزمن الوفاة وملكية المدفن، كما تعرف الباحثون على أسماء الآلهة التي عبدت آنذاك والملوك والملكات وغيرها من الأمور التي تتعلق بملامح الحياة الاجتماعية عامة (المحيسن:2009). يرجع العلماء هذا النقص في المصادر النقشية إلى حملات السلب والنهب التي تعرضت لها المدن الأردنية النبطية منذ انهيار النظام الملكي فيها على يد الرومان عام 106 ميلادي.

بالعودة إلى الخط النبطي فهو خط يميل للشكل المربع وتتشابه فيه بعض الأحرف مثل الباء والياء والتاء وتستخدم النقاط للتفرقة (كانتينو: 2016).

الصف الأول: الكتابة النبطية ويظهر استخدام الأنباط للنقاط للتفريق بين الراء والزاي.
الصف الثاني: استخدام السريانية للتنقيط للتفريق بين الراء والزاي.

دراسات على أصل اللغة العربية وعلاقتها بالنبطية

الخط العربي: سرياني أم نبطي

لقد دار الجدل منذ القرن التاسع عشر حول أصل الخط العربي الكوفي، وكان أول من أرجعه للنبطية هو المستشرق الألماني نولدكه وبعد نصف قرن، تبنى الباحث ج. ستاركي نظرية أخرى تفيد بأن أصل الخط الكوفي هو الخط السرياني النسخي وقد اعتمد على مظهر الحروف النبطية وعدم استنادها على السطر بل تدليها منه. وقد اعتمد أيضا على رواية البلاذري التي تقول بأن ثلاثة رجال من قبيلة طيء التقوا في منطقة بقّه قرب الحيرة عاصمة اللخميين[1] واتفقوا على الخط العربي (جرندلر: 2004) تفتقر هذه النظرية للإثباتات والنقوش  وبهذا ظلت النظرية التي وضعها نولدكه بأن الخط العربي ذو أصل نبطي هي الأكثر قبولا في المجتمع العلمي.

النقوش الصفاوية وإعادة كتابة تاريخ اللغة العربية

لقد أرخ العلماء اللغة العربية إلى القرن الرابع ميلادي بالاستناد إلى نقشيين رئيسيين: نقش (فهرو) أو كما يسمى (نقش أم الجمال الأول) وهو نقش وجده الباحث ليتمان في مدينة أم الجمال التي كانت إحدى مراكز المملكة الأردنية النبطية واستعان ليتمان بنقش إغريقي وجد بالقرب منها وكان ترجمة للنقش النبطي. وتكمن أهمية هذا النقش في كونه استخدم الخط النبطي المتأخر ويرجح أن يكون عائدا إلى 250-270 م.

نقش أم الجمال الأول: الترجمة الأولى على اليمين وهي تعتمد على النقش الإغريقي لتفسير النقش. بينما الترجمة الحديثة على اليسار وفيها يوضح الباحث سعد الدين استخدام العربية الفصحى في كلمة “مملك” واستخدام كلمة “نفس” بمعنى قبر كما هو الحال لدى الوثائق اللغوية المكتوبة بالمسند- وكيبيديا

والثاني هو نقش نمارة المؤرخ لعام 328م. يعرف النقش باسم نقش امرؤ القيس وقد قرأه المستشرق دوسو على أنه شاهد لقبر ملك من ملوك الحيرة؛ على أن دراسات الباحث سعد الدين أبو الحَب أفادت بان ذكر امرؤ القيس كان على سبيل التعظيم لا أكثر وأن النقش يتناول سيرة حياة مقاتل اسمه عكدي.[2]

صورة عالية الجودة لحجر نقش النمارة معلق على جدران متحف اللوفر الفرنسي في باريس   © Marie-Lan Nguyen / Wikimedia Commons

وبعد نقش نمارة بسنين، أفادت دراسات الباحث أحمد الجلاد التي أجراها على نقوش الصفاوي والتي توجد حصرا في المنطقة الواقعة شمال البادية الأردنية إلى أن أصل اللغة العربية يعود إلى القرن الثاني أو الرابع قبل الميلاد. وبهذا أعيد تأريخ اللغة العربية ثمانية قرون على الأقل وأكدت أبحاثه على فكرة أن اللغة العربية لم تنطلق من شبه الجزيرة العربية وتمتد إلى الشمال إنما انطلقت من البادية الأردنية وامتدت إلى الجنوب باتجاه الحجاز وشبه الجزيرة العربية.

نقش صفوي من بادية الأردن الشمالية الشرقية

إن نقوش الصفاوي تعد ثورة هائلة أعادت ترتيب الخارطة الزمنية والمكانية لنشأة اللغة العربية.  فالنقوش عربية وتقرأ قراءة عربية إلا أنها مكتوبة بالخط النبطي. وقد واجهت الباحث أحمد الجلاد عدة صعوبات تتعلق بقراءة هذه النقوش فالعربية تمتاز بأصوات العلة القصيرة (الحركات) والتي لا تكتب في النبطية وقد استعان بالنقوش النبطية المكتوبة باليونانية والتي تُكتب فيها هذه الأصوات وبهذا خرج الباحث الجلاد بقراءة عربية للنقوش الصفاوية.

لقد أشارت الباحثة إنعام الور، إحدى أهم الباحثات في اللهجات المحلية على مستوى العالم، إلى أن القراءة العربية للنقوش الصفاوية أفضت إلى استنتاج مدى التقارب بين اللغة المستخدمة في النقوش واللهجة الأردنية المحلية. وقد ساقت على ذلك عدة أمثلة نذكر منها الفعل “يخربش” والذي يستعمل إلى الآن في لهجتنا المحلية، والفعل “يشتّي” والذي لا زال مستخدما أيضا . فمن كان يتصور أن ما نقوله اليوم في أحاديثنا اليومية يمتد للقرن الثاني-الرابع قبل الميلاد وقد خلّده أجدادنا الأردنيون الأنباط في نقوشهم وباستخدام أبجديتهم. [3]

والجدير بالذكر أن النقوش الصفائية قد تجاوزت العشرين ألف نقش مؤرخ. وتتابع الاكتشافات لهذه النقوش ففي عام 2013 اكتشف الباحثان الأردنيان الدكتور سلطان المعاني والدكتور مهدي الزعبي أكثر من 2000 نقش صفوي جديد في منطقة الحرة الأردنية في بعثة علمية ممولة من قبل الجامعة الهاشمية.

الدكتور عبد القادر الحصان مع النقش الصفاوي النادر المكتشف عام 2017 – المصدر: جراسا نيوز

 أما في عام 2017 فقد اكتشف الباحث الدكتور عبد القادر الحصان نقشا صفاويا جديدا يعود للعقد الرابع من القرن الأول ميلادي في منطقة وادي علي، الصفاوي في البادية الأردنية الشرقية. ويقول الدكتور واصفا النقش وأهميته ” أن أهمية النقش تكمن في تاريخ صاحب النقش حيث نقشه بحادثة هامة وتاريخية حدثت آنذاك للملك الأردني النبطي الحارث الرابع والذي حكم من العام 9 ق.م.-40 م ونجاته من مؤامرات حاكم الجليل اليهودي هيرود أنتيباس والحرب التي شنها عليه في العام 34 م في موقعة جملة شمال نهر اليرموك. وذكر أنه تم الانتصار في تلك الواقعة على اليهود ودحرهم نحو شمال فلسطين كم أنه نجا من محاولة أخرى من قبل اليهود بالتعاون مع الرومان بقيادة القائد الروماني فتيليوس بأمر من الحاكم الروماني وبوشاية من هيرود طيباريوس ولكن موت الحاكم في نفس السنة أدى إلى إلغاء الحملة العسكرية لقتل الملك الأردني النبطي وتدمير ملكه”

رحلة النبطية إلى العربية

امتازت الكتابة النبطية كما أسلفنا بشيء من التعقيد، فقد كانت تتباين أساليب الكتابة بحسب المناسبة والموقف فللنقوش القبورية أسلوب مختلف عن النقوش والكتابات المتعلقة بالتجارة والمعاملات. يلخص الباحث جرندلر التغيرات التي مهدت الكتابة النبطية لتفضي إلى العربية بما يلي:

  • “الفوارق بين الحروف في المواقع المختلفة (اختلاف رسم الحرف الواحد)
  • ارتباط الحروف
  • مزج اللام ألف (لا)
  • قوام الخط القاعدي (أن تكون للحروف قاعدة استنادية)
  • اندماج الحروف
  • اختلاف العلامات الصوتية المميزة للحروف المتجانسة رسما” (جرندلر: 2004)

الجدير بالذكر أن هنالك نوعين من أنواع الخط النبطي الأول هو النقشي أي المستخدم في النقوش التذكارية والنُصُب والثاني هو النسخي المكتوب على اللفائف والصحف. والمشكلة بأن النوع الثاني، أي النسخي، غير متوافر بسبب تلف المواد المستخدمة للكتابة فيه فلا يسع العلماء إلاّ أن يعتمدوا على الخط النقشي (جرندلر:2004) وهذا قد يبرز تساؤلا مهما: ماذا إذا كان الخط النسخي قد سبق الخط النقشي في تحوله للخط العربي؟

إلى اليمين الأبجدية العربية وفي الوسط النبطية وأخيرا الآرامية. ونلاحظ مدى تشابه العربية والنبطية[4]

يورد الباحث تيسير خلف في  سياق أحدث النقوش المكتشفة في الأردن اكتشاف نقوش نبطية شديدة التأخر في العقبة. وتسد هذه النقوش سلسلة انتقال الخط الأردني النبطي إلى العربي الكوفي وتقدم لنا مادة علمية غنية تؤكد لنا هذه الرحلة. فتؤرخ هذه النقوش التي تعود لأواخر القرن الخامس الميلادي (450م تقريبا) إلى أسماء ملوك الأردنيين الغساسنة الذين امتد حكمهم من البلقاء شاملا ما يعرف اليوم بسوريا ولبنان وأجزاء واسعة من السعودية. يسمى الخط النبطي في تطوره خط “الجزم” وهو الخط الذي أهداه إلينا أجدادنا الأنباط.

