*هذا البحث يحتاج مزيد من الصور بانتظار صور غزوة العون في الأسبوع القادم. ما تصنيف هذا النوع من الأبحاث؟ ش.

مقدمة

اتخذ أهل البادية الأردنية بيوت الشعر مأوى لهم، يُسهّل انتقالهم به من صحراء قاحلة إلى (نَزل) خصيب تأكل منه مواشيهم ويكونوا فيه قريبين من تجمعات المياه ومصادرها، ولأن المجتمع البدوي الأردني حاله كحال كل شعوب الأرض لهُ هويته الثقافية الخاصة به تبعا للبيئة المحيطة حيث يأكلون اكل يتناسب والعناصر الغذائية المتاحة، ايضا كانوا يلبسون لباس من وحي بيئتهم وثقافتهم فلذلك استطاعوا أن يستثمروا الوبر والشعر والصوف الذي يغطي أجساد ماشيتهم في تصنيع وحياكة بيت الشعر بالإضافة للعديد من المنسوجات التي اشتهر بها أجدادنا الأردنين.

بيت الشعر هو حامي أهل البادية الأردنيون ورفيق الدرب في حلهم وترحالهم لسهولة بناءه وسرعة هدمه، هذا من الناحية المادية (الملموسة) لبيت الشعر اما من الناحية الروحانية المرتبطة بوجدان البدوي الأردني فهو مصدر الدفئ والأمان وعادة ما يجتمع فيه الأحبة والأقارب وتحل فيه المشاكل وترجع الحقوق إلى أهلها وترد المظالم.

أهمية بيت الشهر

 لقد كان بيت الشعر وما زال واحدا من أهم عناصر الحياة البدوية. وخلال الفترة الترحالية  شكل بيت الشعر موطنا ومأوى؛ أما في الفترة الحديثة التي استقر فيها الإنسان اعتبر بيت الشعر أيقونة معبرة عن الهوية البدوية.

تصنع الخيم (بيوت الشعر) من شعر الماعز (الجمال) مما يجعل البيت سطحا يقي من الشمس ومن المطر حيث يتمدد في الشتاء ليمسي سطحا مضادا للمياه.  عادة ما تكون الصحراء شديدة البرودة في الليل ولكن تصميم بيت الشعر والمواد الخام التي يصنع منها تمنح الدفء والسلام للعائلة البدوية.  في الماضي كان بيت الشعر مناسبا للحياة البدوية لعدة أسباب: إن “جدران” الخيمة  يمكن إعادة ترتيبها بوضعيات مختلفة تخدم أغراضا مختلفة؛ كما أنه من السهل توضيب الخيمة وحملها  على ظهر الجمال عند الترحال من مكان لمكان؛ وأخيرا، من السهل نصب الخيمة لأن عدد الذين يشاركون في نصبها كبير.

“تبنى بيوت الشعر بشكل مثالي لتناسب بيئة الصحراء ونمط الحياة الترحالي” (واير،1976، ص1)

اليوم، تنصب بيوت الشعر عند بعض الناس بجانب بيوتهم الإسمنتية، ويكون بيت الشعر مكانا لاجتماعات العائلة وللاسترخاء ولاستضافة الضيوف.  يستضيف الرجال اجتماعات مسائية تعرف بالسهرة حيث يتلو الشعراء والمغنون الشعر مع أنغام الربابة التي يعزفونها بأنفسهم(Hoodand  Al-Oun,   2014)

   تعزز عملية نصب الخيمة روح الفريق والجماعة في نفوس البدو فيعمل الرجال والنساء سويا وكل فرد يمتلك دوره في عملية البناء.

يتم تدعيم سقف بيت الشعر بعدة أعمدة ويثبت بحبال مربوطة إلى الأرض  أما مكونات بيت الشعر فهي كالتالي: 1- الشْقَاق وهو سقف بيت الشعر

 2- الرواق وهو الجدار الخلفي للخيمة.

 3- الرُفَه وهي جوانب الخيمة من النسيج المتدلي من السقف.

4- الساحة وهو الجدار الفاصل بين جانب الرجال وجانب النساء.

5- الملرة؟ almalra وهي قطعة من القماش غالبا ما تكون بالأبيض والأسود أو الأسود تستخدم لربط قطع النسيج في الخيمة مع بعضها البعض.

6- الوتد وهو ما يوضع في الأرض لتثبيت الخيمة.

7-الكارابية  karabia وهي قطعة حديد تستخدم لربط أجزاء الخيمة  بالحبل الذي يربط بالوتد المثبت بالأرض، منذ قرن مضى صنع هذا الجزء من الخشب وقبل مئتي عام كان يصنع من الحبال المنسوجة من شعر الماعز.

 8- الخلال، وهي مسامير خشبية  تصل السقف بالجدار الخلفي؛ ويسمى الحبل الذي يجمع كل الخلال جارر

 9- المقدم: العمود الأمامي.

 10- الواسط وهو العمود في وسط بيت الشعر.

 11- الشار، المَيخر والكاسر هي الأعمدة التي ترفع سقف الخيمة.

12- مدهي mdhi وهي عجلة لخياطة الخيمة.

 13- البطاحية  albatahia وهي جزء من الخيمة يستخدم لربط الخيمة مع الحبل أو الوتد.

14- الطريقة أربطة ونسيج يوضع بشكل عمودي.

15- الطنيب وهو حبل.

هنالك عدة أنواع من البيوت الشعر والتي غالبا ما تسمى تبعا لعدد الأعمدة المستخدمة بالخيمة  (كلما زاد عدد الأعمدة كان البيت أكبر):

  الخربوش وهي خيمة صغيرة مكونة من قسمين عادة ما تكون للعائلات الفقيرة أو الأرامل أو مسكنا سابقا للرعاة.

2- القطبة وهي خيمة صغيرة مكونة من عمود واحد وقسمين ولكنها أكبر من الخربوش.

3- الصهوة وهي خيمة من عمودين وثلاثة أقسام.

4- مثولث وهي الخيمة المكونة من ثلاثة أعمدة وأربعة أقسام.

5- المروبع (أربعة أعمدة وخمسة أقسام)

6- المخومس( خمسة أعمدة وستة أقسام.)

