الزيتون في المملكة الأردنية النبطية الجزء الأول- الإنتاج

رسم تصويري للملك الأردني النبطي الحارث الثالث

مقدمة

  نشأت المملكة الأردنية النبطية في القرن الرابع  قبل الميلاد حيث ذكرهم ديودورو الصقلي، ولكنهم بدأول التوطن في المنطقة منذ القرن السادس قبل الميلاد، ليفرضوا نفوذهم السياسي على المملكة الأردنية الأدومية، حيث لا يمكن الفصل بين الوجود النبطي والأدومي في نهايات عمر المملكة الأردنية الأدومية، واتخذ الأردنيون الأنباط من السلع (البتراء) عاصمة لهم سيطروا منها على قطاع واسع من المنطقة، وامتد نفوذهم من مركز وجودهم، وموئل نشأتهم ليشمل البلقاء، وحوران وشمالي الحجاز، كما فرضوا سيطرتهم على ميناء غزة، ولكن في سنوات نشأتهم الأولى كان تمركز الأردنيين الأنباط في البوادي الجنوبية وعلى حواف حفرة الانهدام من الجنوب الشرقي، في بيئة شبه جافة ذات مناسيب هطول مطري منخفض، إلى جانب شح في المسطحات المائية السطحية، الأمر الذي يعتبر منافياً للطابع العام لنشوء الحضارات، حيث كانت الحضارات القديمة بشكل عام تنشأ حول المسطحات المائية من بحيرات وأنهار وغيرها، إلا أن الأردنيين الأنباط استطاعوا بناء حضارتهم العظيمة رغم الظروف البيئية القاسية والتس استطاعوا التغلب عليها بحلول هندسية مبتكرة(احسان:1987).

تشير شواهد أثرية عديدة على وجود الزيتون وزراعته بالإضافة لكونه عنصراً غذائيا ذو أهمية في الحياة النبطية (السلامين:2016)، حيث سوف نقوم في هذا البحث بتوضيح هذه الشواهد، التي تتركز حول هندسة المياه التي وظفت في سبيل الزراعة، وطرق استصلاح الأراضي وزراعتها بالزيتون وغيره من المزروعات الرئيسية، كما سنقوم بشرح آلية عصر الزيتون وأبرز معاصر الزيتون النبطية المكتشفة.

الهندسة المائية النبطية والزيتون

2

استطاع الأردنيين الأنباط كما ذكر في المقدمة التغلب على الطابع البيئي الذي يميل إلى الجفاف في قلب دولتهم ومركزها في جنوب الأردن، حيث استطاعوا الحفاظ على عاصمتهم ومركزها في نفس المنطقة رغم توسعهم في مناطق ذات وفرة مائية، بسبب عبقريتهم في الهندسة المائية وايجاد الحلول الفعالة للتغلب على شح المياه، لا لتأمين حاجتهم الطبيعية من مياه فقط، بل توفير كميات مياه كافية للتوسع بالإنتاج الزراعي المكثف، والحفاظ على أمنهم المائي الذي كان أحد أهم أسباب صمودهم في وجه العديد من محاولات القضاء على نفوذهم واحتلال عاصمتهم على مدى عقود طويلة (المحيسن:2002).

  حافظ الأردنيون الأنباط على مركز دولتهم الذي نشأت منه ورفضوا نقل مركزها إلى المناطق التي توسعوا إليها، لذلك قام المهندسون بالأنباط بتطوير أنظمة حفظ ونقل للماء، وأنظمة ري أتاحت لهم الحفاظ على أمنهم المائي والغذائي في مواجهة أي محاولة لقطع الامداد عنهم (احسان:1987).

تنوعت النماذج التي استخدمها الأردنيون الأنباط لتخزين المياه حسب الموقع الجغرافي ومصادر المياه المتوافرة به، حيث اعتمدوا نموذج (قلاع المياه) وهي خزانات مائية ضخمة الحجم ذات قدرة استيعابية كبيرة تتجاوز الألف متر مكعب،  في محيط عاصمتهم البتراء، حيث شيدت هذه الخزانات على ارتفاع 1100 متر فوق سطح البحر، لترتفع عن حوض مياه البتراء، لتحقق انسياب طبيعي للمياه من الخزانات عبر القنوات (المحيسن:2002).