النقوش المكتشفة في العقبة جنوب الأردن وتؤرخ لمرحلة متأخرة من تطور الخط الأردني النبطي

ومن هنا يمكن القول بثقة أنه رغم انهيار النظام الملكي في المملكة الأردنية النبطية والتحول نحو النظام القبلي مجددا وعبر الحكم الذاتي في المناطق التي احتلها الرومان إلاّ أن الشعب والثقافة متمثلة باللغة والدين استمرا في التوغل والانتشار في المنطقة. قد تمخض ذلك عن ولادة الخط العربي الكوفي الذي استخدم من فترة ما قبل الإسلام وصولا إلى جعله الخط الرسمي للدولة الأموية في عهد مروان بن عبد الملك، حيث استخدم بالدواوين والمعاملات واستخدم أيضا لإعلان المواقف السياسية (جرندلر: 2004).

خاتمة

يكشف لنا العلم والتاريخ دوما بأن هذه الأرض عظيمة وبأن هذا الشعب وهذه الأمة ليست وليدة الصدفة إنما سليلة تاريخ يمتد لملايين السنين. إننا وما نكتب وما نقول نتيجة تراكم حضاري رائع أبهر به أجدادنا الأردنيون الأوائل العالم أجمع.

المراجع:

  • المحيسن، ز.، الحضارة النبطية، 2009 عمان: الأردن، منشورات وزارة الثقافة
  • جون كانتينو، اللغة النبطية، مهدي الزعبي، 2016، سلسلة دراسات
  • بأي لغة تكلم أجدادنا الأنباط؟، أبحاث إرث الأردن سلسلة الأردنيون عبر التاريخ
  • النقوش الصفاوية واللهجة الأردنية، محاضرة الدكتور إنعام الور على موقع إرث الأردن
  • المعاني، س.، العجلوني، ف.، تاريخ الخطوط والكتابة العربية من الانباط إلى بدايات الإسلام، جرندلر 2004، عمان: الأردن، مشروع بيت الأنباط للتأليف والنشر
  • اكتشاف نقش أثري نادر في الصفاوي، موقع جراسا نيوز 2017
  • 2000 نقش صفوي في الحرة الأردنية الشمالية الشرقية، صحيفة الرأي 2013

[1] المناذرة أو اللخميون، وهي سلالة عربية من قبيلة لخم من تنوخ وقد حكموا العراق قبل الإسلام.  المصدر: وكيبديا

[2] لمزيد من التفصيل انظر: بحث “ماذا تكلم أجدادنا الأنباط؟” المنشور على موقع مؤسسة إرث الأردن

[3] للمزيد انظر محاضرة الدكتورة إنعام الور حول اللهجات الأردنية والنقوش الصفوية المنشورة على موقع مؤسسة إرث الأردن

[4] للمزيد انظر https://en.wikipedia.org/wiki/Nabataean_alphabet

من النبطية إلى العربية: رحلة تطور الكتابة في البادية الأردنية

مقدمة تاريخية: اللغات السامية واللهجة النبطية

تتباين اللهجات المستخدمة اليوم في الأردن. وللزمن تأثير واضح على ما ينطق به الأردني من كلام. ومن المثير أن نعرف أن أجدادنا الأردنيين الأنباط كانوا ذوي نصيب كبير في عملية قولبة لهجة خاصة بهم إضافة لابتكارهم خطا خاصا بهم وهو الخط الذي بفضله نحن نكتب الآن وأنتم تقرؤون. لقد ساهمت تجارتهم المنفتحة على العالم وحرصهم على تأريخ حروبهم وتوسعهم إضافة إلى معتقداتهم الدينية على زيادة اهتمامهم بالتدوين. ولكن، ما هي اللغة التي كان يتكلم بها أجدادنا الأردنيين الأنباط ؟ وهل نتحدث لغة قريبة ومطورة عن تلك التي تحدثها أجدادنا؟

في الوقت الذي بزغت فيه المملكة النبطية الأردنية، كانت اللغة السائدة هي اللغة الآرامية وينطق بها اليوم حوالي 2 مليون فرد. والآرامية إحدى اللغات السامية التي انتشرت انتشارا كبيرا فيما قبل الميلاد وصولا إلى المراحل المبكرة في الإسلام. وقد نسب العلماء اللغات السامية لابن النبي نوح سام وهو الإبن الذي سكن هذه المنطقة حسب الروايات الدينية. تقسم اللغات السامية إلى شرقية (اللغة البابلية الآشورية) وغربية (اللغة الكنعانية والآرامية والعبرية) وجنوبية (العربية بجميع لهجاتها واللهجات الحبشية).  (ولفنسون:1929)

أما شعب “الآرام” الذين تنسب إليهم اللغة فلم يحدد العلماء على وجه الدقة أصلهم، ولكنهم زاحموا البابليين والآشوريين وأقاموا العديد من الدويلات في وسط المشرق ورافقت هذه التغيرات السياسية في المنطقة تغيرات في اللغة القومية فتارة تكون البابلية وتارة الآرامية وتارة السريانية ولكن الحال استقر على الآرامية بعد هزيمة الآشوريين في القرن الخامس قبل الميلاد وصارت اللغة الرسمية وهي لغة المسيح والتلمود ومخطوطات قمران وغيرها الكثير من الوثائق. (ولفنسون:1929)

عبر التجارة اختلط الأردنيون الأنباط مع القبائل العربية المرتحلة جنوبا ومع الكنعانيين واليهود غربا وأهل العراق وصولا إلى تواصلهم مع الرومان وقد أدى ولا بد إلى تأثر لغتهم وإثرائها وبالتالي زيادة قوتها. ورغم هذا الانفتاح، صاغ الأردنيون الأنباط مع الوقت لهجة خاصة بهم يمكن اعتبارها خليطا من العربية والآرامية وقد سميت “رطانة الأنباط”.

ورد ذكر اللهجة النبطية في عدة مصادر عربية فقال الجاحظ في كتابه البيان والتبيين أن النبطي القُح يجعل حرف الزاي سين فيقول بدل زورق: سورق. كما يقلب العين همزة ويفتح المكسور. (ولفنسون: 1929) وهذا يدلنا على أن الأردنيين الأنباط لم ينطقوا بالعربية التي ننطق بها الآن إنما كانوا ينطقون بالآرامية وقد تصبغوا بالعربية نتيجة احتكاكهم بالقبائل العربية المرتحلة ونرى نتيجة هذا الاحتكاك في النقوش التي تتضمن بعض الكلام العربي. من تلك النقوش نستنتج أن الخط الذي طوره الأردنيون الأنباط  وسمي لاحقا “الخط النبطي” ما هو إلا الصورة الأولى الأصلية للخط العربي بشكله الحالي. فالقبائل العربية المرتحلة لم تعرف الكتابة والتدوين ولم تملك خطا أو أبجدية مكتوبة إنما اقتبست الخط النبطي وطورته لتغطي الحاجة للتدوين التي انبثقت من تأسيس الدولة في الحقبة الإسلامية الأولى لاحقا. وسنتناول في تفصيل أكبر الخط النبطي وأثره على القلم العربي.

اللغة النبطية الأردنية : إطلالة على الأبجدية والقواعد

الأبجدية

تمتاز اللغات السامية بعدة مميزات تجعلها مميزة عن غيرها. فهي تعتمد على الحروف الساكنة لا الأصوات ولهذا زادت حروف اللغات السامية عن اللغات الآرية (لغات أوروبية).  كما أن أغلب الكلمات ترجع لأصل ثلاثي- عادة فعل- كما الحال عند العربية. فإذا أردت البحث عن معنى كلمة “إرث” ستعود للمادة المعجمية “ورث”. وليس في اللغات السامية كلمات مركبة كما أن معظم الكلمات المؤلفة من حرفين مثل أب وأم ويد هي كلمات مشتركة بين اللغات السامية المتعددة. واللغة النبطية بوصفها لغة سامية أو لهجة سامية على الأقل تمتلك هذه الصفات.

إلى اليمين الأبجدية العربية وفي الوسط النبطية وأخيرا الآرامية. ونلاحظ مدى تشابه العربية والنبطية[1]

الأبجدية النبطية الأردنية هي حروف آرامية استقلت وبدأت رحلة تطور خاصة. فقد مالت الحروف النبطية الأردنية للرسم المربع مما أدى لتشابه الكثير من الحروف مثل (ب، ي، ن) و (ق، ف، ه) وهنا صعدت مشكلة التنقيط والقدرة على التفريق بين الحروف ولم تغب هذه المشكلة عن الأردنيين الأنباط  فاستخدموا بعض الأحيان النقاط للتفريق بين الحروف خصوصا الراء والدال (كانتينو: 2016). والجدير بالذكر أن الكتابة العربية غابت عنها مشكلة التنقيط حتى جاء أبو الأسود الدؤلي عام 643 م ونقّط الحروف.

الصف الأول: الكتابة النبطية ويظهر استخدام الأردنيين الأنباط للنقاط للتفريق بين الراء والزاي. الصف الثاني: استخدام السريانية للتنقيط للتفريق بين الراء والزاي.

وما يميز الكتابة النبطية هو الحروف المتصلة التي فرقتها عن باقي أخواتها من الكتابات الآرامية. ومن الواضح أن شدة النشاط الكتابي خصوصا ذلك الذي اتصل بالتجارة أدى إلى تطوير تقنيات كتابية تمتاز بالسهولة فالحروف المتصلة أسهل وأسرع في الكتابة من الحروف المنفصلة. كما أبقت الكتابة النبطية على الحروف (ز، ر، و، ا) غير متصلة من اليسار وهو أمر لا زلنا نقوم به الآن في كتابتنا العربية. وكما ذكرنا آنفا، فاللغات السامية جميعا تعتمد على الحروف الصامتة ولا تكتب أو تدون حروف العلة (كانتينو: 2016)

القواعد العامة

استخدم الأردني النبطي  ضمير الغائب ( ه و/ ه وا) للمذكر و الضمير (ه ي) للمؤنث والضمير ( ه م) للجمع وهي مطابقة لما نستخدمه اليوم في العربية. ولم تزودنا النقوش بضمائر المتكلم والمخاطب، وغالبا ما استخدمت هذه الضمائر ولكن بوصفها اسما للإشارة أو اسما موصولا. واستخدم الأردنيون الأنباط  ( ن ا) للدلالة على الملكية فيقولون ( م ر ا ن ا فلان) أي سيدنا فلان وهو استخدام قليل عند الأنباط ويرجح أنه راجع للتأثر بالسريانية. واستخدم الأردنيون الأنباط  الضمائر ( ه ي – ه و – و- ه ) فيقولون  ( أ ب و ه – بمعنى أبيه) و ( أ ح و ه- بمعنى أخيه). (كانتينو: 2016)

وفي النبطية أكثر الأفعال أفعال بسيطة ثلاثية غالبا ما تأتي بصيغة الماضي مثل الفعل (ع ب د) بمعنى عمل؛ أو المضارع (ي ك ت ب) بمعنى يكتب. كما يظهر استخدام فعل سببي مثل (ه ق ي م) بمعنى أقام ل.