 هنالك بعض السمات التي يتسم بها بيت الشعر بشكل عام. فالواجهة الأمامية للخيمة عادة ما تتجه نحو الشرق رغم أن البدو يمكن لهم أحيانا أن يغيروا اتجاه الخيمة للاتجاه المعاكس في الشتاء  بحسب زاوية الشمس. كما يقوم البدو في الشتاء بحفر خندق (الوني) حول بيت الشعر  كي يمنع الماء من الدخول إلى البيت.  وبشكل رئيس، يقسم بيت الشعر لقسمين: واحد على اليمين وهو قسم للرجال فقط. ويسمى المقعد والثاني على اليسار للنساء والأطفال ويسمى المحرم. ويعتبر قسم الرجال “الواجهة العامة” للخيمة؛ وفيها يستقبل الرجال الضيوف. أما قسم النساء فيتوارى عن أعين العامة  وهو المكان الذي تطبخ فيه النساء وتقوم بأعمال المنزل اليومية وتعتني بالأطفال. ويحوي قسم النساء على المطبخ الذي يسمى الحدرة.  وفيه توجد طاولة خشبية متوسطة الحجم  (الإرزل) حيث توضع المراتب (الفراش) والأغطية والوسائد التي تسمى (لحاف).  أما الأثاث الذي يدعى (الوهاد) يحفظ أيضا في جانب النساء. تكوم النساء أيضا مجموعة من الحجارة تسمى معا (الرصاف) وتكون في مكان خاص على جانب النساء.  وهنالك العدل (جمعها: العدول)  وهي حقائب كبيرة من صوف الخراف لحفظ الطعام والملابس وأغراض المنزل لتسهل عملية الترحال من مكان لمكان، توضع هذه الحقائب على الحجارة المكومة (الرصاف) لتجعلها بعيدة عن الفئران.  وعند الترحال، يضع البدو الأطعمة الدهنية كالزبدة والسمن في حقائب منفصلة لتحمل على جمل مخصص لها وذلك لمنع باقي الأغراض من أن تلوث بالزيت.

  وفي كلا القسمين قسم الرجال وقسم النساء يوجد “فانوس”  وإن كانت العائلة البدوية فقيرة جدا  يمكن أن تعتمد على النار كمصدر للإضاءة في الليل. ونتيجة لما يحمله قسم الرجال من رمزية عامة لم تتغير عبر الزمن يوجد في هذا القسم موقد يسمى النقرة. كما يحوي على الأمور التالية: الزمزمية (قارورة حديدية لحفظ القهوة) السترة ( صندوق خشبي لحفظ الأشياء اللازمة لصناعة القهوة والشاي للضيوف. عليقة وهي  حقيبة من النسيج لحفظ القهوة. زابية تلفظ (ضابية) وهي حقيبة مصنوعة من جلد الغزال لحفظ القهوة. شالة وهو وعاء معدني يستخدم لشرب الماء  ويأتي بأحجام عدة. النثولة وهي ثلاثة أحجار تظل قريبة من النار لوضع دلة القهوة عليها  كرمز للكرم. شداد (جمعها شدة) وهي نوع من الأثاث الخشبي والنسيجي

المرأة البدوية وعلاقتها مع بيت الشعر

في الماضي، شاركت المرأة البدوية في عملية حياكة وخياطة الخيم  كفريق، فتنادي النساء بعضهن عندما يحبن الوقت لصناعة خيمة. يخيطن سوية  قطع القماش التي نسجنها مسبقا. وعند حياكة الخيمة، تسلي النساء البدويات أنفسهن عبر حكاية القصص والتحدث عن حياتهن وغناء بعض الأغاني الخاصة التي  تناقلنها من جيل إلى جيل.  وعلى الرغم من أن الرجال كانوا يشاركون في عمليتي نصب وتفكيك الخيمةإلا أنه  يمكننا القول بأن وجود بيت الشعر يعتمد على المرأة في الصنع والنصب والتفكيك حيث كانت  كل هذه الأمور من المهام الرئيسة التي تفعلها النساء البدويات.

المصدر:

  • Aloun, G., Hood, K., The Bedouin beauty of my grandmother (2017) the Hashemite fund for development of Jordan Badia and Ministry of culture, (p. 13-16)

بيت الشعر البدوي الأردني

مقدّمة

يُعتبر السامر طقسًا فنيًا كبيرًا من جملة الممارسات الإبداعية التي طوّرها الإنسان الأردني لتكثيف وتركيز قدراته على التعبير في المناسبات وإبراز قيمه التي يحرص على تأكيدها وتوريثها للأجيال القادمة من خلال ممارسته لها في المناسبات كلما سنحت الفرصة له بذلك. وعندما نقول “السّامر”، فإننا نقصد بذلك نظامًا متكاملاً من الغناء (شعرًا ولحنًا)، والرّقص والأزياء، وما هو على هامش ذلك من الترتيبات الديكوراتيّة المرتبطة بكل ما سبق ذكره من العناصر الفنيّة التي تشكّل مجتمعةً “طقس السّامر”.

التسمية

ترتبط تسمية هذا الطقس الاحتفالي بالسّمر، أي السّهر، والسّهر عادة يمارسها الأردنيّون بتسميات مختلفة مثل “التعليلة” – أي حلقات السهر المصغّرة في المضافات والبيوت – التي ترتبط بجرّات آلة الربابة وغناء القصيد والهجيني. في حين يُقام طقس السامر في السهرات الكبيرة التي يجتمع فيها عدد كبير من الأقارب والضيوف على هامش مناسبة سعيدة مثل العودة من السفر أو الطهور، أو الأعراس التي غالبًا ما تكون على مدى عدّة أيام بحسب عادات الأردنيين. ويُعتبرُ طقس السّامر الذي يُقام ليلةَ الزفّاف، وسيلة للإعلان عن الفرح، ولدعوة السامعين في المناطق المجاورة لمشاركة أهل المناسبة السّهر وشرب القهوة وتناول طعام العشاء، حيث يبدأ الزوّار بالتقاطر نحو بيت الفرح المزيّن بمشاعل النيران والرايات البيضاء ودق المهابيش ودلال القهوة الدوّارة.

الطقس

تعني كلمة “طقس” (وهي مأخوذة عن الكلمة اليونانيّة τάξις تاكسيس  “taksis” ومرادفها في الإنجليزية Rite) : النظام والترتيب الشعائري، بمعنى ترتيب مجموعة من المراسم والفقرات الأدائية بنسقٍ محدّدٍ وواضحٍ، وعلى مراحل متتاليّة، جديدة ومتكرّرة، ويشتمل هذا النظام على وتيرة سير دقيقة، إضافة إلى عددٍ من العناصر المرئية والملموسة، ويشترك في أدائه شخص أو مجموعة من الأشخاص الذين لهم مهمّات محدّدة وقد ترتبط بارتدائهم لأزياء معيّنة، أو بتمتّعهم بصفاتٍ نوعيّة.