فيما استغل الأنباط مياه العيون التي تجري في فصل الشتاء ومدوا منها أقنية باتجاه خزانات متوسطة أو صغيرة الحجم، ليتم حفظ هذه المياه لاستخدامها في فصل الصيف حين تجف عيون المياه، بالإضافة للعديد من خزانات جمع مياه الأمطار مختلفة الأشكال والأحجام، ذات أنظمة تصفية للمياه من الشوائب والأتربة وغيرها.

ولم يكتفي الأنباط بالخزانات المبنية لحفظ المياه، بل برعوا أيضاً بحفر آبار لجمع مياه الأمطار في الصخور الكلسية لحفظ المياه ومنعها من التسرب في طبقات الأرض.

أما في مجال الوقاية وتوظيف الطبيعة فقد أنشأ الأنباط البرك المائية عند ملتقيات الأودية والسيول، بالإضافة لبنائهم المتقن للسدود المائية في المواقع المعرضة لخطر الفيضانات.

استطاع الأنباط عبر هذه التقنيات الخاصة بتجميع المياه الاستعادة عن مسطحات المياه الطبيعية التي نشأت حولها الحضارات القديمة، حيث وفرت لهم هذه التقنيات كميات مهولة من المياه التي طوروا لاستثمارها شبكة معقدة من القنوات التي توصل مياهها للتجمعات السكنية، وللوحدات الزراعية من حقول ومصاطب وغيرها.

تشير بعض الآراء المختصة بأن هذا النظام المائي المعقد سواءً بالتخزين أو بالنقل، وخصوصاً نظام قنوات المياه الزراعية، إلى أن الأنباط استثمروا المتاح لهم من الطبيع بأكثر الطرق كفاءة وفعالية، واذا ما نظرنا إلى المواقع في قلب المملكة النبطية نجدها مواقع عرف بها الزيتون منذ العصور الحجرية مثل وادي رم، ومرتفعات مؤاب وغيرها، ولكون زراعة الزيتون تعتبر زراعة بعلية بشكل رئيسي فإن استثمار الأراضي المرتفعة والوعرة بها أمر مؤكد، حيث تساعد أشجار الزيتون على تماسك التربة وعدم انجرافها، فيما تستطيع الأرضي الجبلية الوعرة والصخرية على حفظ كميات جيدة من مياه الأمطار داخلها مما يرفع من كمية محصول الزيتون وكرمة العنب التي زرعت بكثافة في هذه المناطق كما ترفع من جودة هذا المحصول  (المحيسن:2002).

زراعة الزيتون لدى الأنباط

لقد مارس الأنباط الزراعة بشكل مكثف، حيث لم يمارسوا الزراعة كوسيلة لسد احتياجاتهم الغذائية فقط، بل كانت منتجاتهم الزراعية عنصراً أساسيا في تجارتهم، لذلك قام الأنباط باعتماد نظم زراعية مختلفة، كل نظام يتناسب وطبيعة الأرض المزروعة، وكان يتم اختيار المحاصيل بناء على عدة عوامل، منها نوعية الأرض، توافر المياه، وغيرها من العوامل وصولاً لأعلى نسبة انتاج بأقل مدخلات انتاجية ممكنة.

ولا تقتصر أهمية الزراعة لدى الأنباط على دورها الاقتصادي من حيث الأمن الغذائي والتجارة بالمنتجات الزراعية، بل رسخت أهمية النشاط الزراعي في وجدان الأردنيين الأنباط عقدياً، حيث كرست المعابد، وقدمت القرابين النباتية، كما كان للآلهة النبطية ارتباطات بالزراعة ومواسهما مثل الإله بعل إله المطر والصواعق، والآلهة الأنثوية التي ترمز للخصب كاللات والعزى، كما ارتبطت الأعياد الدينية بمواسم البذار و الحصاد (احسان:1987).

Dushara
الإله ذو الشرى حاملا قطف العنب

نستطيع تتبع وجود الزيتون في المملكة النبطية عبر تتبعنا لمعاصر الزيتون، أو بقايا أشجار الزيتون وبذور الزيتون، حيث وجد آثار لمعصرة زيتون بالقرب من البتراء وثبت وجود مساحات من الأراضي زرعت بأشجار الزيتون في محيط البتراء(rawashdeh:2016)، كما انتشرت معاصر الزيتون النبطية في منطقة وادي موسى ومرتفعات الشراة، ووادي عربة، وهضبة مؤاب، وبطبيعة الحال فإن امتداد النفوذ النبطي حتى حوران المشهورة بزراعة الزيتون على مر التاريخ، يؤكد أن الزيتون وزيته منتجات نبطية أساسية، ويأتي زيت الزيتون إلى جانب زيت السمسم كأهم الزيوت المستخدمة عذائياً ولأغراض الإنارة لدى الأنباط.