أما الأسماء في النبطية فكانت متعددة الأنواع وقد حصرها الباحثون حسب المقاطع الصوتية وحسب الحرف الأول والحرف الأخير. وقد فرقت اللغة بين المؤنث والمذكر والتعريف والتنكير والإضافة والبناء والجمع والإفراد. وكان فيها إعراب وجمل اسمية وفعلية ولم تهمل أدوات الربط بين الجمل كحروف الجر والعطف والتعجب والوصل وغيرها. (كانتينو: 2016) ونستدل من كل ذلك على مدى تعقيد هذه اللغة لتتناسب مع الحضارة التي وصل إليها الأردنيون الأنباط .

الأرقام

استخدم الأردنيون الأنباط  ستة أرقام وهي: 1 ،4، 10، 5، 20، 100 كما عرفوا تدوين العمليات الحسابية كالجمع والضرب وفق رموز معينة. من الصعب تحديد تاريخ هذه الرموز فبعضها كرقمي 4 و5 قد يكون حديثا أما استخدام الشرطة للدلالة على رقم 1 فهو قديم للغاية وموجود بشكل واضح في النقوش السومرية البابلية كذلك الأرقام 10 و 20 و100 فهي مأخوذة من الرسم الفينقي. (كانتينو: 2016)

(الأرقام النبطية والعمليات الحسابية كالجمع والضرب . المصدر: كانتينو (2016) ص. 63)

كما عرف الأردنيون الأنباط  كتابة الأرقام فكانت أرقامهم المكتوبة تصل للثلاثة آلاف وهو رقم كبير يتناسب مع قوة نشاطهم التجاري. ونلاحظ مدى التشابه بين الأرقام التي استخدمها أجدادنا والتي نستخدمها نحن ونذكر على سبيل المثال لا الحصر بعض الأرقام بحسب الكتابة النبطية التي اكتشفت على نقوش المباني (كانتينو: 2016):

1: ح د                              7: ش ب ع  
3: ت ل ت  8: ت م ن و ا ي  
4: ا رب ع  9: ت ش ع  
5: ح م ش  10: ع ش ر  
6: ش ت  11: ع ش ر ة ح د ه  
20: ع ش ر ي ن  24: ع ش ري ن و ا رب ع

الخط النبطي وتطور الخط العربي

طور أجدادنا الأردنيون الأنباط خطا عرف بالخط النبطي وهو خط مربع مشتق عن الخط الآرامي الذي اشتق في الأصل من الخط الكنعاني. وقد ظهرت العديد من الخطوط المحلية المشتقة عن الخط الآرامي إلا أن الخط النبطي كان من أقواها وأكثرها انتشارا وهو ما ساعده على البقاء والتطور سريعا ليفضي أخيرا إلى الخط العربي الحالي. (كانتينو: 2016)

لقد ساعدتنا النقوش النبطية المكتشفة في مراكز المملكة الأردنية النبطية على صياغة فهم أكبر وأشمل للغة النبطية. ويؤرخ أقدم النقوش المكتشفة إلى 33 ق.م. أما أحدثها فقد نُقش بعد انهيار المملكة النبطية على يد الرومان عام 106 م. ومن ناحية أخرى، تزودنا هذه النقوش بوثائق لغوية أقدم من النقوش التدمرية كما تساعد المعلومات التاريخية في النقوش على القيام بموازنة المعلومات التاريخية الواردة في التوراة لأن النقوش لم تعرض للتزوير أو التشويه. (كانتينو:2016)

قد وجدت العديد من النقوش النبطية كشواهد قبور بل تكاد تكون جميعها شواهدا لقبور. وتتمركز هذه النقوش في أم الجمال والحجر وبُصرى.

وصل العلماء في نهاية بحثهم لمجمل النقوش في المنطقة إلى أن الخط النبطي المتأخر هو بداية الخط العربي. فالخط الاردني النبطي في فترته المبكرة كان يكتب الحروف منفصلة  – كأغلب الخطوط السامية القديمة – بينما يرسمها الخط النبطي المتأخر متصلة كحال الخط العربي المستخدم اليوم. هذا إضافة لعدة خصائص أخرى كالتاء المربوطة وتعدد رسم الحرف الواحد فيكون رسمه في منتصف الكلمة مختلفا عن رسمه نهاية الكلمة. (ولفنسون: 1929)

(جدول مقارنة بين الخط النبطي المتأخر والخط العربي القديم، العمود 1 حروف نبطية مستخلصة من البترا والحجر تعود للقرنين الأول والثاني والثالث م. العمود 2 حروف نقش نمارة من القرن الرابع م.  عمود 3 حروف نقوش زبد وحران تعود للقرن السادس م. عمود 4 حروف عربية من نقوش تعود للقرن الأول للهجرة.  ونلاحظ تطور رسم الحروف تدريجيا لتصل إلى الخط العربي. المصدر: ولفنسون (1929) تاريخ اللغات السامية. ص. 200)

أما أهم هذه النقوش فهو نقش (فهرو) أو كما يسمى (نقش أم الجمال الأول) وهو نقش وجده الباحث ليتمان في مدينة أم الجمال التي كانت إحدى مراكز المملكة الأردنية النبطية واستعان ليتمان بنقش اغريقي وجد بالقرب منه وكان ترجمة للنقش النبطي. وتكمن أهمية هذا النقش في كونه استخدم الخط النبطي المتأخر ويرجح أن يكون عائدا إلى 250-270 م.  كحال النقش المهم الآخر (نقش نمارة) المؤرخ لعام 328 م وسنستعرض النقشين وأهميتهما تاليا.

نقش أم الجمال الأول

“هذا قبر فهر (فرو)

ابن سلى مربي جديمة

ملك تنوخ[2]

هذه الترجمة العربية لنقش أم الجمال الأول والنص عبارة عن شاهد لقبر فهر بن سلى وهو المربي والمعلم للملك “جديمة” أول ملك تنوخي[3] في الحيرة[4]. وقد حدد الباحثون عدة خصائص للخط النبطي وقارنوها بالخط الكوفي العربي ووجدوا تشابها كبيرا فرسم حرفي الحاء والجيم شبيهين برسمهما في الخط الكوفي. كما لاحظ الباحثون عدة خصائص أخرى كرسم حرف الشين والياء بشكل منفصل إضافة للكتابة المتصلة والتي لم تعرفها بقية اللغات السامية (ولفنسون: 1929)

نقش أم الجمال الأول: الترجمة الأولى على اليمين وهي تعتمد على النقش الإغريقي لتفسير النقش. بينما الترجمة الحديثة على اليسار وفيها يوضح الباحث سعد الدين استخدام العربي الفصحى في كلمة “مملك” واستخدام كلمة “نفس” بمعنى قبر كما هو الحال لدى الوثائق اللغوية المكتوبة بالمسند- ويكيبيديا

دار جدل واسع بخصوص الأسماء العلم في هذا النقش. فاقترح المستشرق ليتمان أنها عربية ولكن صيغت بقالب آرامي عبر إضافة حرف الواو للتعريف وهي صيغة آرامية في التعامل مع الأسماء. ولكن ذهب باحثون آخرون إلى أن اسم “سلى” غير مشتق من العربية بل هو آرامي أصيل. أما اسم الملك “جديمة” فقد ذهب ليتمان أنه مؤسس مملكة تنوخ في الحيرة بسبب اعتياد الحضارات القديمة على تخليد أسماء المؤسسين في النقوش. (ولفنسون: 1929)

وتكمن المشكلة في هذا النقش في اعتماد المستشرقين على الترجمة الإغريقية التي وجدت منقوشة بالقرب من النقش النبطي. وبهذا الصدد، يقترح الباحث الأمريكي العراقي سعد الدين أبو الحَب فرضية جديدة بخصوص الترجمة العربية. فالاستخدام النبطي لحرفين ميم “مملك” هو استخدام عربي فصيح. أما تاريخيا فقد أثبتت هذه القراءة أن جديمة هو أول ملوك تنوخ في الحيرة كما جاء الباحث بقراءة جديدة معتمدا على العربية الفصيحة. فكلمة “دنه” هي أدناه، وكلمه “نفشو” هي “نفسه” لا نصب.[5] ومن هنا استنتج قراءة جديدة لهذا النقش “ادناه نفسو(هو نفسه) قبر فرُء بن سالّي ربُّ (مُربّي) جُذيمة مُمَلَّكُ (مؤسس مملكة)  تنّوخ”

 

نقش نمارة ( نقش امرؤ القيس )

يعد نقش نمارة من أهم النقوش التي ساعدت الباحثين في فهم المرحلة السابقة للكتابة بالخط العربي وذلك لقربه الشديد من العربية الفصيحة. وهو مؤرخ للعام 328 ميلادي. وقد قدم الباحث دوسو ترجمة للنقش بوصفه شاهد قبر لملك من ملوك الحيرة يدعى امرؤ القيس وهو ثاني ملك لمملكة الحيرة (المناذرة) بعد عمرو بن عدي.