وإذا أردنا أن ننظر إلى السّامر على سبيل التحليل، فإننا نجده طقسًا احتفاليًا يشتمل على العناصر التالية مجتمعةً في نظام أدائي مرتّب ومنسّق :

  • العناصر السمعية : الألحان والأبيات الشعريّة وطرق الغناء المتنوّعة مع التصفيق الإيقاعيّ وإصدار الصيحات الحماسيّة.
  • العناصر الحركية : الرّقصات التي يتم أداؤها في مختلف مراحل هذا الطقس.
  • العناصر البصرية : الأزياء والأدوات المُستخدمة خلال الرّقص، والزينة التي يتم إعدادها بحسب المناسبة في موقع إقامة طقس السّامر.

فيما يشترك في تأدية فقرات هذا الطقس مجموعة من الشخوص الذين تكون لهم أدوارٌ واضحةٌ وموصوفة، وعلى بعضهم التمتّع بنوعٍ خاصٍ من المزايا التي تخوّله للقيام بدوره في طقس السّامر، ومن جملة هؤلاء الأشخاص :

  • القاصود (أو البدّاع) : وهو الشخص الذي يستلم مهامّ القيادة الموسيقيّة لغناء شعر السّامر، ويمكن اعتباره على أنه قائد جوقة المُنشدين، ومن المميزات التي ينبغي أن يمتاز بها القاصود؛ الذاكرة الشعريّة الكبيرة التي تمكّنه من استحضار وارتجال أبيات شعرية تتناسب مع التوقيت وطبيعة المناسبة والحاضرين، إضافة لامتلاكه الصوت الجهوري، والقدرات الإيقاعية التي تمكّنه من قيادة سرعة الغناء وتغييرها بحسب الجو العام. كما أن القاصود يجب أن يتمتّع أحيانًا بقدرات مسرحيّة وكاريزماتيّة لتساعده على التعبير عن معاني الشّعر بشكلٍ دراميٍّ ينسجم مع تأثيرها في وجدان السامعين.
  • الردّيدة : وهي بمثابة الجوقة من المُنشدين، الذين يصطفون على هيئة صفٍّ واحدٍ، وفي بعض الأحيان على صفّين متقابلين، ويقومون بإعادة ترديد أبيات الشّعر التي يغنّيها القاصود، أو بالرّد على غنائه بمردّات ثابتة. ولا يقتصر دور الردّيدة على الغناء وحسب، بل على التصفيق الذي يضبط إيقاع وسرعة الغناء، إلى جانب دورٍ رئيسيٍّ آخر في طقس السّامر، وهو التفاعل مع الحاشي في رقصها، ومن ثم أداء رقصة الدحّية، الصحجة، أو الرزعة.
  • الحاشي : الراقصة الرئيسيّة في طقس السّامر، وتاريخيًا فإن إحدى نساء القبيلة أو فتياتها تأخذ هذا الدور، أما في الحاضر فإنه من الممكن أن يكون مشتركًا بين النساء والرّجال أو على الرّجال وحدهم. وصفة رقص الحاشي؛ هي أنها تقوم بأداء حركات تمايليّة واستعراضية أمام صفّ الردّيدة، مستخدمةً السيف أو البندقيّة أو العصا، ومتلثّمةً بملفعها أو طرف عباءتها، وتتدرّج من اليمين إلى اليسار وبالعكس ذهابًا وإيابًا أمام صف الردّيدة، مُشْعِلةً في نفوسهم الحماس الذي يتصاعد تدريجيًا وصولاً إلى ذروة الرّقص في طقس السّامر.

كيف يُقام طقس السّامر؟

يُقام طقس السّامر بترتيبٍ واضحٍ ومنسّقٍ ودقيقٍ، حيث يبدأ بالعناصر البصريّة، ثم العناصر السّمعيّة، ثم العناصر الحركيّة، وتكون وتيرة طقس السّامر في البداية تتّسمُ بالسرعة المتوسّطة وتتصاعد تدريجيًا كلما تراكمت أنواع عناصره الثلاثة معًا، البصريّ فالسّمعيّ فالحركيّ، بشكل متتالٍ وبصفةٍ تراكميّة فيها تقنيّة تعزّز وتركّز الانطباعات الحسّية للحاضرين والمشاركين.

يبدأ طقس السّامر قبل أن يبدأ فعليًا، بالتحضير الرّوحي والنفسيّ للفرح الجمعي الذي ما أن يقترب موعده حتى تتصاعد مشاعر الحماس التي تدفع الجميع للتعاون الكامل بالتجهيزات اللوجستية التي ينتج عنها موقعًا مميزًا لإقامة الفرح في بيت صاحب المناسبة. ومن المعروف عند الأردنيين في المناسبات على اختلاف أنواعها التزامهم بقيم الفزعة والعونة التي تمثّل رابطًا روحيًا سرّيًا ينساب فيه جميع الأقارب والجيران والمعارف دون تفكير أو تخطيط في تشكيل فريق عمل عفوي يعبّر عن الرّوح الأردنية التي صنعتها تراكمات آلاف السنوات من النشاط الإنساني المتداعي لتحقيق ذرى حضاريّة تتغلّب على الفروقات والظروف والتحدّيات التي ما انفكّت تواجه الأردنيين منذ عصور قديمة ولازالت، أظهر خلالها الأردنيّون الفزعة والعونة الجماعيّة لبعضهم البعض ولجيرانهم التاريخيّين في أحداث سجّلها التاريخ. ولا يمكن النظر إلى فزعة الأقارب وتقديمهم العون في تجهيز ديكور الفرح وموقع إقامة المناسبة التي يعلو فيها طقس السّامر، بمعزلٍ عن فهمٍ عميقٍ لهذا السلوك الجمعي التاريخيّ الذي لطالما أخذ أشكالاً سياسيّة وعسكريّة على مدى آلاف السنين.

وعليه؛ فإن العناصر البصريّة التي تُعتبرُ جزءًا من طقس السّامر، والتي تشتمل على تجهيز الحطب لإشعال النيران وتوفير المقاعد والمراكي وأدوات ومواد تحضير القهوة والشّاي الذي يدور به المعازيب على الضيوف، وتزيين البيت بمشاعل النّار والرايات الملوّنة وبالذات الراية البيضاء التي قد تتوسّط بيت الفرح فوق المواقد، تعتبر جميعًا من العناصر البصرية التي تُعَدُّ إيذانًا ببدء الطقس الاحتفاليّ.

