يتنامى سؤال الهوية يوما بعد يوم ويقودنا العالم المفرط في سرعته وثوراته إلى تناسي حقيقة أن من لا ماضي له لا حاضر ولا مستقبل له. يعرّف الإرث بأنه كل ما يحمل قيمة جمالية أو اجتماعية أو تاريخية أو ثقافية من الماضي يشكل الهوية الوطنية لشعب ما بأرض ما. يصل بنا هذا التعريف إلى ضرورة ترسيخ فكرة الهوية الوطنية عبر الحفاظ على الإرث بحقوله السبعة (بيئة ومواقع ومعالم ونشاطات ومناظر طبيعية ومقتنيات وأفراد ومؤسسات). لم يكن الطريق إلى هذه المفاهيم سهلا إنما مر الإرث بالعديد من الصعوبات والتحديات إلى أن استقر الحال على ما هو عليه اليوم. فيما يلي موجز لأهم التواريخ في قصة الحفاظ على الإرث في العالم.

أوروبا والولايات المتحدة وبداية الاهتمام بإرث الحضارة الغربية

بدأت حركة الحفاظ على الآثار القديمة بشكل رسمي منذ القرن التاسع عشر في أوروبا، وقامت على أساس الحفاظ على منجزات الحضارة الغربية. فمع انطلاقة  شرارة الثورة العلمية درس بعض العلماء تأثير الزمن على الآثار والمقتنيات وغيرها مما جعلها مثار اهتمام كبير كحقل معرفي. ومع بدء الحركات المجتمعية بالضغط لتشريع قوانين تخص الإرث، عُهد للهيئات ذات الخلفية المعمارية أو الآثارية بالوصاية على المباني. حيث يعزى أول جهد منظم للحفاظ على الإرث “لوليام موريس وفيليب ويب” عام 1877 فقد أسسا سوية جمعية المملكة المتحدة للحفاظ على المباني وكان أول أهدافها هو حث المجتمع على المساهمة في وقف خطط المجالس المحلية التي تستهدف المباني القديمة.

صورة وليام موريس

 كان موريس وويب متأثران بالحركة الرومانطيقية خصوصا بما قدمه راسكين، أحد أهم روادها.  تقوم هذه الفلسفة على ضرورة العودة إلى الطبيعة وجمالها لأنّ هذا من صميم الوجود الإنساني ولذلك دعت إلى الحفاظ على الإرثين الثقافي والطبيعي. فبدأت الهيئات المختصة بالحفاظ على كل ما هو فني وجمالي، أي كل ما وجدته الطبقة المتعلمة المثقفة يستحق الحماية ككنائس القرن السابع عشر والمنازل الريفية للنخبة، وذلك للحفاظ على الصور الإرثية الماضية التي شكلت أوروبا على ما هي عليه اليوم.

عام 1878 نشر المعماري الفرنسي المختص في الترميم “يوجين فيوليت-لي- دوك ” سلسلة من الوثائق التي تعنى بأهمية وطرق الحفاظ على الإرث. أما عام 1888 في ألمانيا فكان “فريدريش رانثجن” أول كيميائي يتم تعينه في المتحف الملكي في برلين وقد طور فريدريش طريقة لحفظ المقتنيات الأثرية كما نشر في السنة التي تليها كتيبا عن الحفاظ على الإرث.

تابعت قصة الإرث تطورها في المملكة المتحدة؛ ففي عام 1895 طبقت الوصاية الوطنية بشكل دولي للتعريف بالأخطار التي تواجهها المناظر الطبيعية في ليك ديسكريت (منطقة البحيرات-منطقة شمال غرب إنجلترا تشتهر ببحيراتها وبتاريخها الأدبي). أما المؤسسون الاجتماعيون (اليساريون) فقد طالبوا بالحفاظ على الأراضي الريفية والمناظر الطبيعية لإعادة تقديمها واستخدامها من قبل العامة.

القرن العشرين والجهود الدولية في المحافظة على الإرث

أما عام 1900 فقد كتب رئيس جامعة هيرويت وات الكيمائي “آرثر بيلان لوري” بحثا رائدا في كيفية الحفاظ على الإرث مركّزا اهتمامه على اللوحات والأحجار.