صورة عالية الجودة لحجر نقش النمارة معلق على جدران متحف اللوفر الفرنسي في باريس   © Marie-Lan Nguyen / Wikimedia Commons

 

أعاد الباحث سعد الدين أبو الحَب قراءة هذا النقش وقد كشفت أبحاثه عن تناقض صارخ في قراءة المستشرق دوسو. فقراءة دوسو تقول بأن النقش هو شاهد لملك يدعى امرؤ القيس. بينما تطرح أبحاث أبو الحب قراءة أخرى مبنية على اللغة العربية الفصحى إضافة للتوافق التاريخي مع الحروب وموت امرؤ القيس الذي كان قبل النقش بعدة سنين. وتقول قراءته بأن ذكر امرؤ القيس كان على سبيل التعظيم فقد عرفت الحضارات القديمة البدء باسم القائد أو الملك أو الإله على غرار التسمية باسم الله. أما المتن فكان في مدح قائد عسكري أو أحد سادات القبائل ويسمى ((عكدي)) وهو غير معروف تاريخيا. (أبو الحب: 2011)

صورة لقراءة دوسو الأولى والحركات المضافة. (أبو الحب: 2011)

وقد قدم الباحث أبو الحب قراءة نهائية عربية فصيحة لهذا النقش وكان متنه كالتالي: تَيا (قَسماً يا ؛ يا) نَفسُ (روحُ ؛ دَمُ) امرؤ القيس بن عَمْرو، مَلِكُ العَرَبِ كُلُّها، ذو أسَد التاج (كُنية)، ومَلِكُ الأسَديين (قبائل أسد في نَجْدْ) ونَزارٍ (بنو نَزار في الحجاز) وملُوكَهُمُ. (لقد) هَرَّبَ مِذْحِج (قبيلة يمانية) عكْدي (اسم علم)، وجاء (اي عكْدي) يزُجُّها (يُقاتلها بضراوة) في رُتِجِ (أزقة ؛ طُرُقْ ضَيّقة) نَجران، مدينة شِمرْ (الملك شِمرْ يَرعشْ)، مَلِكُ مَعَدٍ (بنو مَعَدْ)، وبَيّنَ (مَيّزَ بَيْنَ) بنيها الشعوب (فروع قبيلة مِذْحج)، ووكَّلَهُنَّ (وَضَعَهُنَّ تحت حماية) فُرْسانُ الروم، فَلمْ يبلغْ مَلِكٌ (اي حتى مَلِكٌ) مَبلَغَه (ما بَلَغَهُ عكدي). عكْدي هَلَكَ (مات ؛ قُتِلَ) سَنَة 223 (328م)، يَومْ 7 بكسلولْ (كانون الأول)، يالِسَعْدِ (يالسعادةِ) ذو (الذي) وَلَدَه (أَنْجَبَهْ).

بهذا نرى أن اللغة النبطية المتأخرة والخط النبطي المتأخر شكلا الجذر الأساس للخط العربي. ويمكننا أن نلاحظ مدى فعالية قراءة النقوش النبطية المتأخرة قراءة عربية وذلك للتأثر الشديد بالقبائل العربية المرتحلة إضافة لانتشار الأردنيين الأنباط بين تلك القبائل عقب انهيار مملكتهم في القرن الأول ميلادي وعودة الحكم القبلي بينهم.

الشعر النبطي الأردني

مشتقا من الشعور، يظل الشعر أداة إنسانية متفردة للتعبير عن الذات. كتب الإنسان الشعر منذ القدم للآلهة وللمحبوبة وللتأمل وللحرب. والشعر للإنسان حالة وجد في المقام الأول والشعوب الفقيرة روحيا لا تنتج شعرا. تغنى الصحراء الروح وتجبل نفس البدوي على الصبر والشجاعة والأصالة والحرية وفي البادية ينشد الشاعر محمد فناطل الحجايا:

البادية ما هي قصيدة وربابة

ومسلسلات فارغات وتنّعاب

البادية نخوة وطيب وصلابة

والبادية بيت الأصالة والأحسّاب

والبادية عز وشموخ ومهابة

إنتاجها فرسان وسيوف وحراب[6]

يعرف الشعر النبطي بأنه الشعر البدوي ويعتقد أنه رافق الحضارة النبطية في نشوئها وازدهارها وبقي حتى انهيار المملكة وانتشار قبائلها في الصحراء ومن ثم تمازجهم مع بعض القبائل العربية في شبه الجزيرة العربية. وكما ذكرنا آنفا أن الأردنيين الأنباط  -في وقت متأخر من حضارتهم- عرفت لكنتهم باللكنة أو الرطانة النبطية وهي عبارة عن آرامية مطعمة بالعربية وقد ذهب بعض الباحثين للقول بأن اللغة الآرامية المحكية قد انسحبت تماما وحلت العربية مكانها ولكن مع اللكنة النبطية الخاصة.

الشعر النبطي شعر عربي بدوي وهو أقرب الأنماط الأدبية الشعبية قربا للغة الفصيحة. وبسبب اللكنة التي عدت لهجة عامية عربية اعتبر شعراء العرب أن الشعر النبطي خارج عن القواعد العربية. فالشعر النبطي هو شعر ملتزم بالوزن والقافية وكذلك المضامين الشعرية المعتادة كالمدح والرثاء والغزل. إلا أن الشعر النبطي تحرر من البحور الخليلية[7] والإعراب واستحدث بحورا شعرية أخرى بعضها مشتق من البحور الخليلية (الدعجة: 2013)

اعتمد الشعر النبطي الأردني على بحور شعرية خاصة به وقد توارثتها الأجيال بعفوية دون كتابة ويعرفها الشاعر بسليقته الشعرية. تقسم هذه البحور إلى بحور أصلية وبحور مبتكرة فمن الأصلية :

  • الهلالي وهو البحر الشعري الأقدم.
  • الصخري وهو بحر قديم ينسب إلى قبيلة بني صخر وله لحن حزين.
  • الحداء وهو بحر بدوي قصير ينشد للإبل.
  • والمروبع وهو بحر جديد له طريقة وزن خاصة.

أما البحور المبتكرة فهي:

  • المسحوب وهو منشق عن البحر الهلالي وهو أسهل البحور وأكثرها شيوعا.
  • البحر الهجيني وهو بحر يلتقي مع بحر المتدارك العربي وسمي نسبة لطريقة سير الهجن والجمال.
  • البحر السامري وهو مشتق عن الهجيني ويستعمل للسمر والسهر.
  • بحر الفنون وهو مشتق عن السامري.
  • بحر العرضة ويقول البعض أنه مشتق من الحداء.
  • البحر الزهيري وغيره من البحور كالمديد والجناس والطويل والقلطة

الشعر النبطي له قواعده التي تحكمه فرغم عفويته وشعبيته إلا أنه مقسم بحسب القافية وللقصيدة عدة عناصر وموضوعات. كما تترافق القصيدة بما يعرف (جرة الربابة) وهي أنواع متعددة بحسب الموقف فلشعر الخصام جرة وللرثاء جرة وللتسامر جرة وغيرها. (الدعجة: 2013)

كان للأردنيين باع طويل في الشعر النبطي كيف لا وهم أحفاد الأردنيين الأنباط وورثة حضارتهم الذين ينسب لهم هذا النوع من الفنون. فمن نمر بن عدوان (1735م.)  صاحب جرة الربابة المسماة باسمه وصولا إلى غيره الكثير من الشعراء والشاعرات، ينشد الأردنيون شعرا نابعا من روح الصحراء الأردنية النبطية. ولقد عملت وزارة الثقافة على جمع سير الشعراء الأردنيين فأصدرت كتابا تحت عنوان “مختارات أردنية من الشعر النبطي الأردني ورواده في الأردن” للكاتب طارق كساب الدعجة ويحوي الكتاب على مقدمة مفصلة عن الشعر النبطي وكل ما يتصل به إضافة لسير الشعراء الأردنيين ومختارات من شعرهم. واليوم، يحتفي الأردنيون بأصالة شعرهم فتقام المسابقات الدورية لهذا الشعر في المدارس والجامعات لغرس حب هذا الفن في قلوب أبناء الأردن.

خاتمة: اللغة والهوية

اللغة هي الواجهة الحضارية التي تقابل بها الشعوب الشعوبَ الأخرى. رغم استخدام الأردنيين الأنباط للغة الآرامية والعربية في وقت متأخر إلا أنهم قدموا إسهامات حضارية جليلة لكلا اللغتين. لقد وظفوا اللغة الآرامية لخدمة تجارتهم واتساع مملكتهم، كتبوا نقوشا لتخليد ذكر ملوكهم وانتصاراتهم، وكتبوا لآلهتهم ومقدساتهم. طوروا وأضافوا ولم يكونوا عنصرا مستقبلا خاملا. لقد كتب الأردنيون الأوائل هويتهم وهو ما يجب أن يلهمنا على الدوام ونحن نكمل ما بدأ به أجدادنا.

المراجع

  • سعد الدين أبو الحب، نقش نمارة العربي النبطي، دراسة منشرة كفصل من كتاب Tracing Western Scholarship on the History of the Arabs and Arabic Language and Script 2011
  • جون كانتينو، اللغة النبطية، مهدي الزعبي، 2016، سلسلة دراسات
  • ولفنسون (1929) تاريخ اللغات السامية، بيروت: دار القلم
  • الدعجة، طارق (2013) مختارات أردنية من الشعر النبطي ورواده في الأردن. عمان: منشورات وزارة الثقافة.

[1] للمزيد انظر https://en.wikipedia.org/wiki/Nabataean_alphabet

[2] وردت هذه الترجمة في كتاب تاريخ اللغات السامية لفنسون. كما أنها متوافرة أونلاين http://www.wikiwand.com/ar/%D9%86%D9%82%D8%B4_%D8%A3%D9%85_%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D9%84_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84

[3] التوخيين هم قبائل نبطية سكنت الأردن وجنوب سوريا التي كانت جزءا من المملكة النبطية ومن أهم هذه القبائل قبيلة المناذرة التي سميت باسمها الدولة التنوخية في الحيرة لاحقا. انظر https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D9%88%D8%AE%D9%8A%D9%8A%D9%86

[4] الحيرة منطقة واقعة جنوب بغداد

[5] النصب هو شاهد مقام لتخليد ذكرى الميت وعادة ما ينقش عليه تاريخ الوفاة وأبرز أعمال الميت.

[6] ورد هذا الشعر في الجزء الأول من كتاب “مختارات أردنية من الشعر النبطي ورواده في الأردن المجلد الأول  ص.12”  لطارق الدعجة. إصدارات وزارة الثقافة الأردنية.

[7] البحور الشعرية التي وضعها الخليل بن أحمد الفراهيدي.

بأي لغة تكلم أجدادنا الأردنيون الأنباط؟

دور النشميات الأردنيات في الثورة

نشميات الحجايا

14329265_968038110007984_605238304_o

لم تغب شمس النشمية الأردنية عن تاريخ البطولة وكانت دوما المرأة الأردنية ركناً لا هامش في تاريخ التضحيات في سبيل استقلال الأردن وأساساً في التنمية في وقت الرخاء ومنذ القدم  وفي عهد الملك الأردني النبطي الحارث الرابع قام بتوثيق العملة الأردنية النبطية بنقش صورته جنباً الى جنب مع زوجته .

وفي العصر الحديث ضربت جداتنا أروع صور البطولة في مواجهة أربع مائة عام من الاحتلال التركي والتجهيل والفقر والسرقة تحت ستار الخلافة والتجارة بالدين  وسارت النشميات جنباً الى جنب مع فرسان العشائر الأردنية  حتى تحقق الحلم الأردني بالاستقلال وعودة الأردن الى مساره الطبيعي في  الحضارة .