بعد أن يجتمع أهل الفرح والأقارب، يباشر صاحب المناسبة بدعوة الحاضرين لدخول السّاحة الأماميّة للبيت والبدء بالغناء، فيتصدّى لهذه الدعوة مجموعة من الشبّان ومعهم القاصود، فتتشكّل أولى صفوف الغناء والرّقص في طقس السّامر، وتكون هذه الانطلاقة الرسميّة للعناصر السّمعية في طقس السّامر، حيث يبدأ الغناء على النحو التالي :

القاصود :

الله يمسّيكو بالخير .. اظيوفن مع امحليّة

أول مسا للأجاويد .. ثاني مسا للكلّية

أول مسا للأجاويد .. ثاني مسا للوليّة

الله يمسّيكو بالخير .. الظيف اللي لفى سلّمْ

يا ظيفن يقريه العذر .. وظيفن عشّاه امولِّمْ

فيما تقوم مجموعة الردّيدة في كلّ مرّة بالرّد على القاصود :

هلا وهلا بك يا هلا .. لا يا حليفي يا الولد

ويستمر الغناء مع التصفيق بإيقاع متوسّط السّرعة لدقائق عديدة، قد يتخلّله أبيات شعرٍ تعالجُ موضوعات أخرى غير الترحيب، كمثل مدح أهل المناسبة، أو التفاخر ببعض القيَم والصفات، وغيرها من الموضوعات المتنوّعة التي جادت بها السليقة الشّعريّة الأردنية على مختلف ألحان الإرث الموسيقي فأغنت محتواها حتى غدا حصره صعبًا لكثرته وغزارته.

تُعتَبرُ الفقرات الغنائية الأولى في طقس السّامر إعلانًا لدعوة عامّة يتلقّاها كلُّ سامعٍ بالقبول والتلبية، فيتقاطر الضيوف من مختلف مضارب الجيران القريبة والبعيدة، وينضمّون مباشرةً إلى صفّ الردّيدة قبل دخولهم إلى البيت، بحيث يأتون من خلف الصّف ويخترقونه ويصبحون جزءًا منه وهم يصفّقون الإيقاع المسموع. ولهذه المشاركة قيمة كبيرة في نفوس الأردنيين، فالمشاركة بالغناء أو الرقص أو مجرّد التصفيق هو تعبيرٌ غير ملموس على المشاركة في إنجاح الحفل وتعظيم صوته وصورته، إذ يمكن اعتبار هذه المشاركة نقوطًا معنويًا يقدّمه الضيف لأهل البيت في فرحهم، وهو ما ينسحب أيضًا على المناسبات الحزينة حيث تتسابق النساء لغناء المعيد أو النواح أو اللطم وشقّ المدارق للتعبير عن مشاركتهم المشاعر لأهل الفقيد.

تُدعى مجموعات الضيوف التي يجذبها صوت السّامر إلى البيت الفرح بالـ “سراه، أو السرّى“؛ أي الذين يسرون تحت جناح الظلام ويتبعون صوت الغناء، وعند وصولهم والتحاقهم بصفّ السّامر فإنهم يعبّرون عن حضورهم بالغناء :

حنّا يومن سرينا .. تعليلة طَرَت علينا

والله لولا معزّتكو .. ما جينا ولا تعنّينا

ويستمرّ الغناء لفترة معيّنة على النحو السابق ومثيله، ثم يتوقّف للحظات معيّنة مع استمرار التصفيق دونما غناء، وتعني هذه اللحظات التهيئة للانتقال من الغناء المجرّد إلى دخول العنصر الحركي، مع كل العناصر التي سبق أن تراكمت في المراحل السابقة. وبعد هذا الصمت يقوم أحد القواصيد أو البدّاعين بالغناء :

يا من عين لي المعزّب .. يا من يذكّره ليّي

مرودي لربوعي حاشي .. ودّي البنت النشميّة

إلا يا معزّبنا تخيّر .. السّتر ولّا الفضيحة

مرودي لربوعي حاشي .. من البنات المليحة

هاتون الحاشي هاتونه .. هاتونه يلّي اتعرفونه

خلّه يتخضّع بردونه .. ليحوشي على الدحيّة

وتكون هذه الأبيات الشعريّة، إستئذانًا رسميًا جماعيًا يقدّمه المشاركون في صف السّامر من المعزّب لدخول الحاشي ومباشرتها الرّقص أمام الصّف، التي بدورها تدخل أمام الصّف برفقة صاحب الفرح الذي سيكون بطبيعة الحال من أحد أقاربها، ممسكًا بطرف مدرقتها أو ثوبها حتى تصل إلى الصّف فيتركها، وتباشر الحاشي التمايل والرقص بخفّة متناسبة مع سرعة الإيقاع المغنّى، والسير الراقص الاستعراضي للصّف من اليمين إلى اليسار والعكس، ممسكةً بالسيف أو البندقية أو العصا، ومرتديةً عباءة ولثام على وجهها. ويكون غناء الأبيات التالية حينها :

الحاشي جتنا ع هونه .. يا ربعي بالله تحبونه

يا ويلي ما اجمل عيونه .. رمتني عيون النشميّة

من الحاشي خلّك قريبي .. احرص على عيني لا تغيبي

عسى أنك من حظي ونصيبي .. تلقى من ربعك عطيّة

حاشينا ودّك المدح .. يا طولك غصّة الرّمح

لن شفتك صلاة الصّبح .. تزول همومي الخفيّة

لاشد اشدادي واجيبه .. واكرب(1) من فوق النجيّة

حرج وادويرع(2) عجيبة .. فوق ذلول عمليّة

يا بنت ملّا انتي ابنيّة .. لو فيكي من الطول شويّة

لحطّك بخريج الذلول .. والقيّ فيك الدويّة

الحاشي : سيّدة أردنيّة تحوشي بالسيف أمام صف من الرجال عام 1919

وبلحظةٍ ما يقوم أحد أقارب الحاشي ويمسك بطرف ردنها أو عباءتها، ويأخذها لتجلس بمعنى أنه يمنعها من الاستمرار بالرّقص أمام الصف، وتُدعى هذه العملية بـ “وسق الحاشي“، أي ربطها ورهنها، وهذا ما يستدعي أن يتجه القاصود نحو الشخص الذي رهن الحاشي ليتوسّل إليه من أجل يطلق سراحها، فيغني له :

يلّي ربطت حويشينا .. يا خيي وش لك علينا

يا الله ع الحق تقاضينا .. عند العوارف(3)  يقدونا

وش لك بالحاشي وقعوده .. خذلك من حقّه بارودة

يا روحي ما أقدر أسبّك .. أدنّق(4) عليك وأحبّك(5)