في العام 1907 صدر القانون البرلماني ببريطانيا وأعطيت الوصاية الوطنية للمنظمات وكذلك الحق باعتبار الممتلكات التي بحوزتها ممتلكات غير قابلة للتصرف وذلك لتمكين الوصاية الوطنية. تم “حفظ” كل ما هو “عظيم وجميل” “لتذكير” الأجيال القادمة بالقيم والعواطف التي يجب الحفاظ عليها وذلك لرسم أهم معالم الهوية الأوروبية.

وفي عام 1922 كان أول جهد دولي عبر تعاون المتاحف بعصبة الأمم وتأسيس مكتب للمتاحف وعقد مؤتمرات عدة أولها في روما (1930) ومن ثم في أثينا (1931) وباريس (1933) ومدريد (1934) وناقشت هذه المؤتمرات كيفية الحفاظ على الفنون والمقتنيات العتيقة والمواقع.

أما في الولايات المتحدة الأمريكية فقد بدأ الأمر بإنشاء متنزه يلوستون عام 1872 بقرار من الكونغرس. وذلك ليكون أول متنزه وطني في العالم. يمتاز هذا المتنزه بمساحته الهائلة حيث يمتد على قرابة 3 أميال ونصف وبين ثلاث ولايات أمريكية. ويشكل المتنزه كنزا إرثيا بيئيا هائلا من العيون الساخنة والشلالات والثروتين الحيوانية والنباتية. وحتى عام 1937 حازت مؤسسة أوليفر لحفظ وترميم الفنون الجميلة على براءة اختراع لجهاز يستخدم لإعادة وصل وترميم اللوحات التي تم تدميرها.

عام 1924 قام قسم البحث العلمي والصناعي بتكليف “هارولد بلندرليث” بالبحث في سبب دمار مقتنيات المتحف البريطاني أثناء تخزينها في الأنفاق في الحرب. قضى هارولد عشر سنوات في بحثه ونشر ثلاث كتب ” the Preservation of Antiquities in 1934″ و the Conservation of Prints Drawings and Manuscripts 1937”  و the Preservation of Leather Bookbindings in 1946.

هارولد بندرليث

عام 1946 تم تأسيس المجلس الدولي للمتاحف “إيكوم” والذي يعد المنظمة الوحيدة التي تعمل على نطاق عالمي وتجمع المتاحف والمشتغلين فيها والمعنيين بصون الإرث الملموس وغير الملموس. لا زالت المؤسسة قائمة حتى يومنا هذا وتعمل بشكل وثيق مع الأمم المتحدة واليونسيكو إضافة ل35 ألف عضو حول العالم، وعام 1986 أعد المجلس قائمة بأهم المبادئ التي يجب على المتاحف الالتزام بها.

“شعار المجلس الدولي للمتاحف “إيكوم 

 

في المملكة المتحدة عام 1950 تم إنشاء المؤسسة الدولية للحفاظ على مقتنيات المتاحف وركزت المؤسسة على زيادة الوعي بالممارسات التي تعنى بحفظ مقتنيات المتاحف كما تضمنت برامجا لتدريب المسؤولين الأقدم على الحفاظ على هذه المقتنيات.

بحلول عام 1954 كانت الحرب العالمية الثانية قد خلفت دمارا كبيرا بالإرث وحينها اجتمعت الجهود الدولية في معاهدة تركز على حفظ الإرث حصرا، لا زالت هذه المعاهدة قائمة حتى يومنا هذا وتلعب دورا مهما في حفظ الإرث.

بين عامي 1959-1964 واجه معبد أبو سمبل الفرعوني تهديدا حقيقيا جراء مخططات بناء سد أسوان العالي وكان ذلك محفزا بجعل العالم بأكمله يتعاون للحفاظ على الموقع الأثري. جُمع المال وتم نقل معبد أبو سمبل وبناء السد كما خطط له. أدرك العالم أنه بحاجة لنظام حماية أكثر فعالية لحماية مواقع الإرث ونتيجة لهذا اقترحت اليونيسكو وإيكوموس معاهدات جديدة تساعد في حل مثل تلك الأزمات.

في عام 1964 أسست منظمة “إيكوموس” غير الحكومية ومقرها في باريس وتعنى بفلسفة وطرق الحفاظ على الإرث الثقافي. تعمل المنظمة حاليا مع 84 دولة وبالتعاون مع اليونيسكو بصفتها هيئة استشارية. إضافة لذلك، تعمل المنظمة في مجال البحث والتبادل الثقافي والنشاطات المتعلقة بمشاريع الحفاظ على الإرث.