ونحاول في هذا البحث المقتضب سرد أبرز المواقف البطولية التاريخية لنشميات الحجايا في رحلة تحرير الأردن من الاحتلال العثماني

تذكر الوثيقة التابعة لقوات الاحتلال العثماني المرقمة بـ 74 ، الملف : DH-SYS (3-3) 61 أثناء هية الكرك دور فرسان عشائر الحجايا في الذود عن حمى الأردن في تلك الثورة المجيدة التي ربطت بين الثورات الأردنية الصغرى ومهدت للثورة العربية الكبرى حيث تنص الوثيقة بمضونها على : (اصطدم جيش الاحتلال التركي مع فرسان عشيرة الحجايا على مسافة ساعتين شرقي محطة سواقة حيث استشهد فيها  (15) فارس من الحجايا وقتل عدد من العسكر الأتراك).

وأعاد فرسان عشائر الحجايا الكرة يوم لبوا نداء الثورة العربية الكبرى وهذه المرة لم تترك النشمية من الحجايا الفرصة لترتقي شهيدة في سبيل تحرير الأردن من ابشع قرون تجارة الدين التي مارسها المحتل العثماني، وفي نهاية 1917 قام فرسان الحجايا بعملية نوعية ضد القوات العثمانية في محطة الفريفرة شمال الحسا بهدف قطع الإمداد عن قطعان الاحتلال المتكدسة في معسكر بعد القطرانة، وبعد نجاح فرسان عشائر الحجايا بضربتهم التكتيكية التي حاول المحتل الرد عليها في منطقة جرف الدراويش فأرسلت قطعان الاتراك عبر القطار قادمة من حامية معان للانتقام من أجدادنا فثبت أبطال الحجايا ونشمياتهم بوجه المحتل في معركة طاحنة ارتقين فيها شهيدات إلى جوار اشقائهم من شهداء فرسان الحجايا و عرف منهن :

مغيضة ام مفلح المراغية وابنتها، وزوجة علي الصواوية الحجايا، وكفاية الصواوية ، كما تم أسر عدد من حرائر جداتنا من الحجايا من بينهن مغيضة الرديسات التي بقيت لأيام في قلعة الحسا قبل أن يحررها فرسان العشائر الأردنية ويقضوا على حامية القلعة ثأرا لها.

14627834_10211330087748334_2018885857_n
أحد فرسان عشيرة الحجايا حاملا لجثة خطيبته بعد استشهادها على أيدي الغدر العثماني ، و تورد المرويات الشفوية أن أهلها لم يتمكنوا من دفنها لثلاثة أيام إلا بعد أن ترك الفارس جسد خطيبته منتحبا على فقدانها – لوحة للفنانة التشكيلية هند الجرمي

لم تكن لتمر هذه الفعلة الدنيئة من محتل اعتاد الغدر والقتل والحرق في تاريخه البغيض فتنادى فرسان العشائر الأردنية تحت راية الحجايا وأعادوا الكرة على المحتل التركي وساندتهم قوة نظامية من قوات الثورة العربية الكبرى فحملوا على الاتراك المغول حتى انبثقت ساعة النصر ورفعت راية الثورة العربية الكبرى على محطة جرف الدراويش لتكن لبنة جديدة في طريق الاستقلال الأردني الذي جبل بدم جداتنا وأجدادنا .

 

المراجع:

  1. المقتبس،ع615 (4 اذار 1911م) ، ص2
  2. سليمان حماد القوابعة، الثورة العربية الكبرى (معارك الطفيلة-صور من البطولة) ، أزمنة للنشر والتوزيع، ط1، 2008
  3. الثورة العربية الكبرى : الموسوعة التاريخية المصورة ، البحث التاريخي والإشراف الدكتور بكر خازر المجالي ، مركز أرض الأردن للدراسات والنشر،2011.
  4. الريس،منير الريس،الكتاب الذهبي للثورات الوطنية في المشرق العربي،ط1 1969

نساء الثورة – نشميات الحجايا

Woman on porch

بقلم الدكتورة انعام الور

يهدف هذا المنشور الى التعريف بالتصنيف العام للهجات الأردنية التقليدية وتفرعاتها ونأمل من خلال هذه التغطية الموجزة جدا أن تكون معينا للشبيبة ممن لديهن او لديهم اهتمامات في الدراسات اللغوية في تحديد مواضيع بحثية وأن تشجعهم على القيام بذلك. فأبناء الأردن أقدر على دراسة لهجات بلدهم ان أرادوا ذلك. وأذكّر في هذا السياق اننا نعمل في مؤسسة ارث الأردن من أجل تنظيم دورات وورشات عمل لتدريب كادر من الباحثات والباحثين يغطي جميع مناطق المملكة بهدف تجميع مادة لغوية تكون أساسا لإنشاء مكتبة لغوية اردنية ومن ثم العمل على اصدار أطلس لغوي للهجات الاردن

تُصنّف اللهجات الأردنية ضمن عائلة اللهجات المشرقية. وحتى نتفادى الخلط بين مدلول كلمة ‘المشرقية’ كما استعملها في هذا المنشور واستعمالها في ثنائية ‘مشرقي-مغربي’، وهو التصنيف الجغرافي-اللغوي المعتمد في التفريق بين مجموعتين كبيرتين للهجات العربية، فإنني أعني بالمشرقية لهجات شرق المتوسط، ويقابل هذا التعبير في الإنجليزية:

Levant, Levantine dialects

تشمل هذه المجموعة لهجات كل من سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، مع الاخذ بعين الاعتبار أن في كل من هذه المناطق تعددية لهجية ولغوية لا يشملها هذا التصنيف، فمثلاً في سوريا، تصنّف لهجات منطقة الجزيرة الفراتية عامة ضمن لهجات ‘ما بين النهرين’ كالعراقية، ايّ انها ليست لهجات مشرقية. واللهجات البدوية من مثل لهجات عنز وشمّر تعتبر لهجات جزيرية –نجدية على الاغلب. وفي سوريا تعدد لغوي كبير نسبيا: عربية، كردية، سريانية، دومرية، ارمنية الخ. في لبنان هنالك بعض اللهجات البدوية وهي ليست مشرقية، إضافة الى اللغات الأرمنية والسريانية والدومرية. وفي فلسطين، جميع اللهجات البدوية جنوبا-النقب- هي لهجات غير مشرقية، إضافة الى وجود مجموعات تتحدث اللغات التالية: السريانية والشركسية والارمنية والدومرية.

وبالنسبة الأردن، فإن جميع اللهجات التي نسميها ‘بدوية’ لا تصنف على انها مشرقية. بعض هذه اللهجات البدوية يمكن تصنيفها مع المجموعة النجدية، مثلا لهجة قبيلة بني حسن، وأخرى يمكن تصنيفها مع المجموعة الحجازية، مثل لهجة قبيلة الحويطات.[i] وفي الأردن أيضا تعددية لغوية: شركسية –اديغيه؛ شيشانية-انغوش/غالغاي؛ دومرية؛ تركمانية؛ ارمنية؛ سريانية.

تقسم عائلة اللهجات المشرقية الى قسمين رئيسيين: شمالية وتشمل لهجات الساحل والداخل في سوريا، عدا الحورانية، ولهجات لبنان؛ وجنوبية وتشمل لهجات الأردن وفلسطين، كما يوضح الرسم ادناه

اللهجات المشرقية
اللهجات المشرقية

وأما الفرع الأردني تحديدا فإنه يقسم الى ثلاثة أنواع أُدرجها اسفله مع ذكر لهجة ممثلة لكل فرع:

– الحورانية (لهجة عجلون)

– البلقاوية (السلط)

– المؤابية (الكرك)

Jordanian Accents

هنالك بحث واحد فقط، وصفي شامل عن لهجة السلط حصرياً، أسميه على سبيل الدعابة ‘القاروط’، وقد قام بإجرائه برونو إران ونال عليه درجة الدكتوراه من جامعة بروكسل، ونعكف حاليا على إصداره ككتاب بعنوان ‘قواعد اللهجة السلطية’.[ii]

تتشارك اللهجات الأردنية بخصائص لغوية على جميع المستويات التركيبية من نظام صوتي –فونولوجيا- ونحو وصرف ومفردات، كما يمكن تمييز الواحدة عن الأخرى بحفنة خصائص، يعرفها الأردنيون على السليقة. ومن الصفات المشتركة بين جميع اللهجات الأردنية، أذكر التالية:

خصائص لفظية – تشترك اللهجات الأردنية التقليدية بجميع الفاظها عامة، سأرمز للفظ الأردني لحرف القاف باستعمال الحرف العربي المعتاد /ق/، ولا ضير في ذلك فليس في اللهجات التقليدية غير هذا اللفظ.[iii] ونظراً لأهمية التباين في لفظ هذا الصوت من حيث معانيه الاجتماعية-السياسية فإنني سأفرد له منشورا خاصاً قادماً.

ثم ان جميع اللهجات الأردنية التقليدية تحوي /ث/ /ذ/ /ظ/ وجيم شديدة، وليس بها /ض/.

في اللهجات الشمالية –الحورانية- يكون حرف العلّة مضموماً في الكلمات من مثل {جُبنة، قمُح، بحُر، قبُر، طعُم، قبُل}، بينما تلفظ هذه الكلمات بكسر حرف العلة في لهجات الجنوب {جِبنة، قمِح، قبِر، طعِم، قبِل}. وأما في لهجة السلط فان الصيغة الحديثة هي الكسر، ولكننا نعتقد بالاعتماد على الأبحاث التي اجريتها مع إران بأن لهجة السلط القديمة كانت تلفظها بالضم كما في لهجات الشمال، ولكنها تغيرت اجمالا الى الكسر في لهجة السلط الحديثة وقد تم اعتماد الكسر في لهجة عمّان ايضاً، كما ان لهجة اربد تتباين بين الضم التقليدي والكسر الحديث، ما يؤشر على تغيّر لغوي باتجاه الكسر في لهجات الشمال. في بحث دكتوراه على وشك الانتهاء تبين طالبتي نورا أبو عين بأن الكسر دخل ايضاً الى لهجة سحم الحورانية

في اللهجات الشمالية تُفخّم اللام في كلمات من مثل {قال، خال، برغل، نخلة، قلعة، غلا}، بينما تُلفظ اللام مرققة في الكرك والجنوب اجمالا. وفي حالة لهجة السلط فإننا وجدنا انها ايضاً كانت بها لام مفخمة في هذه الكلمات، وما زالت كذلك في كثير منها، ايّ ان هذه الخاصية أيضا متباينة في السلط بين التفخيم والترقيق. وقد بيّن بحث الدكتورة اريج الحوامدة في بلدة سوف، والذي نالت عليه درجة الدكتوراه حديثا، بأن تفخيم اللام متباين في سوف أيضا، وذات الشيئ اشارت اليه نتائج بحث نورا أبو عين في سحم. هاتان الدراستان تشيران بوضوح بأن الترقيق قد غزا لهجات الشمال في قلب حوران، عقر دار التفخيم.