وأجوهك بالعالي ربّك .. تطلق حاشينا النشميّة

نعطيك اللي تريد وتهوى .. وندفعلك حملين القهوة

وندفع لك مية مع مية .. والموزر مع الرّدنية

وفي حال لم يستجب الشخص الذي رهن الحاشي، ينتقل القاصود بالغناء مع نبرة من التحدّي – الودّي بطبيعة الحال – ويخاطب الحاشي مباشرةً متجاهلاً مَن قام برهنها ومنعها من الرقص :

لا يطبّ بقلبك هوجاسي .. لافكّك يا اشقر الرّاسي

يا الحاشي هيه يا البنيّة .. وأنا صابتني برديّة

قالوا لي غطايا عندك .. بالله تعطيني المزوية

يا حاشي اعطيني الهندية .. من ايدك لايدي هديّة

يا حاشي اعطيني عباتك .. هبَّت عليّا الشرقيّة

يا مزغرتات الزغاريت .. طقّن ثلاثة سويّة

اللي ما تزغرت للغالي .. لاسوّي بيها جنّية

فتعود الحاشي مباشرة للرقص مجددًا بنفس الوتيرة السابقة، ويعود الغناء والتصفيق إلى وضعيته السابقة ما قبل “وسق الحاشي”، ومن جملة ما يُغنى بعد عودة الحاشي :

يا عشبن وانا له راعي .. ذبحني أبو عيون وساعي

يا بنت وانا طمّاعي .. اطرب لا شفت النشميّة

اطرب لا شفت العنودِ .. متلبّس بهدوم سودِ

عسى دهرنا يعودِ .. يبدل العتمة فضيّة

يتوقّف الغناء فجأة، وتبدأ الرّقصة التي تمثّل ذروة الحماس في طقس السّامر، وهي رقصة الرزعة، أو الدحّية (الدحّة)، وهي اللوحة الأدائية التي تلتقي فيها التعابير الصريحة عن الذكورة الغليظة والأنوثة الرقيقة، في آنٍ معًا، حيث يقوم الرجال في الصّف بالتصفيق وحَكّ أكفّ الأيدي مع النزول بأجسادهم نحو الأسفل وإصدار أصوات الفحيح مع الهمهمات التي تصدر من أغلظ طبقات الصوت الرجوليّة ( دحي دححيي – حي حي –) ، في حين تتوسّط الحاشي الصّف وتسير أمامهم بإيقاع سريعٍ، حتى تشتد وتيرة الرّقصة عندما يقترب الرجال من وضعية القرفصاء، وتسمّى هذه المرحلة بالسحجة (الصحجة)، ويقترب خلالها الرجال من الحاشي التي تردّهم عنها بالسيف أو العصا، وتستمرّ هذه العملية بين الكرّ والفرّ وتتصبّب جباه الرجال عرقًا، حتى تقترب الحاشي من مدخل البيت، فتدخله معلنةً إنتهاء الرقصة، التي ينتهي بانتهائها طقس السّامر ككل، ولكنّ أثره الرّوحي والنفسي والاجتماعي يبقى محفوظًا في نفوس الحاضرين، الذين قد يعاودون تكرار ذات الغناء والرقصات مجددًا في وقتٍ آخرٍ من الليلة ذاتها، وقد يشترك بها آخرون لم يكونوا قد اشتركوا بالجولة الأولى.

ماذا بقي من السّامر؟

يؤدّى غناء السامر تاريخيًا بصفة أكابيلّا A Capella) 6)، ولا ترافقه غير أصوات التصفيق والصيحات الحماسية والزغاريد، في حين ظهرت في أواخر القرن العشرين مجموعة من الفرق التي أخذت ألحان السّامر وقولبتها على شكل أهازيج غنائيّة بمرافقة الآلات الموسيقيّة، فساهمت بالمحافظة على ألحان وأشعار الكثير من الأنماط النوعيّة لطقس السّامر؛ وهو ما يمكن توصيفه بالانتخاب الطبيعي لهذا الإرث السّمعي والحسّي والقِيَميّ والجماليّ، الذي نختصره بعنوان “الإرث الموسيقيّ”.

وإذا لم تعد ممارسة طقس السّامر بكامل تفاصيله التقليدية منتشرة كما في الماضي، فإن ذلك يعود لمتغيّرات حياتيّة طبيعية تؤدّي بطبيعة الحال إلى تغيّر أنماط وعادات وتقاليد لدى كلّ الشعوب، إلا أن الأردنيين اليوم، ومن كافّة الفئات العمرية، والخلفيات المجتمعيّة، يمكنهم بكل بساطة استعادة الروح الإيقاعيّة للسامر بمجرّد سماعهم للمردّة الشهيرة : هلا وهلا بك يا هلا، التي اخترقت السنين والأجيال وظلّت حاضرةً في الوجدان جيلاً بعد جيلٍ. ولعل أحد أبرز هذه التجلّيات الحديثة لهذا الحضور الخاص الذي يتمتّع به السّامر في الذاكرة السمعيّة للأردنيين، هو المقطع الشهير لجماهير نادي الفيصلي الأردني التي ردّدت اللحن والكلمات مع أغنية الفنان الأردني عمر العبدللات بصورة عفوية تؤكد أهميّة هذا الطقس لجميع الأردنيين على اختلاف أعمارهم واهتماماتهم.

تعريف مفردات البحث :

  1. أكرب : أشدّ.
  2. ادويرع : خرج الناقة.
  3. العوارف : قضاة البادية.
  4. أدنّق : التدنيق هو أن ينزل شخصٌ واقفٌ إلى مستوى شخصٍ جالسٍ، ويُقال “أطمِّنْ”.
  5. أحبّك : أُقبّلُكَ، وحُبّة تعني قُبلة، في اللغة الأردنية.
  6. A Capella : أكابيلّا (لغة إيطالية)؛ مصطلح موسيقي يعني غناء مجموعة من المغنّيين مع بعضهم البعض دون مرافقة الآلات الموسيقية.

المراجع :

  • العبّادي، أحمد عويدي، المناسبات البدوية (سلسلة من هُم البدو 3)، 1979 الطبعة الأولى، دائرة المطبوعات والنشر في وزارة الإعلام الأردنية.
  • الخشمان، مصطفى، السامر في الأردن، 2018، دراسة، موقع التراث الثقافي غير المادّي الإلكتروني، وزارة الثقافة، عمّان، الأردن.
  • الخشمان، مصطفى، الأغاني الأردنية في الجنوب، 2016، دراسة، منشورات العقبة مدينة الثقافة الأردنية، وزارة الثقافة، عمّان، الأردن.
  • غوانمة، محمّد، الغناء البدوي في الأردن، 2009، دراسة، جامعة اليرموك، إربد، الأردن.