في منتصف القرن العشرين، ازداد الاهتمام بالإرث وبكيفية الحفاظ عليه أكثر وانتقلت المبادئ الأوروبية العامة التي تعنى بالإرث لتصبح شأنا دوليا، يشمل الميثاق الدولي (1964)  (ميثاق البندقية)  لحفظ وترميم المنشآت الأثرية والمواقع  على 16 بندا كان أهمها “إن الأثر التاريخي لا يتضمن فقط العمل المعماري بمفرده بل أيضا الموقع الحضري أو الريفي الذي يحمل دليل مهم لحضارة معينة أو حدث مهم أو حدث تاريخي”  كان الاهتمام الأكبر ينصب على طراز المبنى كما تضمن الميثاق رؤية المؤسسين الاجتماعيين (اليساريين) بالحفاظ على المنشآت الأثرية بغرض “إعادة تدويرها” للمجتمع (البند الخامس).

معبد أبو سيمبل- مصر

عام 1972 واستجابة لقضية معبد أبو سمبل في مصر تعاونت اليونيسكو ومنظمة إيكوموس على صياغة معاهدة تشمل الحفاظ على الإرث العالمي بأكمله. وتضمن الحفاظ على الإرث مفهوم الحفاظ على الطبيعة كنتيجة لما قدمته منظمة (IUCN) التي تؤمن بأن مفهوم الحفاظ على الإرث يشمل وينطوي على الحفاظ على الطبيعة كذلك. وعقب المعاهدة، بدأت صياغة قوائم الإرث العالمي التي تتضمن كل موقع إرثي واقع تحت أي تهديد وذلك لغايات حمايته والحفاظ عليه. وكان للأردن نصيب من لائحة الإرث العالمي ففي عام 1985 تم تسجيل البترا وقصر عمرة في اللائحة وفي عام 2004 تم إدراج منطقة أم الرصاص أما في عام 2011 فتمت إضافة محمية وادي رم الطبيعية، وفي عام 2015 أضيف مغطس المسيح عليه السلام.

تنامى الاهتمام بقضايا الإرث في ستينات وسبعينات القرن الماضي خصوصا فيما يتعلق بسياحة الإرث والمقدمات التشريعية والسياسات المتعلقة بالإرث. ففي عام 1972 صبت منظمة اليونيسكو تركيزها على صون الإرث الثقافي والطبيعي في العالم. وبهذا سادت قيم ومفاهيم الإرث وشملت كل ما يحمل قيمة جمالية من الماضي سواء كان مكونا اجتماعيا أو ثقافيا أو بيئيا أو معماريا أو تاريخيا.

وتم استكمال صورة الاهتمام بالإرث في أستراليا كذلك، ففي عام 1970 قام اتحاد العمال بمجموعة من الحملات عرفت بGreen Bans. هدفت هذه الحملات لمنع إقامة مشاريع سكنية في الأماكن التي تعتبرها القيادات المجتمعية إرثا ثقافيا أو طبيعيا. وفي عام 1977 تم الحفاظ على منطقة فكتوريا ستريت في ملبورن من تطبيق مشروع عقاري. وعبر توالي أعمال الشغب والاحتجاجات غابت الوصاية الوطنية.  وبعدها تم إصدار قانون ساوث ويلز (ولاية أسترالية) للإرث فوفق هذا القانون تم الحفاظ على المنازل لقيمتها الجمالية لا لقيمتها المجتمعية كمنازل بأسعار معقولة. لم يتم الحفاظ عليها كذلك من أجل سكانها الذين قادوا الاحتجاجات ولا لأن الحس المجتمعي كان قد أعطى أثره.  وبهذا انتصر مبدأ الحفاظ على الإرث وهزمت كل المساعي المجتمعية المغايرة.  ومن هنا بدأت كتابة التاريخ من القاع (الشعب) إلى الأعلى (السلطة) في حين كان يُملى سابقا من الأعلى إلى القاع، وبهذا اكتسب الإرث أهمية كثيرة بوصفه مرآة الشعوب.