تُقلَب الكاف /تش/ عندما تُسبق او تُلحق بالكسر اجمالا وأحيانا بالضم، في كلمات من مثل {تشيف (لعاد)، ديتش، رِتشب، ديوتش، أبوتش، قلتلتش}، مع ملاحظة ان هذا القلب لا يحدث في مواقع أخرى، فنقول {كيلة، كُنّا، أكل، بوكل، كريم، فُك، مفكوكة}. هذه الخاصية متأصلة في جميع لهجات الشمال والسلط. وأما في الكرك وقراها والجنوب اجمالا فباعتقادي انها ليست على ذات القدر من الانتشار، مع انها موجودة ايضاً، وربما كانت خاصية لبعض اللهجات وليس جميعها في الجنوب –يلزمنا التأكد من قواعد توزيع هذه الخاصية في الكرك والجنوب اجمالاً. وبالعودة الى الشمال والسلط فإن ابحاثنا تشير بوضوح الى تناقص مضطرد في استعمال /تش/ في السلط، وهي قطعا غير موجودة في عمان، وتتباين وربما تتناقص أيضا في الشمال، حسب نتائج الدكتورة اريج الحوامدة من سوف.

خصائص صرفية. تحتفظ جميع اللهجات التقليدية بصيغ خاصة لمؤنث ومذكر الجمع في نهايات الكلمات كما في الضمائر، فنقول {هم – هن، انتو-انتِن} {عِمْلو-عِمْلِن} {داركو-داركِن} {دارهم – دارهِن}. وقد تخلّصت لهجة عمّان من صيغ المؤنث فأصبحت {هم، انتو، عملو، دارهم} تعني الجنسين. كما ان لهجات المدن في الشمال والسلط والجنوب تنحى الى ذات التغير، بحيث تُلغى صيغة المؤنث وتعمم صيغة المذكر.

خصائص نحو-صرفية. نظام النفي في لهجات الشمال والسلط يحوي علامتين، {ما} و {ش} وتأتي هاتان اما ملتصقتان كما في {مش ماكل} او منفصلتان كما في {ما اكلتش}. وتستعمل {لا} مع فعل الامر عامة وليس حصرا {لا توكل}. وليس لدينا تحليل دقيق عن الوضع في الكرك ولكن الدلائل تشير الى انه بالإضافة الى {لا} والتي تستعمل كما في اللهجات الأخرى، فإن النفي يقتصر على استعمال {ما} دون {ش}، وتلحق {ما} بنهايات/لوحق توافق الفاعل عددا وجنساً فنقول {اني ماني عاملة كذا، انتَ منتا، إنتِ منتي، انتو منتو، احنا محنا، هو مو، هي مي، همَّ ممَّ، هن من، احنا محنا}.

أرحب بتعليقات القراء الكرام، وربما زودونا مشكورين ببعض من كنوز لهجاتهم. أمامنا الكثير من العمل في توثيق لهجات الأردن والأمل معقود على الشبيبة للبدء بهذا المشروع الهام.

[i] هنالك نقص حاد في الدراسات التي تغطي اللهجات البدوية الأردنية فلا توجد حتى الآن أي دراسة شاملة في وصفها. أرجو التنبه الى ان ما ذُكر عن تصنيف اللهجات البدوية في المنشور لا يعدو كونه استنتاج اولي. ومن اللهجات التي تم وصفها بشكل جزئي، لهجة البدول –رسلان بني ياسين وجوناثان اوينز؛ لهجات قبائل العجارمة والحويطات وبني صخر –هيكي بالفا

[ii] المعني هنا هو الدراسات الوصفية الشاملة حصراً.
يوجد عدة دراسات اهتمت بتحليل خصائص معينة في أُطر نظرية عدة منها علم الأصوات وعلم النحو وعلم اكتساب اللغة وعلم اللغة الاجتماعي الذي اتخصص انا به. ويعود الفضل في اول دراسة عن الأردن في علم اللغة الاجتماعي الى زميلي الأستاذ حسن عبد الجواد –جامعة اليرموك سابقا، جامعة السلطان قابوس حاليا. وتبعه الأستاذ محمود الخطيب من جامعة العلوم والتكنولوجيا. كما للزميل الدكتور محمود السلمان من جامعة البلقاء عدة أبحاث في هذا المجال.

[iii]

اللهجة الأردنية الوحيدة التي يلفظ فيها هذا الحرف كما في الفصحى هي لهجة الدروز في الأزرق؛ كما ان لهجة السريان الاصلية كانت بها هذه القاف الفصيحة. غير هذه اللهجات لا نجد في الأردن لفظ قاف.

جغرافية اللهجات الأردنية وبعض خصائصها

 

Amman
صورة لجبل القلعة بعمان غير معروفة المصدر

د. انعام الور في اضائة لهجية لغوية أخرى:

اخصص هذا المنشور للحديث عن اللاحقة –كُمْ  في لهجة عمّان، وهي اللاحقة التي تتصل بالأسماء والافعال واحرف الجر في صيغة جمع المخاطَب، كما في الأمثلة التالية:

 

شو أخباركُمْ

عْملتِلكُم

بْيتكُم

عِندكُم

سألناكُم

 

بيَّنَت نتائج البحث في عمان ان صيغة –كُمْ هي الصيغة التي يستعملها جميع افراد العينة من العمانيين من الجيل الثالث وأن هذه الصيغة لم تكن موجودة في الخليط الأصلي للهجات ‘الروّاد’ من الجيل الاول وانما تم استحداثها في لهجة الجيل الثالث فقط.

فما هي الصّيَغ التي جاءت الى عمان مع الجيل الاول؟ وكيف تم استحداث صيغة جديدة، او بالأحرى لما لم يتم اعتماد احدى الصيغ المستعملة في اللهجات الاصلية للجيل الاول؟

سأوجز اولاً الخطوط العامة لكيفية تَشكُّل اللهجة العمانية[i] من خلال مراجعة سريعة للوضع اللغوي الذي نشأ نتيجة لهجرة الاوائل من قراهم ومدنهم الاردنية والفلسطينية خاصة خلال العشرينات والثلاثينات من القرن الفائت،  وبالذات اولئك الذين انتقلوا من مدينتي السلط ونابلس، فللهجات هاتين الفئتين التأثير الاكبر فيما آلت اليه اللهجة العمانية كما أنَّ لهاتين الفئتين الاجتماعيتين اثر ‘الروّاد’ في تكوين نواة المجتمع العمّاني.

تكونت لهجة عمّان خلال ثلاثة أجيال:

  • الجيل الأول وهم الذين انتقلوا الى عمان في سن البلوغ، وكانوا عندئذ يتحدثون لهجاتهم الام، السلطية والنابلسية، كما اكتسبوها في صغرهم في مُدُنِهم الاصلية. وكما هو متّفق عليه في علم اللغة، وتحديداً مراحل اكتساب واتقان اللغة الأم، فإن الانسان يُكمِل مرحلة اكتساب اللغة واتقانها خلال السنوات العشر الاولى من العمر، ويستعصي على الانسان بعد ذلك تغيير العادات اللغوية التي فُطِرَ عليها.
  • الجيل الثاني وهم الذين انتقلوا الى عمان في سن مبكرة، او ولدوا فيها بُعَيد وقت قريب من وصول الجيل الاول. في لهجة هذا الجيل رصد البحث خليط لغوي شبه عشوائي بحيث لا تحتكم لهجة هذا الجيل الى قواعد لهجة آبائهم وامهاتهم من الجيل الاول في كثير من تفاصيلها.
  • الجيل الثالث وجميعهم ولدوا ونشأوا في عمّان. رصد البحث في لهجة هذا الجيل قواعد لهجة جديدة هي حتماً ليست مطابقة لأيٍ من اللهجات الاصلية التي تحدثها الجيل الاول، وتتسم لهجة الجيل الثالث بالثبات والانضباطية بعكس اللهجة التي يستعملها الجيل الثاني –انظر أعلاه- كما يتفق افراد هذا الجيل على قواعد هذه اللهجة العمّانية، بغض النظر عن الاصول اللهجية لأجدادهم، أي ان السمات العامة للهجة الفرد من الجيل الثالث والذي انحدر من اصول سلطية تتوافق مع السمات العامة للهجة التي يتحدثها الفرد من الجيل الثالث والذي انحدر من اصول نابلسية، ولا يستعمل ايٍ منهما لهجة اجداده الذين وصلوا الى عمّان. مما يعني ان الجيل الثالث قد كوّن ‘جماعة لغوية’ جديدة، بالإضافة الى تكوين لهجة جديدة.

وبالنسبة للصيغة موضوع هذا المنشور فإن ما وصل عمّان مع الجيل الاول كان كالتالي:

جدول ١: الصيغ المستعملة في لهجات الأجيال الثلاثة مُمَثلة بتعبير ‘كيف حالكم’.

 ملاحظة: سأقوم بوضع خط تحت الكلمة التي يُلفَظ فيها حرف الياء كما يُلفَظ في كلمة ‘ليش‘، وسأضع كسرة اسفل الياء اذا كانت الياء تُلفَظ كما في كلمة ‘عيِد’.[ii]

الجيل

السلطنابلس
الجيل الأولكيف حالكو (مذكر)كيِف حالكُن (للجنسين)
كيف حالكِن (مؤنث)
الجيل الثانيكيف حالكو (للجنسين)كيِف حالكُن
كيِف حالكو
كيِف حالكُن*
الجيل الثالثكيف/كيِف حالكمكيِف حالكم

يُبيِن الجدول ١ ما يلي:

أولا، تحافظ اللهجة السلطية التقليدية –الجيل الاول- على تخصيص صيغة لكل جنس (مذكر/مؤنث) بينما تدمج النابلسية الجنسين في صيغة واحدة.