زرع الزيتون إلى جانب كرمة العنب على المرتفعات الجبلية كما ذكرنا سابقاً، حيث وظف الأردنيون الأنباط، طبيعة شجر الزيتون الذي لا يحتاج إلى رعاية مستمرة على مدار العام كما لا يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، ويعتمد بشكل عام على مياه الأمطار في الموسم المطري، وقام الأنباط بتقسيم الأراضي الجبلية على شكل مصاطب، باستخدام الحجارة والسناسل الحجرية التي تستخدم حتى يومنا هذا، أولاً لسهولة تمهيد كل مصطبة على حدى وتنظيفها من الحجارة والأعشاب والضارة، تمهيداً لزراعتها، ثم لزيادة منسوب مياه الأمطار المحتجزة في التربة لتصل لها جذور الأشجار على مدار العام، تصبح كل مصطبة بمثابة قطعة أرض سهلية وبهذا تم التغلب على وعورة هذه الأراضي، على جانب آخر استغلت مساحات أراض صحراوية في زراعة أشجار الزيتون، خصوصا في وادي عربة حيث كان يتم ري هذه المساحات الزراعية من مياه الأمطار المخزنة، ولأن الزيتون لا يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، كان يستعاض عن فرق الهطولات المطرية بين المناطق الجلية والمناطق الصحروية، بالري بكميات بسيطة من المياه المخزنة من الأمطار، أو من مياه الينابيع (احسان:1987).

عصر الزيتون

                                       رسم توضيحي لآلية عصر الزيتون

تطورت آلية عصر الزيتون في الأردن منذ العصر الحديدي، في عصر الممالك الأردنية الثلاث (المملكة الأردنية العمونية، المملكة الأردنية الأدومية، المملكة الأردنية المؤابية)، حيث تم توظيف الخصائص البيئية للمنطقة بأنجع الطرق لضمان الحصول على أنقى مستوى ممكن من زيت الزيتون.

تبدأ عملية العصر عادة بجمع ثمار الزيتون المقطوفة وفصلها عن الأوراق والأغصان، ومن ثم يبدأ غسل الثمار تمهيداً لهرسها، وبعد ذلك يوضع الزيتون في حوض حجري كبير ُيصنع عادة من الحجر الصلب كالحجارة الجيرية، ويحتوي هذا الحوض على حجرين أسطوانيين للهرس متصلين ببعضهما البعض بواسطة عامود خشبي، حيث يساعد هذا العمود على تحريك الحجرين الأسطوانيين لعصر الزيتون الموجود في الحوض، ويتم هرس الزيتون، ومن ثم يتم وضع الزيتون المهروس داخل كيس، ويتم كبسه فوق مكبس وضع في أسفله حوض لتجميع الزيت الذي ينتج عن عملية الكبس (احسان:1987) .

أهم معاصر الزيتون النبطية

  • معصرة خربة النوافلة

بيّنت الحفريات التي أجرتها خيرية عمرو في خربة النوافلة في وادي موسى أن هذه المنطقة قد شهدت استيطاناً بشرياً مكثفاً خلال الفترة النبطية بدءاً من القرن الأول ق.م فصاعداً، إذ تم العثور على العديد من البقايا الأثرية هناك، وشملت بقايا منشآت مائية، وبقايا معصرة زيتون تعود للقرن الأول قبل الميلاد، إضافة إلى معصرة تعود للعصرين الأيوبي والمملوكي، ولكن بقايا المعصرة النبطية غير واضحة المعالم، ولم يتم نشر أية معلومات مفصلة عنها.

  • معصرة البد في وادي موسى
صورة لبقايا معصرة زيتون البد

البد في الإرث الأردني المحكي هو حجر هرس الزيتون، وقد َكشف مشروع الصرف الصحي الذي ُنفذ في وادي موسى عن بقايا معصرة نبطية تعود إلى نهاية القرن الأول الميلادي.
عثر عليها في منطقة البد في وسط وادي موسى، وبقايا هذه المعصرة معروضة حالياً أمام مركز زوار البتراء، وهي منحوتة من الحجر الجيري، والأجزاء المتبقية منها حوض هرس مزود ببروز دائري في وسطه، وبقايا حجارة هرس أسطوانية الشكل متساوية الأحجام، ووزنة حجرية واحدة غير منتظمة الشكل.