في عام 1979 حُرر ميثاق  Burra I COMOS  في أستراليا والذي تابع ما قدمه ميثاق البندقية السابق، وذلك ضمن إطار الفلسفة الرومانطيقية التي أسس لها راسكين سابقا. أعيدت في عام 1999 كتابة ميثاق بورا وحاول الميثاق أن يتعاون بشكل أكبر مع المجتمعات وأن يزيد من انخراطها في تعزيز نشاط حفظ وصون الإرث. على أن الوصاية على المنشآت الأثرية كانت قد ارتبطت بخبراء المجال فحسب ولم يكن النضج المعرفي بخصوص الإرث والهوية قد اكتمل حتى عند الخبراء أنفسهم ولم يكن الوعي كذلك قد تركز على أن المعنى والقيمة الجمالية يكمنان في طراز المبنى الذي يعكس روح العصر وثقافة الأمة التي بني فيها.

وقد فرضت الأردن عام 1988 قانون الحفاظ على المقتنيات والمواقع القديمة  وينص هذا القانون على أن كل ما يعود تاريخه لعام 1750 م هو قيد الحماية.

عام 1996 قامت لجنة بلو شيلد الدولية بالاهتمام بالإرث الواقع في مناطق الصراع وصاغت أحكاما ووضعت استراتيجيات للمساعدة في حماية المواقع أثناء الحالات الطارئة.

القرن الواحد والعشرين واستكمال مسيرة الحفاظ على الإرث

عام 2001 وضعت اليونيسكو معاهدة لحماية الإرث التحت مائي وقد صيغت المعاهدة لحماية كل المواقع الأثرية والنشاطات البشرية والحياة البحرية في قيعان البحار. إضافة لأهداف أخرى كمنع الممارسات غير المرخصة وغير المصرح بها التي تهدد الحياة البحرية.

عام 2003 صيغت معاهدة الإرث غير الملموس والتي تهدف لبيان أن الإرث غير الملموس يرتبط ارتباطا وثيقا بذلك الملموس. تضمن الإرث غير الملموس اللغة والتقاليد المحكية والحرف التقليدية والطقوس والفنون المسرحية. ولأننا في مواجهة العولمة فإن كل هذه الأمور تحت خطر الذوبان والاختفاء ولهذا تهدف المعاهدة لحفظ هذه السمات التي تميز مجتمعا عن غيره.

أما في عام 2011 أطلقت جمعية حماية الآثار السورية وثائق تتضمن الإرث التاريخي الواقع تحت التهديد والنزاع. وتهدف الجمعية لتعريف المجتمع الدولي بالآثار التاريخية التي دمرت في كل محافظة من محافظات سورية.

بهذا رسمت لوحة الحفاظ على الإرث في عالمنا المعاصر، ففي كل مرة تسمع أهزوجة تقليدية أو ترى فيها قصرا نبطيا أو عامودا رومانيا تذكر ذلك التاريخ الطويل الشاق الذي عبره الإرث ليصل إليك ويشكل تاريخ أرضك وشعبك ويضع بصمته في حاضرك ومستقبلك.

المراجع :

  • Smith. L (2006) Uses of heritage (1st C), USA, Canada, Routledge
  • International charter for the conservation and restoration of monuments and sites (Venice charter 1964)
  • Jordan’s Sites prescribed in the World Heritage List, UNESCO Website

رواية الحفاظ على الإرث

ولد وليام موريس في بريطانيا وكان معماريا كلاسيكيا تخرج من من جامعة أكسفورد عام 1856. كان من الأوائل الذين أثاروا قضية الحفاظ على الإرث في القرن التاسع عشر وجذب الاهتمام إليها. حيث كان الإرث قبله يعاني من سوء الرعاية وقلة الاهتمام.  الأمر الذي دفع موريس لتغيير مفاهيم وممارسات الحفاظ على الإرث وتأسيس جمعية لحماية الأبنية القديمة (SPAB) عام 1877.

صورة وليام موريس

قامت الجمعية بالكتابة للمجالس المحلية لحثهم على إلغاء خططهم التي تسعى لتدمير الإرث. وقد حُفظت العديد من الرسائل إلى وقتنا الحاضر مبينة القيم المختلفة للإرث والأشكال العديدة التي يتخذها وفقا لما رآه موريس. إن أهم جزء في هذه الخطابات كان الجزء الذي يسلط الضوء على روح وفلسفة الجمعية.