ثانياً، في النابلسية، كما في لهجات معظم المدن الفلسطينية والسورية واللبنانية، فإن الصيغة المعممة للاستعمال مع المذكر والمؤنث بها ‘نون’، وربما كانت هذه هي صيغة المؤنث وعُممت بحيث أصبحت تستعمل مع المذكر أيضا.

 

ثالثا، تختفي صيغة المؤنث عند الجيل الثاني ممن ينحدرون من أصول سلطية ويتم تعميم استعمال صيغة المذكر فقط للدلالة على الجنسين، مع ان بعض النساء استعملن ‘كيِف حالكُن’. كما نجد هذا التطور في لهجات السلط الحديثة حيث ان صيغة المؤنث في تناقص مضطرد –وربما تختفي مستقبلا- ولا نجد تعميم المؤنث، كما في اللهجات المدينية الفلسطينية والسورية واللبنانية، في أي من اللهجات الأردنية على الاطلاق، وانما ما نجده، مثلا في لهجة السلط الحديثة والتي في طريقها الى ادماج الصيغتين، ان صيغة المذكر هي التي تُعَمم فنقول: ‘كيف حالكو’ عند مخاطبة مجموعة من الرجال او مجموعة من النساء.

رابعاً، الصيغة المستعملة في الجيل الثالث مُتّفق عليها من قِبَل جميع افراد العينة، بغض النظر عن ارثهم اللهجي، سلطي كان ام نابلسي، ولا تطابق هذه الصيغة الجديدة ايٍ من اللهجتين الاصليتين، أي انها صيغة جديدة لم تنتقل من الأجيال السابقة وانما اعتمدها الجيل الثالث كصيغة لهذا اللاحق. فما هو السبب، او الأسباب، التي أدت الى ظهور هذه الصيغة؟ لما لم تعتمد العمّانية ‘كيف حالكو’ او ‘كيِف حالكُن’؟

صيغة –كُم هي طبعاً الصيغة المستعملة في الفصحى الرسمية، وقد يخطر بالبال ان الجيل الثالث ينحى الى الترسيم باختيارهم هذه الصيغة. ولكني لا أرى في التطابق مع الفصحى سببا في اعتماد هذه الصيغة في عمان – ايّ انني أرى أنَّ تطابقها مع الصيغة المستعملة في الفصحى هو محض صدفة.[iii]

واما الأسباب الرئيسية التي اراها تُفَسّر لنا هذا التطور ‘الالتوائي’ نوعا ما فسوف اوجزها تحت عنوانين:

خاصية لفظ –كُن

نلاحظ ان الصيغة التي وصلت عمّان من اللهجات المدنية الفلسطينية، -كُن، تختلف عن الصيغة او الصيغ المستعملة في اللهجات الأردنية بصورتين رئيسيتين. أولا، -كُن بضم الكاف تختلف لفظياً عن –كِن مكسورة الكاف والتي نجدها في لهجات الوسط والشمال وتختلف عن –كَن مفتوحة الكاف والتي نجدها في لهجات الجنوب، الكرك مثلا: حالكَن. أي ان –كُن بالضم تبرز، بمعنى يمكن ملاحظتها لاختلافها عما حولها، كلفظ غريب. إضافة الى اختلافها لفظيا فان بها خاصية تعميم المؤنث، وكما ذكرت أعلاه فإن اللهجات الأردنية التي تدمج الصيغتين تدمجهما دائما بتعميم المذكر وليس المؤنث. فتصبح –كُن غريبة ايضاً من منحى قواعدي-صرفي مقارنة باللهجات المحلية.  هذه الخصوصية المزدوجة للفظ –كُن يجعله اقل حظاً عند الاختيار ويسهّل التخلص منه عند نشوء لهجات جديدة ناتجة عن احتكاك لغوي. وهذا هو المبدأ المعروف بعلم اللغة والمسمى
Markedness

وبناء عليه يتم التخلص من الصيغ اللغوية ال لاعتيادية او الغريبة بالنسبة للمحيط المحلي. وهذا يفسّر سبب انحسار –كُن في اللهجة العمّانية. ولكنه لا يُفسّر سبب انحسار –كو مع ان هذه هي المستعملة في اللهجات المحلية الاخرى.

 

نظام صرفي مرتب مع العزيزة –كُم

هنالك عامل ثانٍ يرجّح كفة –كم وهو معني بالتناسق والترتيب في نظام اللواحق والذي يزداد ترتيبا باختيار لفظ –كُم، كما يبين جدول ٢ والذي يُدرج صيغ الغائب والمخاطب لتوضيح هذا الترتيب الذي ينشأ عند اختيار –كُم

Linguistic schedule
ملاحظتي الأخيرة هي ان لهجة القاهرة كان بها حتى وقت قريب –كم وقد تخلّت عن هذا اللفظ وتطورت الى –كو، أيّ عكس ما حدث في عمان، فهل يأتي يوم وننقلب نحن أيضا على –كُم؟كما هو ملاحظ من الجدول أعلاه فبالاستقرار على –كُم يتحقق نظام مرتب جداً ومتناغم، فجميع اللواحق حينها تنتهي بهذي الميم، -هم/-كم.

 

[i] حتى لا أطيل أُحيل القرّاء الكرام المهتمين الى مقالاتي المنشورة المدرجة ادناه للاطلاع على التفاصيل

Amman Arabic. In Encyclopedia of Arabic Language and Linguistics (central articles). 2007. Vol II, 505-517. Leiden: Brill

The formation of the dialect of Amman. In C. Miller, E. Al-Wer, D. Caubet, J. Watson (eds.) Arabic in the City. 2007, 55-76. New York: Routledge.

New dialect formation: the focusing of –kum in Amman. In D. Britain & J. Cheshire Social Dialectology In honour of Peter Trudgill. 2003, 59-67. Amsterdam: Benjamins.

Jordanian and Palestinian dialects in contact: vowel raising in Amman. In Mari Jones & Edith Esch (eds.) Language Change. The interplay of internal, external and Extra-linguistic factors, 2002, 63-79. Berlin: Mouton de Gruyter.

 

 

[ii] اللهجات الأردنية، بما فيها السلطية، لا تكْسِر الياء في ‘كيف’ كما في ‘عيد’ وانما تلفظها باستعمال حرف علّة متوسط الارتفاع كما في لفظ كلمات {ليش، وين، عيب}.

[iii] لا متسع لشرح رأيي هذا في سياق هذا المنشور، ولكني سأعود الى قضية اثر الفصحى عامة في منشورات لاحقة.

تحيّـــــة عمّانيـــــة كيف حالكو  .. كيِف حالكُن .. كيف حالكم

عمان، 1890
عمان، 1890

د. انعام الور
توصّلت نتائج بحثي الميداني في ديناميكية تشكّل اللهجة العمانية وخصائصها اللغوية الى تصنيف عام للخصائص اللغوية التي تمّ فرزها حتى الآن. وأحد هذه الأصناف يحوي خصائص ما زالت ‘رهن التفاوُض’، فلم يتم الاتفاق على شكلها النهائي في اللهجة الوليدة. وهذا هو النوع الذي سأتخذه موضوعاً لهذه المقالة، مُمَثَّلاً بتصريف مضارع فِعْليّ ‘أكل’ و ‘أخذ’، كما في قولنا:

فُلان بوكل/بياكل كثير

فنّان بوخذ/بياخد أُلعقِل!

 

رصد البحث تبايناً مبهراً في تصريف هذين الفعلين، ظهر عند جميع افراد العينة وبغض النظر عن اصولهم، حيث تم رصد ١٩ صيغة مختلفة، كما هو مبيّن في الجدول (١) ادناه:

 

ضميرتصريف ‘أكل’تصريف ‘أخذ’
أنابوكِلْ / باكلبوخذ / باخد[1]
إحنا/نِحْنامنوكِلْ (بكسر الكاف)/ منوكُلْ (بضم الكاف) / مناكلمنوخِذ أو منوخُد أو مناخُد
إنتْبتوكِلْ / بتوكُلْ / بتاكُلبتوخِذّ / بتوخُدْ /بتاخُدّ
إنتيبتوكْلي / بتاكليبتوخذي / بتاخدي
إنتوبتوكلو /بتاكلوبتوخذو / بتاخدو
هوِّبوكِلْ /بوكُلْ / بيوكُل / بيوكِل/ بياكُلبوخِذ / بوخِد / بيوخُد/ بيوخِد/ بياخُد
هيِّبتوكِل / بتوكُل / بتاكُلبتوخِذ / بتوخُد / بتاخُد
همِّبوكْلو / بيوكلو/ بياكلوبوخذو / بيوخدو/ بياخدو

جدول ١

 

وهذا العدد الهائل خاصٌ بهذين الفعلين. لنقارن مثلاً عدد الصِيَغ المستعملة عند تصريف أفعالٍ أخرى مثل مضارع ‘كَتَب’، والتي لا تتعدى ثمان (٨) صِيَغ، وأحيانا ست (٦) فقط، كالتالي:

 

تصريف مضارع  ‘كَتب’
أنا بَكتب
إحنا مْنكتب
إنت بْتكتب
إنتي بْكتبي
انتو بْتكتبو
هوِّ بكتب / بْيكتب
هيِّ بْتكتب
همِّ بكتبو / بيكتبو

جدول ٢

 

فكيف نُفسّر وجود هذا العدد الضخم نسبياً من الصّيَغ في حالة الفعلين ‘أكل / أخذ’؟ وهل هذه الحالة خاصة بلهجة عمّان؟ وما هي توقعاتنا عن التطورات المستقبلية بالنسبة لصيَغ تصريف هذين الفعلين؟ سأحاول التعرض لهذه القضايا من خلال عَرْضٍ مختصر لنتائج البحث الميداني، مقروناً بما هو موثّق من معلومات عن اللهجات العربية عامة ومبادئ علم اللغة المعتَمَدة.

 

من أين لهذين الفعلين كل هذه ‘ألأُبّهة؟

إذا نظرنا الى الصّيغ المدرجة في الجدول الاول نلاحظ نمطين من التصريف:

  • النمط الاول، وهو النمط الاصلي الذي نجده في جميع اللهجات الاردنية التقليدية[2]، يحوي ‘واو’، بوخذ، بوكل، الخ. أي أنَّ هذه الصيغ مشتقة من جذر {يَوْكل}. فنقول في لهجة السلط مثلاً: انا بوكِل، احنا منوكِل، انتو بتوكلو، هو بوكِل الخ.
  • النمط الثاني يحوي ‘ألِف’، باخذ، باكل، الخ. أي ان هذه الصيغ مشتقة من جذر {يأكل}. هذا النمط من التصريف لا نجده في اللهجات الاردنية التقليدية على الاطلاق، أيّ انه نمط حديث دخل الى مدن الاردن عن طريق الاتصال اللغوي مع لهجات أخرى، خاصة بعض اللهجات الفلسطينية (أنظر ادناه) واللهجات المدنية السورية واللبنانية.