السّامر : طقس البهجة والاحتفاء بالقيم الأردنيّة

بمناسبة الخطاب الطائفي المتستر باسم “المحافظة تاريخياً” لبث سموم الفتنة ننشر بعضاً من الصور التاريخية لنأكد أننا شعب محافظ نعم, لكننا كذلك تاريخياً بكل أطيافنا وأعراقنا وألواننا وتعريف المحافظة ليس عرضة للسرقة وليس حكراً على مكون دون غيره.

الصورة الأولى من أقدم الصور لأقدم خارطة فسيفسائية بالعالم والتي تعتبر من الإرث الإنساني. الخارطة وحتى أواخر القرن التاسع عشر كانت منزلاً لاحدى عائلات مادبا وأحد وجهاء عشائرها. تظهر بالصورة سيدتان وطفلة لو لم تلبس احداهن الصليب لما عرف دينهن فغطاء الرأس والثوب الطويل كان لباس الجميع بكافة الأعراق والأديان والأمر ليس ديني فأول المباني المخصصة للمارسة العبادة للدينين لم تبنى حتى أواخر القرن التاسع عشر متزامنة مع الصورة.

بالصورة الثانية منزل عائلة فلاحية بدوية متنقلة بين السلط وعمان يستدل على أنها فلاحية من ارتفاع المصطبة للدخول عبر درج للمنزل حيث تبقى الأغنام والخيل بالأسفل. لو لم يتم تصوير حائط المنزل الداخلي المٌظهر لأيقونات وصليب لما عرف دين العائلة بشكلها النمطي من غير الحضر.

نهايةً, ابتدأت الديانة المسيحية بعد عماد السيد المسيح على ضفتنا من نهر الأردن, فهنا بدأت الرسالة المسيحية وهنا آمن أوائلها قبل ألفي عام, واستمروا وسيبقون ملح الأرض ونكهة الريح ولون الزيت المدهونة به جباههم وهم أطفال. نترككم بالصورة الثالثة مع جمال احدى جداتنا التي تربى ناظراً لظفائرها عمدان البلد وصبتها الأولى ونقول, هي نشمية جميلة محتشمة لها من البأس والأثر أن يطيح أبنائها بأي زوبعة بفنجان صيني مستورد, هي أردنية كما نحن جميعاً فقط لا غير.

11713928_1682287975337967_8250206566825843853_o

11990546_1682303522003079_6910830660473473256_n

hbvj

في إرثنا الحشمة

10006641_10152650005808066_260096800_n

فراس خليفات

شاهدت فيلم ذيب أخيراً بعد انتظار طويل. من منحى سينمائي هنالك الكثيرين من أصحاب الاختصاص الذين أثنوا على الفيلم وناقشوا نقاط قوته صورياً وصوتياً وتمثيلاً وغيرها من الأمور فالمشاهد يأسر بسكينة الحياة البدوية وأهمية اليقظة لكل صوت ودلالاته مهما صغر. ومن هنا أجد نفسي ملزماً بنقل ما ضج به الفيلم عبر أغلب مراحل سكونه, فالفيلم أقرب لصرخة وجدان الأمة الأردنية الأولى منذ ولادتها منذراً بدبيب الحياة في جسد هذه الدولة والأمة. الواقع الحالي أن جسد هذه الدولة والأمة الأردنية منذ ولادتها وهي ساكنة لا تعبر عما يدور بخلجها, صامتةً على مضض حتى ابتدأت بهذا الجيل وكان هذا الفيلم صرختها الأولى.

فهذا الواقع الحالي من فجوة بالمحتوى التاريخي تنعكس بالعديد من الأمور وتترك الباب مفتوحاً أمام الجهود المنظمة من مستشرقين أجانب وعرب ومحليين لطمس شرعية الدولة والأمة بالوجود خاصة بحقبة مثل حقبة الثورة العربية الكبرى والتي تجري وقائعها بخلفية الفيلم. هذه الحقبة تعتبر من الحقب المعطية للشرعية كما يعرفها بيير نورا في أعظم كتاب علم اجتماع بالقرن العشرين “حقول الذاكرة”, فحقبة كهذه لو فتحت لأوضحت كيف أن الأردنيين أتت الثورة العربية الكبرى لتكون ببساطة “الكبرى” تكليلاً وبناءً واستكمالاً لعشرات من ثوراتهم الصغرى ابتداءً من عام 1625, وأن هذا الوطن عندما اختطت حدوده فان أجدادنا وعكس ما يحلو للبعض ترويجه قد رفضوه ولكن من منحى أنه كان يجب أن يحتوي على القنيطرة وبصرى شمالاً ولو أن مؤتمر أم قيس أو السلط ضم ممثلين عن الأردنيين من الشرق والجنوب لوجدنا أن المطالبة كانت لتشمل وادي السرحان والجوف شرقاً وجنوب العقبة ومعان الى تبوك جنوباً.

الفيلم ولأول مرة يعرض حقبة تشكل الدولة الأردنية. هي حقبة اجتر تجيرمها وطمسها عبر التسعة عقود مذ تاريخها عبر أبواق العديد من المنافسين الاقليميين من حولنا فكافة آيدلوجيات الاقليم البائدة ومن كل اتجاهات الخارطة سعت وبشكل ممنهج لتجريم أحقية الوجود الأردني. ترافق هذا مع ضعف في صناعة المحتوى التاريخي وتفسيره لعدة أسباب أهمها تدرج الأجيال الأردنية من الفقر المدقع عند زوال الاحتلال العثماني والسعي عندها للكفاف, مروراً بحقبة عسكرة الشعب لخوض الحروب الاقليمية وترسيخ أسس الدولة, وانتهاءً بالسعي وراء ردم الفجوة الاقتصادية وقصد التعليم المدر للدخل, حتى وصلنا لهذا الجيل (غير المأدلج منه) الذي امتلك من الترف الاقتصادي ولأول مرة أن يخوض غمار العلوم الانسانية والفنون. لذا فان الجهد المنظم لتجريم أحقية الوجود الأردني الذي انتزع وينتزع انتزاعاً عبر نضال طويل ترفق مع ضعف بالاعلام والمناهج لاظهاره وانصافه ليترك الوعي المجتمعي المحلي حتى مقتنعاً بعدم وجود شرعية له ويا له من واقع غريب.