شعار الجمعية

فالبيان أدناه يوضح كيف أن الإرث عامل تعليمي وتثقيفي مهم لأبنائنا من الأجيال اللاحقة. يحاول موريس أن يوضح لنا كيف أن تجريد المبنى وعزله عن سياقه ومحاولة تغيير مظهره هو محاولة لنزع هويته وحرمانه من صورته الأصيلة. ويعقب بأن “الأوصياء على المباني”  يتوجب عليهم أن يحموا  إرثنا دون المساس بقيمته الجمالية. يقترح موريس أيضا أن الإرث “يمكن أن ينظر [إليه] على أنه أمر فني أو تصويري أو تاريخي أو عتيق أو أمر أساسي وضروري” أي أنها أمور ستكون محط توقير واهتمام من قبل أجيال المستقبل.

يتابع بيان الجمعية موضحا الفوائد العائدة عن صون الإرث:

 “يجب على الجمعية التي تنادي بالحفاظ على الأبنية القديمة أن توضح كيف ولماذا للعامة. كيف ولماذا ستحمي الأبنية القديمة التي يعتقد الغالبية العظمى من الناس أن لها من يحميها ويرعاها أيما مراعاة وهذا هو التوضيح الذي سنقدمه.

لقد ظهر في الخمسين سنة الأخيرة اهتمام جديد، بلا شك. لقد أثارت هذه المواقع الفنية اهتمام الدراسين وكانت مثار حماس ديني وتاريخي وفني وهذا حتما أحد أهم مزايا عصرنا الحالي. على أننا نعتقد أنه إن استمرت هذه المعاملة بهذه الطريقة لن تجد الأجيال القادمة أي فائدة من هذه المواقع عدا عن برودة شعورهم تجاهها. إننا نعتقد أن هذه الخمسين سنة من المعرفة والدراسة ألحقت الدمار بهذه المواقع أكثر بكثير من قرون من الثورة والعنف وحتى الازدراء والتحقير.

أما بالنسبة للعمارة فبعد سنوات الاضمحلال الطويلة ماتت كفن من الفنون وبعثت كحقل معرفي من القرون الوسطى. ولهذا فإن العالم المتحضر في القرن التاسع عشر لا يمتلك طرازا معماريا خاصا به على الرغم من معرفته بجميع الطرز الخاصة بالعصور الأخرى. من هذا النقص ومن هذه المعرفة خطرت في بالنا فكرة غريبة: ترميم المباني القديمة؛ هذه الفكرة الغريبة والمصيرية والتي يتضمن اسمها إمكانية تجريد المباني من معناها ومن سياقها التاريخي والابقاء عليها بحالة من العشوائية بحيث لا تزال تاريخية قائمة كما كانت من قبل.

في وقت مبكر كان مثل هذا التزييف أمرا مستحيلا لأن المعرفة خانت المعماريين أو حتى لم تستطع تثبيت موقفهم.  إن احتجنا للإصلاحات وإن طغى الطموح أو المعتقد الديني وأريدَ التغيير فإن هذا التغيير سيكون مطلوبا بشكل لا لبس فيه. يمكن لكنيسة بنيت في القرن الحادي عشر أن تعدَّل وتغيَّر في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر أو الرابع عشر أو الخامس عشر أو السادس عشر أو حتى القرنين السابع والثامن عشر. ولكن، كل تغيير حاصل، أيا كان التاريخ الذي دمره هذا التغيير، سيترك التاريخ بفجوة دون تلك الأفعال التي أغنت روح المكان أثناء تصميمه.  والنتيجة هي مبنى بتغييرات قد تكون قاسية ومرئية للعيان وعلى النقيض تماما  من تغييرات مفيدة ومثيرة للاهتمام وغير مضللة. ولكن أولئك الذين يقومون بهذه التغيرات تحت دعوى الترميم  يقولون بأنهم يبتغون إعادة المبنى إلى الحقبة التاريخية الخاصة به ولكنهم لا يمتلكون دليلا أو توجها محددا بل يتبعون أهواءهم الشخصية لتقرير ما هو جميل ويستحق الإبقاء عليه وما هو قبيح ويستحق الإبعاد. بينما تفرض عليهم مهمتهم أن يهدموا شيئا وأن يملؤوا الفجوة بتخيل ماذا كان أصحاب الموقع الأوائل ليفعلوا أو ماذا يتجب عليهم أن يفعلوا.  إضافة لما سبق، يتم العبث بسطح وشكل المبنى بأكمله أثناء عملية الهدم والإضافة، لذا فإن كل الطرز القديمة والمظهر العتيق سيختفي من المكان. وهنا لا يوجد من يتابع أو يشك بما قد يفقد من المكان. وفي المحصلة، تزييف واهن وخال من الحياة وجهد مهدور.