 

وحتى يتّضح التصنيف أعلاه، أُدرج هذين النمطين، ممثَّلين بفعل ‘أكل’، في جدول رقم ٣ ادناه:

 

 

ضميرالنمط الاول (أردني تقليدي): واو، من جذر {يوكل}النمط الثاني: ألِف، من جذر {يأكل}
أنابوكِلباكل
إحنا/نِحْنامنوكِلمناكل
إنتْبتوكِلبتاكُل
إنتيبتوكليبتاكْلي
إنتوبتوكلوبتاكْلو
هوِّبوكِلبياكُل
هيِّبتوكِلبتاكُل
همِّبوكلوبياكْلو

جدول ٣

 

بالنظر الى جدول ٣ أعلاه يتبدى لنا أن المصدر الرئيسي لهذا العدد الهائل من الصّيَغ عند تصريف هذين الفعلين هو الخلط بين جذرين مختلفين لاشتقاق هذين الفعلين في لهجة عمّان: الاول يحوي ‘واو’، {وكَلَ/يَوْكل، وَخذَ/يَوْخِذ}، والثاني يحوي ‘ألِف’ كما في العربية الفصحى {أكَلَ/يأكل، أخَذَ/ يأخُذ}وأما الجذر الثاني والذي لا نجده ايضاً في الفصحى المكتوبة.

 

كانت بداية مناقشتي لهذه الظاهرة أنْ بحثتُ في الصّيغ المستعملة في اللهجات العربية الاخرى، وهنا اتّضح أنَّ جميع اللهجات المشرقية في سوريا (عدا حوران[3]) ولبنان ومصر تُصَرِّف فعلي ‘أكل/أخذ’ حسب النمط الثاني، أيّ باستعمال ‘ألِف’ فقط، وأن التصريف باستعمال ‘واو’ محصورٌ في اللهجات الاردنية وبعض اللهجات الفلسطينية.

 

وبمراجعة المعلومات المتوافرة عن اللهجات العربية عامة، اتّضح ان النمط الاول، باستعمال ‘واو’، فعلاً نادر الوجود. حسب المعلومات المتوافرة حتى الآن، جاء ذكره في المناطق التالية:

  • اليمن، مأرب والدثينة (أبْيَن) (لاندبيرغ ١٩٠١، ١٩٠٥-١٩١٣)
  • عُمان، خابورة (بْروكِت ١٩٨٥، راينهارت ١٩٨٤)

 

وفي منطقتنا، ترصد الابحاث المنشورة وجود التصريف حسب النمط الاول، باستعمال ‘واو’ كما في ‘بوكِل’، في اللهجات التالية:

  • السخنة (في سوريا) وتدمر وجميع لهجات حوران (بينشتيت ١٩٩٧)
  • جميع لهجات الاردن وفلسطين عدا القدس والخليل وغزة (بيرغشتريسر ١٩١٥)

 

بالنسبة لما ذكره بيرغشتريسر من ان لهجة القدس ليس بها هذا التصريف فإن التسجيلات التي قُمت بجمعها من لهجة المقادسة من الجيل الاول تعارض ما ذَكَر، حيث اتضّح ان لهجة القدس تطابق لهجات حيفا ويافا من حيث وجود التصريف باستعمال ‘واو’ – وفي هذا السياق أرحّب بأي معلومات يُمكن تزويدي بها من قِبَل القرّاء الكرام، فما توفر لي من معلومات لعلّها غير مُمثَّلة للواقع الحقيقي القديم. وأما بالنسبة للهجة مدينة الخليل فلم يتسنى لِيَ التأكد من المعلومات الواردة في هذا المرجع –وبالنسبة للهجة مدينة غزّة يبدو أن بيرغشتريسر على حق بأن صيغة  ‘ألِف’، النمط الثاني، هي السائدة. أيّ أنَّ اللهجات الفلسطينية تتباين في تصريف هذين الفعلين بين النمط الاول والنمط الثاني.

 

مما ذُكر أعلاه نستنتج إذاً:

  • بالنسبة للتوزيع الجغرافي للنمط الاول النادر الوجود، فإنَّ صيغة ‘واو’، تتركز في لهجات الاردن (بما فيها جميع لهجات حوران) وفي فلسطين (الساحل والجليل والداخل، عدا اللهجات المذكورة اعلاه)، ومن ثم في بعض لهجات جنوب الجزيرة.
  • وجود جذرين لتصريف هذين الفعلين:{أخذ/ يأخذ، وخذ/يوخذ}، {أكل، يأكل/ وكل، يوكل}
  • مصدر التباين والعدد الكبير نسبياً للصيغ المستعملة في لهجة عمّان هو الاحتكاك اللغوي الذي حصل نتيجة لتوافر لهجات تُصَرِّف حسب النمط الاول ولهجات تُصَرِّف حسب النمط الثاني.

 

نتائج البحث والوضع الحالي في عمان

تُظهر التحليلات أنَّه ولربما لتوفّر هذا العدد الكبير من التصريفات فإن التفاوض حول الاستقرار على نمط معيّن ما زال قائماً. ومع ذلك، فهناك مؤشرات شبه واضحة، أُلخِّصها ادناه:

  • لقد تم اعتماد النمط الثاني في صيغة المتكلم المفردة: ‘انا باكل / أنا باخذ’، حيث تُظهر النتائج الاحصائية أنَّ صيغة:’ أنا بْوكِل’ / أنا بوخِذ، وهي الصيغة التي نجدها في اللهجات الاردنية التقليدية، قد اختفت تماما من لهجة العمانيين من الجيل الثالث. ما يعني ان لهجة عمّان تركّزت على هذا النمط في تصريف صيغة ضمير المتكلم المفرد. وهذه هي الصيغة الوحيدة التي تم الاتفاق عليها، بينما تتباين جميع الصِيَغ ال ١٨ الباقية.
  • التصريف حسب النمط الثاني، ألف’ لباقي الصَّيغ في ازدياد مضطرد، ولكنه يحدث بالتدريج-صيغة صيغة- وبالترتيب.

 

والسؤال الأخير الذي يطرح نفسه في سياق النتائج المرصودة هو: لماذا تتجه لهجة عمّان الى اعتماد النمط الثاني بالرغم من أنَّ النمط الاول، كما يبدو، كان غالباً في لهجات المهاجرين الاوائل الى عمّان، كما ان النمط الاول، كما بيّنت أعلاه، هو النمط الغالب والتقليدي في لهجات الاردن كما في كثير من لهجات فلسطين التقليدية.

 

الاجابة على هذا السؤال الهام وباختصار تَكْمُنُ برأيي أولاً في نُدرة التصريف حسب النمط الاول، واو، في اللهجات العربية كَكُلّ ما يجعل هذا النمط من التصريف مستهجناً بصورة عامة، وثانياً أنَّ صيغة ‘أنا بوكل’ الاردنية التقليدية غير موجودة في اللهجات المدنية الفلسطينية- والتي تُشكّل سوية مع اللهجات الاردنية التقليدية العناصر الاهم في تشكيل اللهجة العمّانية-  مما سرَّع في اضمحلال هذه الصيغة (انا بوكِل) ومن ثم اختفائها تماماً من لهجة الجيل العمّاني الثالث، وباختفاء هذه الصيغة تكوَّنَ ما يُمكن وصفه بالمُحرّك الذي دفع باتجاه التخلّص من صِيَغٍ مشابهة، أيّ تلك المشتقة من الجذر الذي يحوي ‘واو’ {يوكل، يوخذ}، ما يعني ان هذا الحَدَث اللغوي في عمّان لربما كان نتاجاً لتفاعل تسلسليّ، كأحجار دومينو مصفوفة وقوفاً فدفع الحجر الأول سيتسبب حتماً بدفع الحجر الذي يتبعه وهذا بدوره سيتسبب بدفع الحجر الذي يتلو وهكذا.  في نهاية المطاف، وفي حال استمرار هذا التغير التسلسلي فسيؤدي الى انتظام مجموع الصِيَغ الصرفية لهذين الفعلين. وهنا تتجلى عبقرية اللغات الانسانية في انها نظام مُحْكم ذاتياً دونما الحاجة الى رقيب وحرّاس!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] عند تمثيل صيغ هذا الفعل كتابة سأقوم باستخدام حرفي الذال والدال بتبادل، ‘باخذ’ او ‘باخد’ فكلا اللفظين مستخدمين في لهجة عمّان كما بيّن البحث.

[2] ونعني باللهجات الاردنية التقليدية تلك اللهجات المستوطنة في منطقتنا منذ قِدم العصور، وتمثلها لهجات المدن الاردنية من مثل لهجات السلط وعجلون واربد والكرك والشوبك والطفيلة. في الاردن ايضاً لهجات غير مشرقية، وهي اللهجات التي نسميها لهجات بدوية، منها مثلاً لهجة قبيلة بني حسن الاردنية الكريمة، ففي هذه اللهجة لا تصرّف الافعال المضارعة بالبادئة –ب- مثلاً يُقال: الولد يِلعَب، ومرادفها في اللجة السلطية: الولد بِلعَب. وتباعاً يكون تصريف ‘أكل’ في لهجة بني حسن  هكذا: أنا آكل، حِنّا ناكل، هو ياكِل، هي تاكِل، هم ياكلو/ياكلون، الخ.

[3] تُصنّف لهجات حوران السورية ضمن اللهجات الاردنية عند المتخصصين، حيث انها أقرب بكثير الى اللهجات الاردنية منها الى لهجات الساحل أو الداخل السوري بمعناه الجغرافي. وأما لهجات الجزيرة الفراتية في سوريا فإنها تصنّف كلهجات ‘بلاد ما بين النهرين’ كالعراقية، أي انها ليست مشرقية. كما ان جميع اللهجات التي نسمّيها في منطقتنا ‘بدوية’ هي لهجات غير مشرقية، مثلا لهجات عشائر بدو الاردن الكريمة: بني حسن، بني صخر، الحويطات الخ، وعشائر سوريا: عْنِزة، شمّر، الخ.

تُحْفةٌ لُغَويةٌ من عمّان

Scroll to top