عموماً, الفيلم بالنهاية كان فيلماً تشويقياً يهدف بالأول والأخير أن يقدم تسلية للمشاهد ولم يكن فيلم بروبوجاندا ذا رسالة واضحة وبطبيعة الحال فلهذا نجح. الأفلام هي احدى الأدوات لتفسير الماضي واعطائه قيم جمالية وتاريخية واجتماعية أو ثقافية فيصبح إرثاً ايجابياً يسد حاجة في الوقت الراهن. أردنياً تأتي أهمية الفيلم بأنه يتطرق لحقبة لا يوجد لها أي محتوى بالوعي العام المجتمعي علماً بأنها احدى أهم الحقب اذ فجوة محتواها ينعكس بغياب شرعية الدولة والشعب وتركه عرضة لخزعبلات الآيدلوجيات المختلفة بالمنطقة التي لم تتعب من تحوير الحقائق وتهميش التاريخ حتى صدقها وللأسف أغلب الأردنيون لنعيش في طلاسم من الوعي تعتقد أن هذا الوطن خلق بالصدفة ولأداء وظيفة مخونة فقط لا غير, مغيبين 300 عام من الثورات الصغرى ضد المحتل العثماني الذي استلم الأردن وبها كليات جراحة وفلك وأنظمة اتصال وزراعة وري متطورة ليتركها بعد 400 عام وليس له أثر بها غير المخافر حيث تنفذ أحكام الاعدام.

لكن, ليست وظيفة فيلم واحد أن يعالج كافة الشوائب المتجنية على تاريخ هذا الوطن ومن غير الواقعي انتظار فيلم واحد ليسد فجوة لم يتم تعبأتها خلال 94 عام, لكن الفيلم مهم جداً لأنه الأول الذي نقل لسان حال الأردنيين الذين للتو بدأوا بالالتفات الى انصاف تاريخهم وشرعية دولتهم ووجودهم كأمة وحتى لا ندخل في نقاش بيزنطي غير مثمر فان الكلمة التقنية nation لا يقابلها كلمة شعب وانما كلمة أمة, وان كان ذلك يغيظ بعض أصحاب الآيدلوجيات البائدة لأمم متخيلة فهذا مقصود, فبعضنا لا يؤمن الا بأمة أردنية من منحى تقني ومن منحى خيار شخصي حتى لو لم يتوافق مع التعريفات الخاطئة تقنياً أو مع الدستور الذي يعد الأردنيين “جزء” من الأمتين العربية والاسلامية. عموماً, فان الفيلم انما هو انعكاس لبحث الجيل الحالي عن أجوبة ويعكسها حالة الحيرة التي يعيشها الطفل ذيب وهو يخوض في غمار تلك الحقبة ويحاول أن يصيغ منها فهماً. الطفل ذيب هنا يرمز بالنسبة لي الى هذا الجيل الأردني الذي ولأول مرة ابتدأ بالبحث عن ذاته مع تطبيقه إرث غني من العادات تتعبه كما الطفل ذيب الحفاظ عليها وسط تغير آخرين من بني جلدته واجرام العديدين من غيرها وهم يتلاعبون بمصيره ويطمسون وجوده وشرعيته لا بل ويهددونها. فالجيل الحالي هو أول جيل من غير المأدلجين مسبقاً الذي امتلك الترف الاقتصادي لدراسة العلوم الانسانية والفنون.

بما أن هذه المراجعة للفيلم سيتلقون “طخ” غير متعمق فسأعرف أن الجيل هذا مكون من كافة المكونات الثقافية ولكن المفصلي ها هنا أن القائمين على هذا الفيلم ومن شتى المنابت والأصول غير مأدلجين ولذا فان جهدهم وهو الأول بمعالجة التاريخ كان بلا قناعات مسبقة وبكل موضوعية حتى أنه وفي بعض الأحيان ترى أنه خجل في زيادة التعمق في بعض الأمور بتلك الحقبة وهذا طبيعي لأول فيلم يتطرق للحقبة ومن هنا أنحني اجلالاً لشجاعتهم رغم كل الصعاب وأهمها عدم تمويل الفيلم من قبل الجهات الموجودة لمعالجة الفجوات المجتمعية الراهنة والتي على رأسها فجوة الشرعية للدولة والأمة. فان شرعية وجود الدولة والأمة والتاريخ المشرع لها هو ملك جميع المشتركين بهذه الشرعية من شتى الثقافات والهويات الفرعية الغنية.

عموماً, وعلى سبيل المثال, يعرض الفيلم وجود حامية عثمانية وفي مشهد سابق يناقش أبطال الفيلم وجود قطاع الطرق فيأتي تفسير أحد قطاع الطرق للسبب الذي أوصلهم للوصول لهذا الفعل المُجَرَم حتى من قبل قطاع الطرق أنفسهم فيقول بأنه وأجداده كانوا يأجرون الابل للحجاج حتى قدوم “الحمار الحديدي” أو القطار الذي قضى على قوتهم الذي استمر عبر آلاف السنين حتى قبل ظهور الاسلام فالحج الى مكة يمتد الى آلاف السنين وقد رافقه بكل هذه الفترة تأجير للركايب عبر الصحراء الأردنية من نفس القبائل الأردنية المستمرة حتى يومنا. هنا نرى الخجل بالتركيز على انصاف أنسفنا وربما هذا عين الصواب لأول فيلم قبل التطرق بموضوعية لكل ما تحمله الحقبة التي دعت الأردنيين للثورة على واقعها وتحمل ابادات عرقية في سبيل ذلك فان ال562 شهيد في هية الكرك يمثلون واحد من كل 28 نسمة كانوا موجودين وهذا بتعريف الأمم المتحدة يتعدى تعريف مذبحة ليصبح موقع ابادة عرقية.

الفيلم علامة فارقة كأول فيلم يمثل وجدان الجيل الحالي غير المسموم بشوائب آيدلوجية مجرمة لوجوده ومخونة لها وسعى بموضوعية فنية راقية أن يعكس حالة الوجدان المجتمعي الأردني وحاجته بانصاف تاريخه وشرعية وجوده عبر معالجة الحقبة الأهم بتاريخه الحديث. كأول من يفتح الباب قد قام الفيلم بعمل عظيم ورائع بمعالجة التاريخ وتفسيره ويبقى الأمل معقوداً على كافة صانعي المحتوى للتعمق بالحقبة وانصافنا فيها فقط لا غير. وحتى لا أكون مجحفاً فان الفيلم خاض بإرث الحياة اليومية والموروث القيمي عند الأردنيين ويستحق باهتمامه بتفاصيل اللهجة والألعاب واللباس والطعام ومفاهيم الدخالة وممارسات تعقب الأثر والاسترشاد بالنجوم وغيرها العلامة الكاملة من منحى علم اجتماع والعلامة الكاملة من منحى سينمائي كمشاهد بسيط تلذذت بها. نهايةً, فان ما حققه هذا الفيلم بعيداً عن كل هذا الانجاز العالمي سينمائياً, والمحلي كمقدمة لمعالجة وتفسير التاريخ وحتوى الشرعية, فان هذا الفيلم وبما لا يدع مجال للشك قد أنسن البدوي الأردني ونجح في جعل الجميع يتعاطف مع شخصيات الفيلم البدوية كبشر بعد عقود من تجريم ثقافتهم والصاق شتى الفظائع السلبية بها.