  • معصرة خربة الذريح الأولى

تقع هذه المعصرة في المنطقة السكنية جنوب معبد خربة الذريح في محافظة الطفيلة، وقد تم تأريخها إلى القرن الأول الميلادي، وتبلغ أبعادها 7 و 12م، يقع مدخلها في وسط الجدار الشرقي، وقد تم الكشف عن حجرة مستطيلة الشكل أبعادها 5 و 9 م جنوب مجمع الهرس حيث يبدو أنها كانت تستخدم للتخزين، وتتألف المعصرة من أحواض هرس، وحجارة هرس أسطوانية، ومكابس تتكون من مصطبة هرس وأوزان.

  • معصرة خربة الذريح الثانية

تقع هذه المعصرة جنوب قصر الدير خربة الذريح في محافظة الطفيلة، وقد تم تأريخها إلى القرنين الأول والثاني الميلاديين، وتبلغ أبعادها 13.60و8.60 م، ويقع مدخلها في وسط الجدار الغربي، وتتألف من حوض هرس دائري، ومكبس يتألف من منصة هرس وأوزان، إضافة إلى أحواض تجميع، وحوض غسيل.

  • معصرة وادي عربة
معصرة زيتون نبطية عثر عليها في وادي عربة

عثر على معصرة في وادي عربة في منطقة موا القديمة، حيث كشف عنها في القلعة، ومعظم اللقيات الأثرية التي وجدت مصاحبة لها تعود للفترة النبطية، وتحديداً للفترة ما بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي وبالإضافة إلى ذلك، عثر في منطقة بيضا على معالم صخرية دائرية يبدو أنها كانت مرتبطة باستخراج الزيت وعصر الزيتون، ولكن تأريخها غير محدد بشكلٍ دقيق، وربما استخدمت خلال فترات زمنية مختلفة.

الخاتمة

دار جدل واسع بين مجموعات من الباحثين والدارسين للحضارة الأردنية النبطية حول زيت الزيتون، حيث أن مجموعة من الباحثين رأوا أن الأنباط لم يستخدموا زيت الزيتون بشكل مكثف، ولم يقوموا بزراعته، إلا أن الحفريات الأثرية المتقدمة كشفت عن وجود معاصر زيتون نبطية موزعة على كامل امتداد الأراضي الخاضعة للنفوذ النبطي، كما أن مناطق النفوذ النبطية من جنوب الأردن حتى حوران تعتبر من أهم مناطق إنتاج الزيتون تاريخياً.

جميع الشواهد التي سقناها في البحث تؤكد على أهمية الزيتون في الحضارة الأردنية النبطية، وأن الأنباط استمروا في مسيرة إنتاج الزيتون وارثينها عن من سبقهم من الأردنيين، ليستمر الإسهام الأردني في مسيرة تطور الزيتون وانتاجه، من شجرة برية كانت تستخدم ثمارها لأغراض طقوسية تعبدية في العصور الحجرية الأولى، إلى أحد أهم عناصر المائدة حول العالم اليوم.

المراجع

  • السلامين، زياد، قراءات استهلاك وإنتاج الطعام والشراب في المملكة النبطية، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، المملكة السعودية،2016.
  • المحيسن ، زيدون ، هندسة المياه والري عند العرب الأنباط ، بيت الأنباط ، الطبعة الأولى ، 2002 ، (البتراء – الأردن).
  • عباس ، إحسان ،  تاريخ دولة الأنباط ،الطبعة الأولى ، 1987 ، (بيروت – لبنان)
  • المحيسن ، زيدون ، الحضارة النبطية ، وزارة الثقافة ، الطبعة الأولى ، 2009 ، (عمان – الأردن).
  • الحموري ، خالد ، مملكة الأنباط : دراسة في الأحوال الإجتماعية والإقتصادية ، الطبعة الأولى ، 2002 ، بيت الأنباط ، (البتراء – الأردن).

المراجع باللغة الإنجليزية

Rawshdeh saeb, published article, jordan times, Archaeologist highlights Nabataean heritage in agriculture, wine making, 2016

http://www.jordantimes.com/news/local/archaeologist-highlights-nabataean-heritage-agriculture-wine-making

Scroll to top