إنه من المحزن القول، أن أغلب الكاتدرائيات وعدد كبير من المنازل المتواضعة في إنجلترا والقارة كذلك يتم التعامل معها من قبل رجال بموهبة جيدة يستحقون توظيفا أفضل، ولكنه الصمم عن دعوات الشعر والتاريخ، بكل معنى الكلمة!

ولما تبقى من الإرث، فإننا نضرع للمعماريين أنفسهم، قبل الأوصياء الرسميين على المباني وقبل الشعب بشكل عام، إننا نتوسل إليهم بأن يتذكروا أن ما فقد من الدين والفكر والقيم الخاصة بالماضي ودون موافقة عالمية، يمكن أن يحفظ. وأن يضعوا بعين الاعتبار أنه بالإمكان حفظ هذه المباني وحفظ روحها التي لا يمكن أن تتكرر والتي كانت جزءا من الدين والفكر والقيم الماضية. وبدورنا نؤكد لهم بلا خوف أن كل الترميم الذي تم فعله لم يتطرق للتجريد المتهور للمباني من أكثر خصائصها المادية إثارة للاهتمام؛ بينما يحتفظ الأفضل بترميم مطابق ومناظر للصورة القديمة وإن طلب منا في نهاية المطاف توضيح مقدار ما تحمله هذه المباني من فن أو طراز بشكل يجعلها تستحق الحماية فإننا سنجيب بأن كل ما يعتبر فني أو تصويري أو تاريخي أو عتيق أو أساسي وجوهري: أي عمل لن يختلف على جماله المثقفون والفنانون.

وهذا يختص بكل هذه المباني، من كل الأزمنة والطرز. إننا نتضرع للقائمين على هذه المباني بفرض حماية على المكان لترميمه. لحفظ هذه المباني من الدمار عن طريق الرعاية اليومية، لإسناد جدار يكاد ينهار أو إصلاح سقف يرشح ماء.  مثل هذه الأمور التي يقصد بها الدعم والتغطية وعدم ادعاء وتزييف أي فن آخر بل الإبقاء والتأكيد على طراز وزخرفة المبنى كما هو. إن لم يعد المبنى صالحا لاستخدامه الحالي فلن نقوم بتغييره أو توسعته بل سنقوم بإيجاد مبنى آخر. لتتم معاملة هذه المباني كمواقع لفن الماضي، مواقع صممت بقيم وأعراف الماضي التي لا يمكن للفن الحديث أن يتدخل فيها دون تدميرها

وبهذا، هذا وحده، يمكننا الهروب من فخ التعلم والمعرفة الذي وقعنا فيه. بهذا وبهذا فقط يمكننا حماية المباني القديمة وتسليمها للأجيال القادمة بحالتها الفنية للأجيال التي تلينا”[1]

يتوضح لنا من هذا البيان أن موريس قدر الإرث تقديرا كبيرا. عقب تأسيس الجمعية، كتب الأعضاء بشكل فاعل رسائل توضح الدمار اللاحق بالإرث حاثين المجتمعات المحلية على المساهمة في وقف مخططات المجالس. لا زالت الجمعية موجودة حتى يومنا هذا ولا زلت تمارس نشاطاتها وفقا لنفس المبادئ مؤكدة على أن فكرة الإرث ستظل دوما متعلقة بالمجتمع المعاصر.

كان موريس الرجل المحفز لبدء وتطوير قضية الحفاظ على الإرث. وقبله كان الأمر يدور حول استبدال الإرث لا الحفاظ عليه.  واليوم، أصبح الإرث قضية جيو-سياسية في العالم عملت على قيام منظمات كاليونيسكو التي وجدت للتأكيد على أن كلا الإرثين الملموس وغير الملموس محمي. أصبح قانون الإرث حقلا متطورا أيضا يجبرنا على أخذ الأخلاقيات والسياسات والمعاهدت الدولية المتعلقة بإدارة الإرث بعين الاعتبار.  إننا ندين لأناس كموريس أرونا قيمة الحفاظ على إرثنا.  فيتوجب علينا الاستمرار بكوننا “أوصياء على المباني” وأن نحاول جهدنا لاستكمال القيم التي خطها بيان موريس.

[1]موريس، و. 1877  جمعية حماية الأبنية القديمة. البيان متوفر في : https://www.spab.org.uk/what-is-spab-/the-manifesto/

وليام موريس رمز حركة الحفاظ على الإرث

Scroll to top