فيلم “ذيب” مقدمة لسد فجوة التاريخ المشرع لوجود الدولة والأمة

12265855_10203930978195060_3836039399301429186_o

ثمّن أجدادنا الأردنيون الضيافة غالياً، و من مظاهرها و أعمدتها القهوة، حيث يشرب المعزب ، الفنجان الأول على الملأ ، ليتأكد من سلامة القهوة ومذاقها وجودتها.

وفي العقود الماضية كان لدى شيوخ العشائر الأردنية وبعضهم ما زال لديه حتى الآن ، قهوجي متخصـص يدعى           « الفداوي »  وهو إضافة إلى إتقانه صانع القهوة ، لا بد له من أن يتقن العزف بالمهباش في النجر (جرن بن القهوة ) . ونجر الشيوخ مصنوع عادة من خشب البطم أو الزيتون المشغول والمزخرف بمسامير نحاسية ، طوله بين 50-60 سم، والفداوي الذي يكسر النجر أثناء دق المهباش ، يستحق عند الشيخ  لبسة تسمى (لبسة الجرن) لأن كسره دليل على كرم الشيخ الذي لا تموت ناره ولا يتوقف دق المهابيش في داره .

و لدى العشائر الأردنية ثماني قواعد رئيسية للتعامل مع القهوة، نذكرها تباعاً:

القاعدة الأولى: (القهوة مفتاح السلام و الكلام)، أي أن الضيف و المعزّب لا يأخذان راحتهما بالكلام إلا بعد أن يشرب الضيف فنجان القهوة الأول، فيكون بذلك قد مالَح المعزب و أمن أحدهما الآخر و أخذا حريتهما بالكلام في أمان مطلق.

القاعدة الثانية: (القهوة قصّ مش خَصّ لو كان أبو زيد عاليسار) أي أن تقديم القهوة يبدأ من الجالسين على يمين المعزب الذي يقدم القهوة ثم يستمر باتجاه اليسار بغض النظر عن منزلة الشخص الجالس إلى اليسار. و تكسر هذه القاعدة فقط في حال وجود ضيوف غرباء، حيث يبدأ المعزب تقديم القهوة عندهم، وحينها تصبح القاعدة الأعم والأشمل ( القهوة أولها خص وثانيها قص ) ، أما في الجاهات ، يقدّم أول فنجان لكبير الجاهة ، ثم لأفرادها ، ولكنهم يمتنعون عن شربها، حتى إذا تمت استجابة المعزب لطلب الجاهة ، قال لهم : إشربوا قهوتكو.

القاعدة الثالثة: (فنجان للضيف، فنجان للكيف، و فنجان للسيف) أي أن نِصاب القهوة ثلاثة فناجين. و كان من حق الضيف الداخل إلى بيت أحدهم أن تقدم له القهوة، و إذا لم يحصل ذلك يحق للضيف أن يطالب المعزّب بالحقوق الناجمة عن عدم احترامه.

القاعدة الرابعة: يمسك المعزب أو صبّاب القهوة الدلة بيسراه و الفناجين بيده اليمنى، و يصب القهوة و هو واقف ثم يناولها للضيف بيده اليمنى.

القاعدة الخامسة: يجب على الضيف تناول القهوة بيده اليمنى، ثم أن يشرب و يرجع الفنجان إلى صبَّاب القهوة يداً بيد و لا يجوز أن يضع الفنجان جانباً قبل أن يشرب منه إلا في حالات فنجان الجاهة.

القاعدة السادسة: يستمرّ صبَّاب القهوة بتقديم القهوة عن يمينه للضيوف بعدد الفناجيل التي بيده و بعدها يعود لأول ضيف فيأخذ منه فنجاله و يستمر في تقديم القهوة من حيث توقف، و هكذا حتّى آخر ضيف.

القاعدة السابعة: من المعتاد أن ينحني صبَّاب القهوة أثناء تقديم الفنجال للضيف، و في ذلك زيادةٌ في الاحترام للضيف.يقول المؤرخ الدكتور محمد أبوحسّان :”و أَذكر في ذلك أنني كنت ضيفاً عند أحد بيوت منطقة تقع جنوب مطار الملكة علياء الدولي، و لم ينحنِ صبَّاب القهوة عندما قدّم لي الفنجال، فلاحظ ذلك المعزب و قام بصرفه من البيت و اعتذر لي اعتذاراً خجلت لشدة صدقه و إلحاحه و أبى إلا أن يقدِّم لي القهوة بيده و يقف أمامي إلى أن فرغت منها و هززت له بفنجالي.

القاعدة الثامنة: إذا كان الضيف مشغولاً بالحديث أو خلاف ذلك ينبهه صَبَّاب القهوة إلى وجوده بأن يدق الفنجال بمقدمة الدلّة، و على الضيف أن يهز الفنجال لدى إرجاعه كإشارة إلى أنه لا يرغب بالمزيد، فإذل لم يهزه وجب على الصَّباب أن يعيد الصب.

وهنالك العديد من القصائد النبطية التي تمتدح قهوة البن وتصف صنعها وتقاليدها ؛ ومنها :

يا عاملين البن وسط التراميس

 لا تقطعونه من حشا مرضعاتو

ردوه لامات الخشوم المقاييس

 صفر الدلال اللي عليها حلاتو

 ما عاد شفنا البن وسط المحاميس

يحمس وصوت النجر طوّل اسكاتو

المصادر:

  • كتاب “تراث البدو القضائي نظرياً و عملياً” للدكتور محمد أبو حسّان- الطبعة الثالثة 2005
  • المعزب ربَّاح، ناهض حتر وأحمد ابو خليل، منشورات البنك الأهلي، الطبعة الأولى، 2014، ص438
  • زيارات إرث الأردن الميدانية أثناء مرحلة البحث
  • الصورة بعدسة الصحفي سهم الربابعة

قواعد التعامل مع القهوة لدى الأردنيين

Scroll to top